آخر ما قرأناه في نهاية الحلقة السابقة، شهادات الرجال الذين عرفوا بلالا عن قرب، حدثونا كيف ظهرت عليه آثار صحبة الإمام عبد السلام  ياسين في الجانب التربوي، جانب سلامة الصدر ورقة النفس والتأدب مع المصحوب واستحضار الآخرة رأي العين؛ وفي هذه الحلقة نرى كيف تُرجِمَت هذه الصحبة، وما الصحبة إلا محبة في الله ومخاللة فيه وتناصح وتزاور واستمداد واغتراف القلب من القلب وتزود الروح من الروح، وهذا ما عبر عنه الأثر الشريف “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” 1، كيف ترجمت في المجال الدعوي، فقد حلت الهداية قلبك، فأرنا يا بلال مدى نشاطك وخفتك في العطاء الدعوي مع ما كنت تلاقي من معوّقات وتصادف من صعوبات، فكم تمثلت بقول عاشق الرسول صلى الله عليه وسلم شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري رحمه الله  إذ يقول:

وَإِذَا حَلَّتِ الْهِدَايَةُ قَلْباً  ****  نَشِطَتْ لِلْعِبَادَةِ الأَعْضَاءُ

لنستمع إلى إخوانك يكلمونا عن بلائك وعطائك في مشروعك الدعوي الجديد.

–       عمله رحمه الله في مجال الدعوة

يقول الأستاذ حسن إزرال حفظه الله:

“عمله رحمه الله في مجال الدعوة فيه سبق. وكان من بعض ما علق بذاكرتي حوله أنه كان دائما يرجع إلى محاسبة نفسه وتَبَيُّنِ التقصير في مجال الدعوة وشؤونها”.

“وهذا الرجل المبارك رحمه الله رحمة واسعة بنى عملا دعويا متينا في منطقة سباتة، وكان حركة دائبة. نسأل الله عز وجل أن يتقبل منه”.

–       رجل دعوة بكل ما في الكلمة من معنى  

أما الأستاذ أحمد أبو الصواب فيقول عنه:

“كان بلال رجل دعوة بمعنى الكلمة. علَّمَنا، بقدوته وحاله قبل قوله ومقاله، الكثير من الأمور الحركية. تبارك الله! كان مدرسة في الصدق. وكان يعلم الشباب ويؤطرهم وكان وكان …. عليه رحمات الله”.

–       حركية دعوية وتهمم بالإخوة ومواساة لا تعرف الفتور

من ذلك، يضيف أبو الصواب، “لم يكن السي بلال يشارك في الأنشطة الرياضية، لكن ذلك لم يكن يمنعه من تفقدها وحضوره وتمليه وجوه الإخوة وهم يمرحون ويروحون عن أنفسهم في مباريات كرة القدم أو غيرها من الرياضات. فتلقاه، وقد بكر -ربما قبل حضور المعنيين بها- إلى أمكنة ممارستها بدراجته النارية، يباشر الإخوان ويتابع ويشجع ويَفْرَح ويمرح”.

–       بداية توسع العمل الدعوي بالدار البيضاء

ولنعد إلى رفيق بلال وأخي روحه وظله كما وصف علاقته به، الأستاذ عبد الجبار عبد الهادي، ليمتعنا بمزيد تفاصيل عن مساهمة بلال في توسع العمل الدعوي بالدار البيضاء، بعد أن كان أحد مؤسسيه. يقول عبد الجبار:

” فبدأنا مع السي بلال رحمه الله نرتب أوراق انتشارنا الدعوي. وهكذا لما دعا أحد إخوتنا، الأخَ بوغابة من حي سباتة، بعد أن حاوره فاقتنع بالعمل، وبعد أن كانت لي علاقة بالأخ شكير من قبل، بدأت تتشكل أسرة دعوية ثم أسرتان وتتابع الأمر حتى وفق الله فتكونت شعبة (مجموعة من الأسر من دون العشرة 2)، شعبة الإدريسية 3. وكان السي بلال يطوف على هذه الأسر يتفقدها ويبلغها البرامج ويتلقى منها الاستفسارات ويبلغ كل هذا يوميا الأخ بشيري، ويتلقى منه الإجابات عن الاستفسارات التي لم يستطع هو الإجابة عنها، كما يتلقى منه توجيهات الأخ المرشد السي عبد السلام ياسين.

ونظرا لمعاناته مع هذه التنقلات بين الأسر التي بدأت تنتشر في أرجاء البيضاء المدينة الشاسعة، اشترى دراجة نارية، تساعدنا على التحرك. وكان رحمه الله يردفني خلفه على هذه الدراجة ننتقل ونبحث عمن نبلغه الدعوة ونستقطبه لتعزيز صفوف الجماعة”.

طالع أيضا  سيرة سيدي إبراهيم عدي.. مخاض وتخبط يعقبه الفرج والخلاص (الحلقة الثالثة)

ولنا مع دراجته النارية وقفة فقد كان لها شأن، بدليل أن خمسة ممن أدلوا بشهادتهم في هذه السلسلة تكلموا عنها.

–       دراجة نارية لم تكن تعرف التوقف

تقول السيدة زهرة زوج بلال:

“موطور بلال مكانش كيريح” (دراجة نارية لم تكن تعرف التوقف)، طوال اليوم يتنقل من حي إلى حي ومن دار إلى دار يطوف على الإخوان 4. وفي الأيام الأخيرة من حياته ورغم أن المرض اشتد به، لم يكن محرك دراجته يهدأ أثناء النهار وساعات من الليل طوال.

ويقول الأستاذ إزرال عن هذه الدراجة: “كان بلال رجلا صبورا بشوشا صاحب دراجة يكاد محركها لا يتوقف، تجوب أرجاء مدينة الدار البيضاء الواسعة، تحط هنا وتستأنف السير إلى هناك”!

وعن هذه الدراجة، يضيف الأستاذ أحمد أبو الصواب: “أذكر أنه كانت له دراجة نارية فكان يصول بها ويجول مدينة الدار البيضاء، يتفقد ويزور الإخوان ويحضر الجلسات، ويبلغ الأخبار والبرامج وما إلى ذلك، وكان هذا دأبه باستمرار”. 

أما الأستاذ أحمد أيت عمي فيقول عنها: “كنت أسكن بجوار سيدي ابراهيم رحمه الله فكان يتصل بي باستمرار ونذهب على دراجته الزرقاء لنتفقد أحوال الإخوان وزيارة المرض ولجمع المساعدات للمحتاجين من الأرامل والأيتام” 5.

وبعد صدور الحلقة التعريفية من هذه السلسلة، راسلني أحد إخوتنا كان يعمل في لجنة وظيفية من لجان الجماعة كان بلال رحمه الله من أعضائها. ومما جاء في مراسلته ذكر دراجة بلال فقال عنها:

” … وعلى سبيل المثال كانت له دراجة نارية قديمة كان يتحرك بها في الدعوة، وكان يركبها في الشتاء والبرد القارس، وكان من شدة فرحه بما سخر الله له القيام به من شؤون الدعوة والتحرك في سبيل الله أنه مرة وهو ممتطيها، وقد بلل المطر لباسه ووصل جلده، استشعر فضل الله عليه واصطفاءه إياه، بدأ يبكي فرحا بنعمة الله عليه، فذاق ما كان يسمع به ولم يعشه من قبل “دموع الفرح” وأعظم به من فرح، الفرح بالله وبفضله. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 6“.

–         سفريات دعوية لفتح العمل بعدد من المدن المغربية

–       مدينة ميدلت

ولم يقتصر بذل بلال على المدينة التي يسكنها، وهي في الحقيقة بمائة مدينة متوسطة اتساعا وعدد سكان 7، فلقد عاوده الحنين القديم لِما كان عليه بالشبيبة الإسلامية، وما اكتسبه من دربة وتجربة في فتح العمل بالمناطق والمدن الخالية منه. يحكي السي عبد الجبار عن هذا الموضوع فيقول بعد كلام:

“… وبعدما خرجنا من الاعتكاف بدأنا نفكر مع السي بشيري ومجموعة من الإخوان، كيف نفتح عملا في مجموعة من المدن، تنفيذا لما كنا نتواصى به في اللقاء الشهري الذي كان يعقد ببيت المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، أو “الدار العامرة” كما كنا نسميه.  

كانت أول وجهة قصدناها مدينة ميدلت، أرسَلَنا إليها السي بشيري أنا والسي بلال وصحبنا معنا بعض الوثائق كي نسلمها لشباب من ميدلت كان أحد إخوتنا 8 والذي كان يعمل في منطقة قريبة منها، هيأهم ودعاهم وطلب إلى السي بشيري بعث من يكلمهم عن مشروعنا الدعوي. وفي الطريق إليها توقفت الحافلة للاستراحة بعض الوقت بمدينة وادي زم. وهذه من الطرائف التي أحتفظ بها عن السي بلال. قلت له: “السي إبراهيم انتبه للحافلة، ارمقها جيدا، انظر لونها، حذار أن تستأنف السير وتخلفنا وراءها هنا، وأنا سأذهب أشتري لحما وخبزا من الشواء المقابل”. وبينما أنا أنتظر تسلم الطعام، التفتُّ نحو مكان وقوفها، فلم أجدها! فجلت ببصري أبحث عن السي إبراهيم، فلم أره أمامي. هرولت مسرعا أستوضح الأمر، فإذا به وهو قادم نحو مكان الحافلة يسألني أين هي، أذهبت عنا؟ أجبته محتجا: نعم ذهبت وأين كنتَ وقد أوصيتك أن تراقبها؟! حوقلتُ وحسبَلْتُ وقلت له متسائلا: “ماذا سنفعل وأمتعتنا كلها في الحافلة”؟ فأجاب بكل برودة وتسليم لقدر الله “علينا أن نمتطي سيارة أجرة”.

طالع أيضا  بلال المسؤول التنظيمي (الحلقة السادسة)

“والحمد لله وله المنة، لم نلبث بعد ذلك إلا قليلا، فوجدنا سيارة أجرة ركبناها واستعجلنا السائق للحاق بالحافلة. وبعد أن لحقنا بها استوقفناها وأتممنا على متنها رحلتنا إلى مدينة ميدلت. وبعد وصولنا المدينة التقينا السي بدري والسي أبو الصواب الذي كان سبقنا إليها، فذهبنا إلى بيت وجدنا به شبابا في مقتبل العمر، تلاميذ وطلبة، منهم السي حسن العُماري والسي احْسَاسَى وآخرين. كانوا في حدود 12 أو 15 فردا. جلسنا إليهم وتذاكرنا وتكلمنا عن السي عبد السلام ومشروعه الدعوي، ولم نغادر المدينة إلا وقد شكل هؤلاء الشباب أول أسرة دعوية بها. وأذكر أنهم أكرمونا بعسل أبيض لم يسبق لي أن رأيت مثيلا له في بياضه وجودته. وبعد ذلك أخذنا شبابُ المدينة في نزهة إلى جبال الأطلس المحيطة ذات المناظر الخلابة الرائعة فعدنا فرحين مستبشرين حامدين شاكرين توفيق الله وحسن سداده.

–       مدينة آسفي

وبعد حديثه عن رحلة بلال وإياه إلى مدينة ميدلت، يتابع السي عبد الجبار حديثه عن رحلتهما الثانية لمدينة آسفي، فيقول:

“وبعد ميدلت كانت رحلتنا التالية لمدينة آسفي. فقد بعثنا السي بشيري -أنا والسي بلال- على أساس أن نتصل هناك بالسي عبد الواحد المتوكل 9. ولما وصلناها، وجدنا مجموعة من العناصر الناشطة كان يشرف عليها السي عبد الواحد منهم السي إبراهيم عبدلة والسي مصطفى الحاتمي والسي نور الدين أولحاج والسي عبد الكريم الهلالي رحمهما الله 10والأستاذ المحامي السي العربي بلخيلية وأخوه السي عبد الهادي وكان آنذاك شابا حديث عهد بالتخرج من مركز تكوين الأساتذة. وبعد أن اجتمعنا مع إخوان آسفي ونسقنا فيما بيننا في عدة أمور، ومنها تبادل عناوين المتعاطفين في الجهتين، أخبرنا الأستاذ متوكل أن السي عبد الهادي بلخليلة 11 عين أستاذا بأكادير وعليه الالتحاق بها مع بداية الدخول المدرسي، وسألنا مازحا، الا ترافقانه وتأسسان معه العمل هناك وتعودون راشدين؟ فـأجابه بلال وهو ذو الدربة والتجربة، نفعل إن شاء الله. وفي الغد انطلقت، قاصدة أكادير، سيارة رونو4 بيضاء يقودها صاحبها، السي عبد الواحد متوكل وعلى متنها نحن الاثنان والشاب المُعَيَّن حديثا أستاذا بهذه المدينة، عبد الهادي بلخيلة”.

–       مدينة أكادير

يواصل السي عبد الجبار حاكيا عن انطلاق الدعوة بعاصمة جنوب المغرب فيقول: “وبعد وصول الركب إلى أكادير اكترى السي عبد الهادي بلخليلة منزلا وجلسنا معه بعض الوقت، وقبل وداعه أذكر أننا أوصيناه وقلنا له “كن رجلا” نعني بذلك في مجال الدعوة. فبدأ السي عبد الهادي بمفرده التحرك الدعوي لا يعرف من المدينة التي حل بها إلا منزلا واحدا هو منزل والد أخينا أحمد أبو الصواب وإخوانه. ولقد كان للسي أحمد أبو الصواب دور في مساعدة السي عبد الهادي على التكيف مع المنطقة، فلم يُمض بها وقتا طويلا حتى أكرمه الله تعالى بفتح عمل الجماعة واستقراره وتوسعه بعاصمة سوس”.

طالع أيضا  معاناة بلال من ارتفاع ضغطين ضغط المخزن وضغط الدم (الحلقة العاشرة والأخيرة)

–       رحلتان لمدن الشمال

وبعد زيارة الجنوب، ها هو بلال مع رفيقه عبد الجبار يقصدان الشمال. يقول عبد الجبار عبد الهادي عن هذه الرحلة:

“ثم بُعَيْدَ ذلك شددنا الرحال إلى مدينة طنجة. كنا في لقاء مع السي عبد السلام ببيته بسلا، ومنه انطلقنا إلى مدينة طنجة في لقاء دعوي مع مجموعة من الشباب: السي إبراهيم أكورار والدكتور عدنان أنور والسي مصطفى السباعي، وكلهم كانوا يحضرون مجالس الثلاثاء مع الأستاذ ياسين رحمه الله.

وبعد ذلك ابتعثنا السي عبد السلام في مهمة أخرى، أرسلنا إلى مدينة القصر الكبير، كان من نتائجها إنشاء أول أسرة، ولا أتذكر الآن النقيب الذي بدأ العمل هناك 12، لكن والحمد لله من هنا وهناك بدأت الثمار.  

–       ثم رحلة لحاضرة فاس

“ثم كانت رحلة دعوية أخرى إلى مدينة فاس. كنا ركبا، رجالا ونساء منهن زهرة زوج بلال، فامتطينا ثلاث سيارات، سيارة السي الوالي وهو من الركب، وسيارة أعارنا إياها السي ميلود وسيارة أخرى. هناك في فاس كان لقاء موثق مع زمرة التأسيس للعمل بالمدينة السادة: منير الركراكي 13 وعبد الكريم العلمي 14وخالد العمراني 15 كانوا ثلاثتهم الركائز الأساس التي انبنى عليها عمل الجماعة هناك”.

ما ذكرنا هنا مما أورده عبد الجبار في شهادته، لا يتعلق إلا بالرحلات التأسيسية للعمل أما سفريات بلال  الدعوية العادية، فهي لا تحصى ولا تعد، وحدث عن بلال في هذا المجال ولا حرج.

الحلقة القادمة: بلال مسؤول تنظيمي


[1] رواه أحمد وغيره.
[2] يراجع فصل التنظيم في المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.
[3] حي من أحياء مدينة الدار البيضاء.
[4] كان هذا أيام لم يكن للهاتف المحمول وجود ولم يكن يملك الهاتف المنزلي من الإخوان في مدينة الدار البيضاء إلا أفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة”.
[5] من جملة ما ذكر في شهادة مكتوبة وافاني بها بعد أن بدأت نشر هذه الحلقات بموقع الجماعة. نت.
[6] سورة يونس الآية 58.
[7] حسب إحصائيات رسمية، كانت مدينة الدار البيضاء وحدها تمثل آنذاك ما يفوق ربع السكان الحضريين للمغرب.
[8] السي بدري رحمه الله.
[9] الدكتور عبد الواحد متوكل ابن مدينة آسفي، وهو عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية.
[10] كان السي عبد الكريم الهلالي من الإخوان القدامى الذين تعرفوا على الإمام عبد السلام ياسين بالزاوية البوتشيشية. وقد توفي الرجلان عبد الكريم الهلالي ونور الدين أولحاج في الشهور الأخيرة. رحمهما الله.
[11] ذ. عبد الهادي بلخيلة عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان.
[12] لا شك أنه يعني الأستاذ المهدي عاشور حفظه الله وبارك في عمره.
[13] عضو مجلس الإرشاد.
[14] عضو مجلس الإرشاد ورئيس مجلس الشورى بالجماعة.
[15] عضو الهيئة العامة للتربية والدعوة. الله يحفظهم.