تأملات في قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا 1 تقوى وإيمـان وإمامة وبيت فيه قرة العين.

إن عظمة هذا الدين تنبع من اهتمامه بتأسيس مجتمع يسوده الاستقرار والسعادة في الدنيا في ظل عمران أخوي يبدأ من اللبنة الأساس ”الأسرة”. وإن الحرص من الأزواج لتكوين الأسر السعيدة والمستقرة تبدأ بالتضرع لله تعالى والدعاء له بصفة مستمرة ودائمة.

لهذا نجد عباد الرحمان وهم الرجال والنساء قد اكتملت فيهم الصفات الخُلقية الواردة في الآيات الكريمة من سورة الفرقان. من فضائلهم الحميدة، وأخلاقهم المجيدة، وعباداتهم الرشيدة، أنهم يقصدون ربهم ويتوجهون إليه في دعائهم ومسألتهم ملحين، كما أفاد الفعل المضارع ”يقولون”، أن يهب لهم من أزوجاهم وذريتهم ما تقر به عيونهم وتسر به قلوبهم وأن يخرج من أصلابهم ومن ذريتهم من يطيعه ويعبده ويخدم دعوته.

وهذا الدعاء لأزواجهم وذريتهم في صلاحهم؛ فإنه دعاء لأنفسهم؛ لأن نفعه يعود عليهم، ويدوم في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ” 2. وفي الآخرة مرافقتهم في جنات النعيم، قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ 3.

“بل ويعود هذا النفع إلى عموم المسلمين؛ لأن بصلاح من ذُكر يكون سبباً لصلاح كثير ممن يتعلق بهم، وينتفع بهم” 4.

“وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق، شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى اللَّه عز وجل ، وفي أولهم الذرية والأزواج، فهم أقرب الناس تبعة، وهم أول أمانة يُسأل عنها الرجال” 5.

سبحان من توجهت الوجوه إلى قبلته!

طالع أيضا  بوايور: استزيدوا من النعم بدوام شكر الله عليها

سبحان من اعترفت الخليقة بربوبيته!

سبحانك من أعظم شأنك!

اعترفوا بربوبيته وعلموا أنه المتكلف بخلق الموجودات وإنشائها، وأنه القائم على هدايتها وصلاح أحوالها وتدبير أمورها.

وتوجهوا إليه بذل وافتقار متوسلين إليه باسمه الوهاب لعلهم به سبحانه أنه يهب ويعطي بلا مقابل، بلا عوض، بلا غرض، وبدون استحقاق ولا مكافأة.

وهو القائل سبحانه: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض، أ إله مع  الله، قليلا ما  تذكرون 6.

في قولهم ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا﴾، نجد البعد الجماعي والاجتماعي هو البارز، فهم لا يرغبون في تحقيق السعادة والاستقرار لجيل واحد، بل للأجيال القادمة.

الزوج في اللغة يطلق على الذكر والأنثى، فهو دعاء وطلب لصلاح الزوج والزوجة معا. فالقرآن يستخدم لفظ الزوج لمن تحقق فيهم الاستقرار الأسري وكانوا لبعضهم سكنا، وتحققت فيهم المودة والرحمة.

أما اختيار العبد في دعائه لفظة (قرة) فله دلالات كبيرة ومعاني عظيمة، فالقرة كناية عن السرور والفرح، ومن معانيها السكون والاستقرار والثبات.

قرّة أعين: “كناية عن السرور والفرح، وهو مأخوذ من القرر، وهو البرد، لأن دمعة السرور باردة”تفسير الماوردي..

كثيرا ما قورنت العين بالقرآن الكريم بالنعيم، ومن أعظم النعم أن يُزْرَقَ العبد استقرارا واطمئنانا وأمنا قلبيا وروحيا. والعين هي بوابة القلب. واستقرار العين هو استقرار للقلب.

وتقول العرب: ”أقر الله عينك”، أي: صادف فؤادك ما يحبه وما يرضاه.

فالصلاح والاستقرار الأسري يؤهل العبد لمهام ومسؤوليات مجتمعية أكبر، ولهذا نجد عباد الرحمان لهم همم عالية، وعزيمة صادقة، وهم لا يسألون الله مجرد التقوى، بل إنهم يسألون أن يكونوا أئمة للمتقين يعتنون بالدعوة وتكثير السواد من الصالحين المصلحين.

﴿واجعلنا أئمة﴾ هدى يهتدي بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة. لأن الله تعالى قال في أهل السعادة: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا 7.

وقال في أهل الشقاء: وجعلناهم أئمة يهدون إلى النار 8.

قال مجاهد رحمه الله: ”لا يكون الرجل إماما حتى يأتم بالمتقين”.

وختاما؛ نجد أن هذه الآية الكريمة جامعة للكمال في الدين واستقامة للأحوال في الحياة.

طالع أيضا  قرة العين 13: توجيه من سورة الملك

أية جامعة بين الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية.


[1] سورة الفرقان، الآية 74.
[2] أخرجه الإمام مسلم رحمه الله.
[3] سورة الطور، الآية: 21.
[4] تفسير السعدي.
[5] في ظلال القرآن.
[6] سورة  النمل، الآية:  62.
[7] سورة الأنبياء.
[8] سورة القصص.