يردد الناس دوما في حديثهم عن رمضان أنه “لما بعده”، وتعني هذه العبارة أن روح التعبد والتسابق إلى الخيرات، وقيام الليل والصيام والذكر وتلاوة القرآن في الشهر الفضيل تكون من أجل التقرب إلى الله في رمضان والتدرب على المواظبة على ذلك في باقي الأشهر بعد فوات رمضان، كما أن الصحابة كانوا يعيشون ستة أشهر بعده على حلاوته.

ماذا بقي من رمضان في قلوبنا بعد مرور أزيد من شهر على فواته؟ سؤال طرحناه على عدد من الأشخاص وتتبعنا ردود فعلهم من خلال الربورتاج التالي:

لطيفة طالبة بالدكتوراه من مدينة القنيطرة تتحدث عن رمضان الذي تزودت فيه بنفحات ربانية غمرت قلبها وعمرتها وملأتها بحلاوة الإيمان.

ومضت تقول بعد مروره وتتساءل بلغة المحفز للحفاظ على دفء هذه النفحات “عقدت الصلح مع نفسي الغافلة اللاهية، وأبرمنا الاتفاق القديم الجديد الذي نبرمه كل سنة على أن يبقى الحال على ما هو عليه بعد رمضان، وقد برهنت لها بالحجة والدليل على أننا ــ متفقتين لا متخاذلتين ــ نستطيع أن نقوم بكل ما يتراءى لنا صعبا في غير هذا الشهر:

ألم نستطع أن نصوم شهرا كاملا متتابعا، فلِماذا لا نصوم أياما قليلة متفرقة؟ ألم نقم ثلاثين ليلة مسترسلة، فلماذا لا نقومها أو بعضها في باقي الشهور؟ ألم تكن ساعتان أو ثلاث كافية للنوم، فلماذا نستجيب بعد رمضان لنداء الأرض متكاسلين عن تلبية نداء السماء؟ ألم تكن أيام رمضان حافلة بالبرامج التربوية والختمات القرآنية المكثفة وغيرها، فلماذا لا نحتفظ ببعضها على الأقل إن لم نستطع الحفاظ عليها كلها؟”.

وتابعت لطيفة بقولها “تعاهدنا إذن أن نسير على هذا النهج بعد انقضاء هذا الشهر الكريم، ولا أنكر أن أثره ما زال قائما في هذه النفس التي تحب بين الفينة والأخرى أن تركن إلى الراحة والخمول، فأذكرها بالوعد الذي قطعته على نفسها..”.

وأضافت “ما زال أثره باديا في ورد قرآني يومي تلاوة وحفظا وتثبيتا، وفي حفظ للصلوات في وقتها مسبوقة أو ملحوقة بسننها ورواتبها، وفي دعاء نستقبله من إخوة وأخوات فنقوى به على هذه الأعمال ونرسله لهم فنكسب به صحبة وأخوة هي ذلك الحبل المتين المستمر بعد هذا الشهر.”

طالع أيضا  هذا برنامج اليوم الثالث من الرباط الجامع

إحسان من مدينة تطوان في اتصال مع موقع الجماعة قالت إن مهمة رمضان هي تقويم “ما عانيناه من اعوجاج أرواحنا طوال أشهر السنة”، وأشارت إلى اختلافه هذه السنة عن غيرها من السنوات، بفضل ظروف الحجر الصحي، حيث كان الفرد متفرغا بشكل كلي للعبادة. كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ منه قبل أن يغفر له”.

وتابعت إحسان بقولها: “مر رمضان سريعا كما تمر أيام العمر، حاولت بعد رمضان أن أعض بالنواجذ على البرنامج التربوي وما استطعت، فلا زال الجسد الطيني يحرمني بلوغ الدرجات العلى من القرب لله عز وجل، استطعت خلال رمضان من إتمام حفظ السور والآيات الفاضلة وعقدت العزم على بدء حفظ كتاب الله لكن ما استطعت”.

في المقابل استطاعت المتحدثة الحفاظ على قيام الليل وجلسة الشروق بعد رمضان، “جلستان للذكر أبذل ما في وسعي للحفاظ عليهما: واحدة قبل طلوع الشمس وأخرى قبل غروبها وأيضا ورد قرآني من حزبين بعد صلاة الفجر. استطعت خلال رمضان وبعده تثبيت السنن الرواتب القبلية والبعدية. الأمر ليس صعبا ولا مستحيلا، يكفيك قلب مؤمن بالله وعزيمة كافرة بالفشل، وصحبة صالحة تنتشلك من وديان العفلة وتعينك على السير إلى الله”.

رشيد من مدينة الرباط بدوره قال في مشاركته مع موقع الجماعة: “في الحقيقة نفحات رمضان لا تعوض في أي وقت؛ وفراقه عزيز على كل مؤمن تذوق حلاوة الإيمان وحلاوة القيام بين يدي الله عز وجل، وكم يتمنى المؤمنون أن تطول اللحظات الأخيرة المتبقية من الشهر الكريم؛ لكن دوام الحال من المحال كما يقال؛ ولا شك أن النفس يذب إليها الكسل بعد الاجتهاد ومن المحزن أن تنسى بعد أن ذاقت وأن تتراجع بعد الإقدام والشيطان لها بالمرصاد؛ المطلوب منا الاستقامة والدوام على شيء التمسنا فيه الشفاء ووجدنا فيه سكينة النفس والروح وجلاء الران من القلوب اللهم لا تجعلنا من المحرومين وثبت قلوبنا على دينك آمين”.

طالع أيضا  أحاديث نبوية في فضل صيام الست من شوال

أما سهام من مدينة وجدة فبدأت حديثها للموقع بجزء من الحديث النبوي “رغم أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له!”  وتحدثت عن فضل الله ونعمته عليها أن وقعت عيناها على هاته العبارة من الحديث “التي كان وقعها على نفسي كالسيف”.

عبارة تقول سهام “جعلتني أقف وقفة تأمل مع ذاتي وألملم شتات روحي، شحذت همتي وأيقظت عزمي فلا بد أن أجعل رمضان هذه السنة مختلفا عن سابقيه، فعملت بداية على تجديد نيتي لأحسن استقبال هذا الشهر العظيم حتى يكون امتداد فضله علي طيلة السنة، بدءا من الحفاظ على الصلوات المفروضة في وقتها دون أن أنسى اغتراف فضل السنن الرواتب وصلاة التراويح والتهجد والذكر، كما حرصت على تقوية رابطتي بكتاب الله عز وجل، فهو خير أنيس لنا عبر المشاركة في الختمات الجماعية مع الأخوات الفضليات وكذا الفردية”.

وواصلت تقول بعد مرور شهر رمضان “الحمد لله بتوفيق منه وبكثير من الدعاء أحاول جاهدة أن أقطف ثمار ما حصدته في ذلك الشهر الأبرك ساعية أن تصاحبنا نفحاته إلى أن ألقى الله في رمضان المقبل وقد تقبلني عنده من المغفور لهم. فهو مدرسة تعلمنا أن القرب من الله ليس له وقت محدد من السنة بل آثاره يجب أن تظل لصيقة بأرواحنا ما حيينا وإن كان من سمات الذات البشرية التقصير فيبقى رمضان شهر تجديد نية والإنابة على طول السنة”.

مصطفى من أجدير نواحي مدينة تازة يتحدث مع موقع الجماعة عن ماذا بقي معنا من روح رمضان؟ فيقول: “بقي مع كل واحد منا بقدر الشوق الذي كان ينتظره به، وإذا كان رمضان شهر لا كباقي شهور السنة فهو هذه المرة أراده الله تعالى استثناء بكل المقاييس حيث اجتمعت فيه حرارة الشوق إلى المساجد بدفء الصلاة في حضن الأسر”.

طالع أيضا  كيف نعيش أنوار رمضان بعد رمضان؟

ثم يضيف أنْ “اجتمعت فيه حرقة افتقاد أصوات القراء بفرح اكتشاف آلاف القراء، اجتمع فيه الشعور بتقييد حرية الحركة والتنقل بفتح المجال للغوص في أعماق النفس تقويما وتقييما”.

رمضان كريم، والكريم إذا حل بمكان لا يرحل إلا وقد خلف وراءه من العطايا والهدايا ما يجعل القلوب والنفوس تترقب عودته من جديد، ولأن كان رمضان قد انقضى وانتهى فالذي شرف وكرم رمضان هو أكرم الأكرمين وفضله وكرمه لا ينقطع أبدا.

أسية من مدينة تازة هي الأخرى قالت في حديث مع موقع الجماعة: “رمضان مدرسة تربوية بامتياز جعلتنا نلتفت إلى علاقتنا مع الله والتقرب إليه، حيث تكون القلوب مهيئة لذلك، وكانت الإضافة في الحجر الصحي الذي تحول من محنة إلى منحة وفرصة للتفرغ أكثر للعبادة، ولا ننسى أمر الأبناء والأسرة ودورها الذي كان فيه خير كثير عكس باقي المواسم، حيث تعضدت روابط الأسرة وحصل الدفء التربوي الأسري، نتيجة غياب إكراهات العمل والذهاب إلى المدارس بالنسبة للأولاد”.

أسية لفتت في كلامها إلى أن الهم الجماعي لم يكن غائبا رغم الحجر، بل كان حاضرا من خلال تأسيس مجموعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتبليغ الخير إلى أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع النساء، ببرامج مكثفة من ختمات يومية وتوعيات صحية ومواعظ، والحرص على حفظ كتاب الله بشكل منظم وقيام الليل.

وفي حديثها عن رمضان قالت: “أما الأثر فالحمد لله باق على المستوى الفردي والجماعي على السواء، في الحرص على الختمات اليومية والأدعية والمواعظ، وعلى مستوى الأسرة فالأبناء كلهم ما يزالون متابعين لبرنامج حفظ القرآن الكريم منذ رمضان الذي كان تدريبا لنا، وعلينا الحفاظ على ما أخذناه منها”.