لم يسلم المغرب، كغيره من البلدان، من تداعيات جائحة “كورونا” وآثارها على السير العادي للحياة في شتى الميادين. ومما تضرر منهُ الناس في هذا الصدد إغلاق المساجد منذ 16 مارس بمقتضى فتوى “المجلس العلمي الأعلى مع طمأنة المواطنات والمواطنين بأن هذا الإجراء لن يستمر، وأن الحياة ستعود إلى نصابها لإقامة الصلاة في المساجد (انظر فتوى المجلس الأعلى 21رجب1441).
وكان المغاربة في مستوى الحدث وعيا منهم بأهمية سلامة الأبدان لإقامة شعائر الدين، وامتثالا للاحترازات الصحية لمواجهة الوباء، ومراعاة لمقاصد الشرع في تحقيق مصالح الناس، إذ التزموا الصلاة في بيوتهم طيلة أزيد من 100 يوم وليلة؛ من ضمنها ليلةُ 27 من رجب حيث فرضت شعيرة الصلاة تعظيما وتشريعا وتشريفا، و15 جمعة، و29 ليلة من رمضان الفضيل، اعتادوا خلالها ارتياد المساجد لإداء صلاة التراويح، ويومُ عيد الفطر، المعروف بالخروج الجماعي البهيج للمصليات لأداء صلاة العيد…
حفظ الله الشعب المغربي المسلم والأمة الإسلامية والبشرية جمعاء من كل سوء.
ثم تغيرت الحالة الوبائية ببلدنا وبالعالم، واتخذت الدول والحكومات الإجراءات المناسبة لإرجاع الحياة لطبيعتها ما أمكن، بما في ذلك تنظيم إقامة شعيرة الصلاة في المساجد. وبقي الاستثناء المغربي الفريد قائما، فلا يستطيع الناس ارتياد المساجد إلى يوم الناس هذا فاتح يوليوز 2020م الموافق ل: 9 ذي القعدة 1441 هـ
تفهَّم الناسُ درجة التأهُّب القصوى، فالتزموا بمقتضاها المكوثَ في البيوت، وأداء الصلوات فيها (تم تمديد الحجر مرتين من 20مارس إلى غاية 10 يونيو 2020م)، واستبشروا خيرا بتجاوز هذا الاستثناء حين اتخذ قرار التخفيف من الحجر الصحي، ليشمل التدابير الكافية لإعادة الحياة الطبيعية للمساجد (تعقيم اليدين، اصطحاب السجادة، ارتداء الكمامة، لزوم التباعد الضروري، الانصراف مباشرة بعد أداء الفريضة، عدم حضور ذوي الأمراض المزمنة، تكليف من يسهر على ذلك…)، خاصة بعد فتح المعامل والمقاهي والحمامات وقاعات الرياضة، والأماكن العامة و… ولن نعدم في ثراتنا الفقهي الأحكام الملائمة (أحكام مساجد السوق مثلا).
لكن، ومع كامل أسف، استمر هذا الاستثناء النشاز، فالمساجدُ في البلاد برُمَّتها سواءٌ في إجراء الإغلاق المستمر، الكبرى منها في المدن، مساجدُ الإقامات المغلقة وغيرها، مساجدُ الأحياء الصغيرة، مساجدُ الإدارات والمعامل والأماكن العمومية، كالمحطات الطرقية ومحطات استراحة المسافرين، مساجدُ الدوواير في البوادي والقرى حيث أعداد المصلين محدودة…صارت كلها خاوية إلا من صوت الأذان الذي يرفعه المؤذن ثم ينصرف لبيته حيث يؤدي فريضة الصلاة. ولم يكلف المسؤولون أنفسهم أي دراسة للواقع، يروم ترتيبا للأولويات أو تمييزا في وظائف المساجد المتنوعة، و الحيثيات الخاصة لهذا المسجد أو ذاك.
ومع كامل الأسف، يصر المجلس العلمي الأعلى، على مستند واحد في التخريج الفقهي، وهو سد ذريعة الضرر الصحي المتوقع من فتح المساجد، دون أخذ المعطيات المتجددة وتطورات الحالة الوبائية بالبلد بعين الاعتبار، ودون الإفادة من الطريقة الحضارية التي فُتحت بها المساجد في مختلف مناطق العالم، حتى غير المسلمة منها، جمعا وازنا بين مصلحة صحة رواد المساجد ومصلحة الأمن الروحي الجماعي، ناهيك عن مخالفة اختيارات المذهب المالكي في المسألة نظرا وعملا.
من أجل كل ذلك، لم يعُد هناك أي مسوغ للاستمرار في غلق المساجد إلى أجل غير مسمى، كما لا يسوغ فتحها كلُّها وبنفس الشكل بقاعدة “إما…وإما” التي تَلوِّح برأي أحادي دون ترَوٍّ أو بُعد نظر.
إنه لا بد من التزحزح عن هذا الجمود، ولا مفر من:
1. تحمل الجهات المعنية المسؤولية الشرعية والتاريخية والحضارية أمام الله تعالى وأمام الناس، إذ يَلزم استفراغُ الوُسع في تحقيق الأمن الروحي الجماعي، وتوفير الطمأنينة الإيمانية للمواطنين والمواطنات، فلن تُعوِزَها لا الإمكانات المادية والبشرية، ولا إبداع الطرق والوسائل للاحترازات الصحية اللازمة، ولا نسج التوصيات المساعدة لإعادة السير الطبيعي للمساجد، كما لا تنقصها إمكانية الإفادة من التجارب المعتمدة في بلدان أخرى إسلامية وغير إسلامية سارعت لفتح المساجد أول الأمر.
2. وجوب تقييم هذا القرار من خلال تنسيق مستمر بين الجهات الوصية والمصالح ذات الصلة في اتجاه إعادة الفتح التدريجي للمساجد، حيث صار مطلبا شعبيا لكل الأخيار والفضلاء والغيورين على الأمن الروحي للبلد، ودون ذلك تدويناتُهم وتعليقاتُهم وشكاويهم في وسائل التواصل الاجتماعي. ينبغي تحيين هذا التقييم بحسب حال كل منطقة، بل حتى داخل المنطقة الواحدة.
3. الحرص، عند تعذر فتح بعض المساجد لخصوصيات معينة، على الحد الأدنى لإقامة شعيرة الصلاة في المسجد بأن يؤديها الإمام بمعية المؤذن والقائم على نظافة المسجد، مع أخذ الاحتياطات الصحية الضرورية، بما يضمن سلامة هؤلاء المصلين وإقامة الشعيرة بشكل مستمر.
وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

طالع أيضا  متوكل: آن الأوان لنظام جديد أكثر عدلا وأكثر إنسانية

الدكتور عبد الصمد الرضى
منسق الهيئة العلمية لجماعة العدل والإحسان
فجر الأربعاء تاسع ذي القعدة 1441 فاتح يوليوز2020م