استفهامات عديدة تطرحها الساكنة في منطقة الغرب، تتعدد وتتنوع وتختلف في السياقات والمنطلقات، لكنها تنصب في الأخير حول سؤال واحد: كيف يتم تبني التخفيف من إجراءات الطوارئ والحجر الصحي في المغرب، ويتم استثناء المنطقة، والتشديد عليها وحصارها بشكل أكبر، بل هناك حديث عن إضافة 15 عشر يوما أخرى من الحجر الصحي.

فمن جهة، هناك المواطن الذي أرهقته الثلاثة أشهر ونيف، من الحجر، والالتزام بالمكوث في البيوت، ومن جهة أخرى، هناك السلطات الإقليمية التي تنظر إلى المنطقة بمنظار التقارير الطبية، والأرقام المهولة للإصابات في صفوف السكان، وتتصرف وفقها، كلما ازدادت الأرقام كلما كان التشدد أكبر.

نتفق على أن محاصرة الفيروس هي أولوية كبرى، والسلطات الإقليمية هي التي خوّل لها قانون الطوارئ الصحية اتخاذ ما يلزم لذلك، بل إن من حق المواطن عليها أن تقوم بكل الإجراءات لحمايته. لكن ! أليس من حقه أيضا أن يعرف ما يجري على الأقل؟ لماذا كل هذا التعتيم والضبابية في المعطيات المتوفرة للعموم؟ أين هي الأرقام الحقيقية لعدد المصابين؟

بل أين وصل التحقيق في هذه الجريمة التي وقعت في وضح النهار وأمام أعين الجميع؟

أليس من حق المواطن الأربعائي أن يتواصل معه المسؤولون؟ أم أنه مواطن من الدرجة الثانية؟ لا يستحق هذه الالتفاتة؟

يبدو أن هذه النظرة “الاستصغارية” للمواطنين صارت منهجية مستحكمة في التدبير المخزني بشكل عام إزاء منطقة الغرب، وهو المنطق المتجذّر لمفهوم منطق الرعية “المنقادة” بكل وسيلة في عرف المخزن المغربي، ومن زاوية نظر أنثروبولوجية: ليس فيها مكان لاعتبار الرعية مواطنين كاملي المواطنة، وبالتالي فليس هناك مجال للتعامل معهم إلا بمنطق الأمر من طرف السلطة، والطاعة والتنفيذ بدون نقاش من جهتهم.

ولما كانت هذه الأزمة التي مر بها المغرب، فرصة كشفت الوجه الحقيقي للمخزن/السلطة، المتحكم في كل شيء، والساهر على كل شيء، والراعي لكل شيء، توارت معه كل تلك السلط الشكلية إلى الخلف؛ فلا مجال للزينة والديكور عند الأزمات، ولا يصح إلا الصحيح، فإن خروج المخزن بمفهومه “النمطي” القديم من قمقمه، كانت مسألة ليست اختيارية من وجهة نظره، فهو كان كذلك طيلة قرون مضت؛ تجدد الأزمات ما انكشف من لونه، وما تشقق من حجر بنائه. إلا أنه لا يمكن تغييب منطق آخر داخل المنطق الذي تحدثنا عنه، وهو أن مدينة سوق الأربعاء، ونواحيها طالما عانت من هذا الحيف في التعامل مقارنة بباقي مناطق المغرب، وإن كان الجميع تحت معطف المخزن السلطوي.

طالع أيضا  الونخاري يكتب.. فاتح ماي هذا العام لا يشبه فاتح ماي في الأعوام السابقة

ولذلك تبرز مظاهر السلطوية بأشكال مختلفة وتتخذ أشكالا متعددة؛ فعلى مستوى التقطيع الترابي نجد أن مدينة سوق الأربعاء اعتبرت منذ أول تقسيم إداري عرفه مغرب ما بعد الاستعمار سنة 1958 جماعة حضرية، وهي بفعل الحيف التاريخي الذي لحقها لا تنفك تتقهقر إلى الوراء حتى أصبحت جماعة قروية في الواقع، حضرية في المراسيم الإدارية المتعاقبة فقط.

وعلى مستوى غنى المجال، فلا داعي للتذكير بما تتميز به المنطقة من ثروات فلاحية تساهم بنسبة مهمة في الناتج الوطني الإجمالي؛ هذه المساهمة التي ينبغي أن يكون أبناء المنطقة من بين المستفيدين منها بالدرجة الأولى، اعتبارا لعلاقة الناتج الوطني بالدخل الفردي للسكان بشكل عام، ناهيك عن قدرة المنطقة على استقطاب السياحة الداخلية على الأقل، بما تتوفر عليه من مجالات طبيعية وشواطئ ممتدة، تعاني بدورها من التهميش وغياب مخططات للرفع من مردوديتها. في حين نجد في الواقع أن السمة الغالبة على السكان هي الهشاشة والفقر والأمية والبطالة، وكل الأمراض المجتمعية. فأي حيف أكبر من هذا؟

أما على مستوى الثروات البشرية التي أنجبتها المنطقة، فهناك أطر ذات كفاءات عالية؛ ليس داخل المغرب فقط، بل يكاد صيتها يغطي جهات العالم الأربع، ورغم ذلك، فالسلطة في تعاملها اليومي مع المواطن تتعاطى معه باحتقار واضح، وهي الإهانة التي يحس بها المواطن الغرباوي الذي يجد نفسه يدور في نفس الوسوم المكرّسة في الثقافة الجماعية المحلية، وهي وسوم تحمل العديد من المواصفات السلبية، والتي تظهر في غلبة التوصيفات القدْحية، وسيادة جلد الذات من طرف كل ساخط غرباوي؛  وهو ما يتطلب نبشا حقيقيا في الدوافع السوسيوسياسية الكامنة خلف هذا المعطى الاجتماعي، والذي هو -بمنظار التحليل السوسيولوجي- آلية من بين آليات أخرى تغذي السلطة ومنطق التسلّط. ولعلّ هذا ما يفسّر استسلام المواطن المقهور لما يمارس عليه من “استبدادات” صغيرة، التي هي في حقيقة الأمر وسيلة لتغذية الاستبداد الكبير؛ وهي السلطة كما تمارس في الواقع، من خلال ثنائية الاستبداد والاستسلام، وهو ما يحيلنا إلى فرضيتين قد تصلا إلى درجة المسلّمتين: تجذر السلطة في المخيال الجماعي لأهل منطقة الغرب، وانغراسها في ثقافتهم المحلية، وكذلك الاستعداد المتجذّر لدى البعض منهم ليكون أرضا خصبة مستعدة لاستضافة فسيلة الاستبداد.

طالع أيضا  الدولة وجائحة كورونا: هل نشهد سعيا لإحياء ثقافة سياسية بائدة؟

إن المنطقة اليوم ليست في حاجة إلى المزيد من التشديد ولغة القهر، فما مضى من شهور كانت كافية، لتعرية واقع مهزوز اجتماعيا، وليست هناك طاقة إضافية لدى السكان لتحمل المزيد.

تعِسَت كل سلطة إن كانت لا تملك من الحلول إلا التشديد وخنق القنوات التي يتنفس منها المواطن؛ دون أن تنظر إلى تضحيات هذا المواطن الذي تم تحميله المسؤولية كاملة رغم التزامه وحرصه، وجرى غض الطرف عن الحقيقة الساطعة، حقيقة هيمنة الرأسمال وتوحش الرأسمالية.

إن كانت المنطقة قد دخلت مكرهة إلى الاستثناء، بمهنييها وفلاحيها وتجارها وحرفييها، فعلى الاستثناء أن يشملها ويشملهم، فإن كانت باقي جهات المغرب قد استعادت حيويتها تدريجيا، فعلى الدولة التفكير في حل يعوض سكان المنطقة عن خسارتهم الفادحة، فليس من العدل أبدا أن تكيل الدولة في هذه الأزمة بمكيالين، وليس من العدل أبدا أن تستمر عقلية السلطة في الاشتغال وفق المنطق التقليدي العتيق الذي لا يملك في جعبته إلا لغة المنع والحصار ومضاعفة معاناة السكان.