هناك فجوة هائلة بين الدول المصنعة الغنية المتعلمة الغالبة وبين الدول الفقيرة الجاهلة المغلوبة. وأسباب السباق ووسائله غير متكافئة بين دول يطير بها البحث العلمي والقدرة على تحقيق نتائجه واقعا متحركا وبين أخرى لا تملك إلا رصيدا يزداد إلحاحا من التطلعات الخائبة والمطالبات العاجزة، فهي تزحف على الأرض واهنة.

وتزداد الفجوة انفتاحا والهوة عمقا بين الفريق المهيمن والفريق المغلوب مع الأيام. وهذا ما يسمى بلسان العصر «نمو التخلف». من مصلحة الفريق المصنع الغني القوي أن يبقى الفريق المتخلف في إطار تخلفه لكيلا يفلت من الهيمنة التي تجعل منه سوقا للبضائع الاستهلاكية، وزبونا لشراء الأسلحة المربحة صفقاتها، المدمرة قذائفها للأخضر واليابس. فتحتاج الدول المتخلفة المتناحرة فيما بينها بالوكالة عن أطراف الهيمنة العالمية إلى إعادة بناء ما تهدم، فتعود إلى حاميها ومسلحها تشتري منه وسائل إعادة بناء ما هدمته القذائف.

هناك إلى جانب مصلحة الدول المتطورة عامل داخلي في دول التخلف، وهو قابليتها للبقاء في تخلفها، وعجزها عن التحرر من أسباب الاستبداد، والاضطراب، والظلم الاجتماعي، والبلادة الفكرية، والسلبية في ميادين العلوم، والتنظيم، والإنتاج، والحكم، والإدارة.

ينبغي أن تكون نظرة دولة الإسلام إلى التخلف والنمو وأسبابهما نظرة متكاملة، فلا تشغلنا مراقبة الهيمنة الاستكبارية الخارجية، وعدم تكافئنا معهم في ميادين المساومة، عن مراقبة آليات التخلف الداخلية في مجتمعنا، الكامنة في نفوسنا وعقولنا، الظاهرة في مواقفنا واختياراتنا. لا يشغلنا عتو رأس المال العالمي، وعدوان الشركات المتعددة الجنسية، وإخسار سماسرة الرأسمالية ومفاوضو الدول «الصديقة» الاشتراكية لميزاننا عند البيع والشراء، والعقد السياسي والاقتصادي، و«التعاون» التقني والعسكري، عن استفحال الداء الباطني فإنا إن نشتغل بالصراخ على اللص والشكوى منه لن تنتهي آلامنا. إنما تنتهي إن حصنا المكان وقمنا عليه حراسا أشداء.

طالع أيضا  التأليف البيداغوجي المبكر بالمغرب وسؤالا القيمة والوظيفة”النصوص التربوية” مثالا

إن لنمو التخلف آليات داخلية لا يفيد في تغييرها الصياح على المتلصص، ولا مسالمته، ولا محاربته، ولا إصدار قوانين في الداخل تأمر بهذا وتعاقب على ذلك. إنما يفيد تغير شامل في موقفنا، قومة عامة بها نستعيد زمام أمرنا، ونوجه مصيرنا الاقتصادي والعسكري والتاريخي وفق إرادة مستقلة، واعية، منظمة، يساندها الشعب، ويلبي نداءها.

سكن الاستعمار بين ظهرانينا عاديا علينا بخيله ورجله، وجميع أسلحته، حتى وطد بيننا للعش الذي فيه ولد ونشأ وترعرع التخلف. فلما انسحب بجسمه خلف فينا آليات سلبية استمرت في الاشتغال من بعده، مكتفيا بإشارات من بعيد، أو تدخلات مباشرة إن اقتضى الحال، أو بقلب أنظمة الحكم التي لا تحتفظ على تلك الآليات وعلى مقصدها. فلكي تقف عجلة التخلف التي تسحبنا إلى وراء وإلى تحت لابد من إفساد خطة صانع التخلف الخارجي من وجهين: وجه الانقطاع عنه والتحرر منه، ووجه إعادة بناء آليات اجتماعية، سياسية، فكرية، تنظيمية نفسية، لا تعايش للتخلف معها.

ليس التقدم الصناعي، ولا الرخاء الاقتصادي، ولا الكفاءة الفكرية، ولا الاستقرار السياسي ماهيات قائمة بذاتها، وأشياء تبتاع وتلصق بواقع متخلف أو تلبسه كما يلبس الثوب. فمن الحكام على المسلمين من….

تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين من كتاب “في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية” على موقع ياسين نت.