بقلم: ياسين وطاطا  

تشكلت معالم العالم الحديث الذي نعيش فيه بعد الحرب العالمية الثانية، واتضحت معالمه خلال فترة ما عرف بالحرب الباردة، ولعل من أهم ما ميز هذه المرحلة التاريخية هو إعادة التموقع لدول معينة على حساب أخرى، في سباق التحالفات والاصطفافات الدولية، فكانت هذه المرحلة حاسمة في تحديد مسار بلدان لعبت دورا رياديا في قيادة العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا ولازالت إلى اليوم.

لا يعيش في عالم اليوم إلا القوي، أما الضعيف فلا ينجو إلا تحت حماية القوي. لن نختلف على أنه لا بد للأمة من إعادة ربط أوصالها المقطعة، وجمع شتاتها ورص صفوفها إن أردنا أن نصنع لأنفسنا موطأ قدم تحت الشمس، لكن هذا الكلام سيكون سابقا لأوانه ودون جدوى، ما لم نؤسس للوحدة ونعمل على إنضاج شروط القوة داخل الأوطان المصغرة التي نعيش فيها أولا.

نادت الشيوعية بتوحيد العمال، وأسس لينين – الثائر- ما أصبح لاحقا قوة عظمى – الاتحاد السوفياتي – الذي سرعان ما انهار وتفكك، وقبل ذلك تفجرت الثورة الفرنسية، ثورة ‘’العامة’’ ضد النبلاء والأرستوقراطيين، حيث أُعدم لويس السادس عشر وزوجته بالمقصلة، وذُبح رهبان الكنيسة الكاثوليك الذين عانى الشعب طويلا من جشعهم وتسلطهم، هكذا طرد الفرنسيون استبداد الملكية واضطهاد الكنيسة إلى غير رجعة، لكن مقدار العنف الذي أنتجته هذه الثورات التي أزهقت مئات الآلاف من الأرواح لا تبرره أية غاية، فالمجتمع الذي تأسس على الكراهية والعنف، لا ينتج إلا مزيدا من كليهما. ومع كل ذلك، فقد ألهمت هذه التجارب الحركة الثورية عبر العالم وتأسست على إثرها تيارات وحركات ونظريات لازالت تقاوم عوامل الزمن إلى اليوم، ومنها ما برز في دول إسلامية، من إيديولوجيات غريبة عن تربتنا، إلا أنها لحد الآن لم يثبت لها أصل ولا أزهر لها فرع، وهو أمر طبيعي لا يكاد يثير تساؤلا، فالبيئة غير البيئة والظروف غير الظروف والخطاب غير الخطاب، وهل ننجح في العلاج إن أخطأنا التشخيص؟ لقد أساء ثوريونا اختيار المعركة وأخطأوا العدو عندما اختزلوا معركتهم في محاربة الدين ومظاهره، مع أن الدين والتدين لم يكونا يوما مشكلا في بلاد الإسلام، بل إن المسلمين عاشوا أكثر أيامهم ازدهارا ورخاء وقوة عندما اصطبغت الدولة بروح الإسلام، ودبت روح الشريعة في جميع أوصال المجتمع وهيمنت على كافة مناحي الحياة، حيث ازدهرت العلوم وتقوى الاقتصاد واعتدل الحكم، لكن لما فسد هذا الأخير، وحل الظلم مكان العدل، والاستبداد مكان الشورى، عطلت الشريعة واضطهد العلماء فشاعت الأمراض الاجتماعية من جهل وفقر وفساد…

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (2)المساق الشيطاني

يبدو واضحا أن السياق غير السياق، وأن المرض الذي نحن بصدد معالجته يختلف من حيث الأسباب والأعراض عن سابقه، ولقد أدى استعمال نفس الوصفة في العلاج إلى استفحال المرض وانتشاره مع ظهور أعراض جانبية جديدة كالتبعية المزمنة للقوى الاستعمارية وتكريس الفرقة والعداء بين أبناء الوطن الواحد.

ينتظر من الحركة التغييرية التي تنشد بناء قوة الأمة أن تحرر الإنسان، لا أن ترمي به في جحيم التناحر الإيديولوجي، والتمييز العنصري لتكريس مزيد من الصراع والإقصاء، وأن يكون تحقيق الوحدة والإخاء بين مكونات المجتمع قوام مشروعها وأساس قوتها، ونبذ الصراع الطبقي والمذهبي والعرقي شعار نهضتها وانطلاقها، فلا بد للأمة في مسار البناء وبعده من توظيف كامل طاقاتها والاستفادة من جميع أبنائها بدون استثناء، وتجنب إهدار الجهد والوقت الثمينين.

شكل الدين بالنسبة للشعوب المسلمة عبر التاريخ حافزا قويا وباعثا مقدسا ما ترسخت أروم العقيدة في القلوب وشع نور القرآن في والعقول ونهضت الهمم بقوة الإيمان، وما اتخذوا منهاج النبوة منهاجا، فلا يمنعهم عن الحق مانع ولا يخافون في الله لومة لائم، منتظمين في حركية قوية ومنضبطة بغير اضطراب ولا عنف، فإسلامنا دين محبة ورحمة، دين عقل وعلم، دين دعوة ودولة، خصه الخالق سبحانه وتعالى بشريعته الكاملة لا يشوبها نقص، لا تنتقص مرونتها من ثباتها ولا يلغي ثباتها مرونتها، فهي شاملة لجميع جوانب الحياة، من قواعد النظافة الشخصية إلى فقه الحُكم وأصوله وقواعده، رسالة الإسلام رسالة للإنسان، تخاطب فيه لبه وجوهره، تسمو به لطلب معالي الأمور وترتفع به عن سفاسفها، فلا مجال هنا للالتفات إلى عرق أو لون أو عصبية كيفما كانت. إنها القاعدة الصلبة الجامعة المانعة، أصل أصيل عندنا ومرجع هويتنا وثقافتنا، فلا نجد إلا أن نعتز بديننا وبانتمائنا إليه، كما يلزمنا جميعا أن نكون متفقين على أولويات من أولاها تحرير الإنسان وتوفير الأمن والحرية له، ثم تحرير الأوطان من كل تبعية، والنهوض بها من براثن الفساد والتخلف وإقرار الديمقراطية، ونبذ الفرقة وتجاوز الخلاف ودعم البناء المشترك، وعندما يكتمل البناء الداخلي ويشتد عوده، وعندها فقط يمكن الحديث عن مكانتنا بين الأمم ووزننا في ميزان القوة وموقعنا في الواقع.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (4)بإزاء القرآن والسنة

إن قدرة الإسلام التي لا تضاهيها قدرة على الجمع والتوحيد ورص الصف وبناء القوة، هو ما يعطي “للحل الإسلامي” موقع الصدارة بين الحلول، كما أن أصالته ورسوخه في تاريخ المسلمين وجغرافيتهم؛ لَتَأكيد على أهليته للقيام بهذه المسؤولية التي لم يوجد إلا للقيام بها.