بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين

بلال يلتحق بالمشروع الدعوي للأستاذ عبد السلام ياسين

الحلقة الرابعة

استمعنا في الحلقة السابقة لأخينا عبد الجبار عبد الهادي، يقص علينا لحظة بلحظة كيف احتضنت عناية الله شبابا صادقين أرادوا الخير والصلاح لأنفسهم ووطنهم، إذ رأوا في الدعوة إلى الإسلام توبة عما كانوا فيه من غفلة عن الله واستهانة بأمر رسول الله، فتنادوا واجتمعوا فيما تبين لهم قبل تمحيص أنها دعوة إلى الله، فإذا بهم يفجعون بمآل غير الذي أملوه وعقبى غير التي تصوروها. كانوا يبشرون الناس أن هلموا إلينا تعيشوا سماحة الإسلام وتحاب المومنين فيما بينهم، تعالوا تزكوا أنفسكم وتحسنوا أخلاقكم وتعيشوا أنموذجا لمجتمع الصحابة في توادهم وتراحمهم وإيثارهم غيرهم على أنفسهم وآخرتهم على دنياهم ومآلهم ومعادهم على عاجلهم وحاضرهم؛ فإذا بهم يعيشون ما سموه الفتنة، وهي أشد من القتل، يعيشون التناحر والفرقة والقيل والقال والتنابز والتخوين والاتهام.  

اجتمعوا لينأوا بأنفسهم عما هم فيه وليبحثوا جميعا عمن يخلصهم، بعد أن وضعوا مواصفات يجب أن تجتمع فيه وهي وكما ألمحنا إلى ذلك في الحلقة السابقة، “أن يكون رجلا ربانيا عارفا بالله وأن يكون ذا علم بالكتاب والسنة، وأن يكون مجاهدا معارضا غير مُوالٍ للنظام.

ثم رأينا كيف يسر الله لأحدهم اللقيا في لقاء يكاد يكون عرضيا بالأستاذ عبد السلام ياسين، وما تلا ذلك من استضافة ثلاثة منهم ببيته بمراكش ليومين كاملين إيواءً وإطعاما واستماعا، وكيف استمر اتصال اثنين من الثلاثة بالأستاذ ياسين بعد رحيله من مراكش إلى مدينة سلا، بلال وراوي الشهادة عبد الجبار. واستمعنا كذلك إلى شاهدين عدلين أحمد أبو الصواب وحسن إزرال فأكدا ما جاء في شهادة عبد الجبار. وفي هذه الحلقة أدعوكم لمتابعة الاستماع إلى الشهود وهم يتحفوننا وهم يروون لنا كيف التحق بلال رحمه الله بالمشروع الدعوي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وأثر هذا الالتحاق في بلال.

·        تثبيت معاني التربية في الصف (عبد الجبار)

“أنا ومن ذكرت في بداية شهادتي هذه لم نبدأ العمل الدعوي مع الأستاذ ياسين، بل بدأناه قبل ذلك بسنتين. لكنا في تجربتنا السابقة في صفوف الشبيبة الإسلامية اقتنعنا بأن غياب التربية في العمل الدعوي يجعله تكتلا حزبيا، تدعو الغير للإسلام ولا تدعوهم إلى الله، ومع مرور الأيام حصل ما حصل من أخطاء وصراعات كان للنفس وللشيطان فيها حظوظ كثيرة، وتشتت الصف وضاع من ضاع من أصحابه. اقتناعا منا بهذا الأمر كنا نتحرك هنا وهناك كما كنا بل أكثر بكثير مما كنا نفعل من قبل. لكننا الآن نتحرك جاعلين نصب أعيننا اكتساب التربية الروحية وتزكية النفس، اكتشفنا فعلا أننا انتقلنا من جهاد أصغر كنا فيه، إلى جهاد أكبر نعيشه تحت قيادة من يذكرك بالله بقوله وفعله وتخطيطه ومواقفه. فهمنا معنى ما ورد في الأثر “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”. تعلمنا في أشهر معدودة من انتمائنا لهذه الجماعة المباركة أن التحرك والدعوة إلى الله، لا بد لهما من حياة القلب… ونداوة القلب… واطمئنان القلب. فهمنا الفرق بين العزلة والخلوة ومعنى الخلوة في الجلوة. سطر الأستاذ المرشد رحمه الله المنهاج النبوي، ووضع فيه مخطط العمل وأوضح أفق السير وزاوج فيه بين العلم والعمل بين واجبات التعلم والتدريب وضروريات الإخبات إلى الله… وأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ 1. فسُطرت لنا البرامج التربوية من رباطات واعتكافات وجلسات ذكر ومبيت جماعي ينطبق علينا فيه قوله تعالى وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا 64 2.

طالع أيضا  سيدي إبراهيم عدي حميد رحمه الله.. بيت قل نظيره بين البيوت (الحلقة التاسعة)

–       آثار صحبة الإمام ياسين لا تتأخر في الظهور على بلال

يقول الأستاذ حسن إزرال في شهادته 3

“وبعد صحبته للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، كان (بلال) إذا طلب إليه الكلام عن مصحوبه في مجالس الإخوان، يقول: “أنا مقصر في حق الرجل وفي حق ما يطلبه الرجل، فكيف لي أن أتكلم عنه فأوفيه حقه. نسأل الله أن يتجاوز عنا” وتنهمر الدموع من مقلتيه. وقد كانت تلك الدمعات منه كافية لشحن أحوال الإخوان وتغيير أجواء اللقاء، كانت بمثابة تربية عملية لهم على أن مسألة الحال التي كان عليها الرجل، ما هي إلا نتاج مما أنتجه حبه العميق لسيدي عبد السلام وللجماعة المباركة التي تَحَرَّكَ منذ لقائه به من أجل الدعوة إليها وخدمتها وبذل الغالي والنفيس من أجل توسيع دائرة المتفيئين بظلالها.

“دله على الله، ما سمعه من سيدي عبد السلام وما قرأه مما كتب، وأنهضه لطلب وجه الله والدعوة إلى الله وللجماعة المباركة، حالُ سيدي عبد السلام ونظرتُه إليه ودعاؤُه له 4.

“فهم بلال، بل ذاق وعاش، قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن سيدنا أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”. فهم أن محبة قَوِيِّ الدين تجعل من دينك قويا ومخاللتك المتعلق قلبُهُ بالله تجعل قلبك كقلبه. فهم بعد ما حصل له نصح وتوجيه رسول الله صلى الله لحارثة وكما روى ذلك الطبراني في “المعجم الكبير “يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ”.

“فكان الرجل بعد صحبته وصدقه فيها، سريع الدمعة، بكاء قواما. وحينما تسأله بعد زيارة سيدي عبد السلام تصيبه البهتة لا يجيبك إلا بدمعات تنسكب من مقلتيه، يعجز لسانه، ذلك العضو الضعيف، عن إجابتك فيجيبك بقوةٍ حالُهُ، من تجلياته دموعُ العين ترمُقُها عينُكَ وقوة حال ترفع حالَكَ إلى عَنان السماء” 5.

طالع أيضا  الحلقة الأولى.. سيدي إبراهيم بلال وبداياته الأولى في العمل الإسلامي

ولنعد من جديد، بعد شهادة الأستاذ إزرال، إلى شهادة السي أحمد أبو الصواب، ليحدثنا عن خريج جمعية الشبيبة الإسلامية، المعروفة بمنهج مغاير للمنهج الجديد الذي التحق به بلال، والذي يعلي من شأن السلوك إلى الله وصحبة أهل الله. يقول الأستاذ أحمد أبو الصواب حفظه الله:

“أما علاقة بلال بالإمام المرشد عبد السلام ياسين، فكانت محبة مشوبة بالتقدير والمهابة والاحترام. أنا أستغرب منها، لا يمكن لسيدي إبراهيم أن يجلس قبالة سيدي عبد السلام، بحيث يحدق في وجهه مباشرة. تمنعه الهيبة من ذلك. فتجده دائما يجلس بعيدا في الحواشي. في اللقاء الشهري الذي كان ينعقد بدار سيدي عبد السلام، كنا نحضر ونلج قاعة الجلوس، نزدحم فيها متحلقين حول الإمام. لكن بلالا لا يدخل القاعة، وانما تراه مختبئا في إحدى جوانب الممر المؤدي إليها. يسمع ويتابع. نسأله عن السبب، فيجيب: أتهيب رؤية سيدي عبد السلام. ويغيب سيدي إبراهيم عن ناظري سيدي عبد السلام، فيسأل أين ذهب سيدي إبراهيم بلال؟ فيخبر أنه مختبئ بالممر، فيطلب إليه الدخول للقاعة ويقول للإخوان: “أفسحوا لسيدي إبراهيم يدخل يجلس معنا”.

“أي تواضع لهذا الرجل وأي احترام لمصحوبه وأية محبة وأي إجلال!

“وكان السي بلال ينزعج من الشباب يراهم يتقدمون للكلام بين يدي الأستاذ المرشد، ويكثرون من الأسئلة يطرحونها في الشأن العام وفي الفقهيات وفي مشاكلهم الخاصة. كان يقول: “كان الأولى بهم أن يستمعوا بإذعان. أنا لما أبتغي طرح سؤال في أمر يشغلني، أحضر اللقاء وأنصت بأدب وإمعان فآخذ الجواب الذي أبتغي من حديث سيدي عبد السلام وهو يتكلم”.

“هكذا تنتظم أموره ولا يبقى له مشكل يشغل باله. إنها آداب الصحبة تشربها الرجل” 6.

ولن أودعكم في نهاية هذه الحلقة، دون أن أختم بشهادتين مختصرتين يتحدث فيهما صاحباها عما أنتجته صحبة بلال وانتماؤه لمدرسة الإمام عبد السلام ياسين، مدرسة العدل والإحسان، مدرسة إعادة إحياء النموذج الصحابي فينا وتنشئة أجيال من إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم، المذكورين في حديث أخرجه مسلم رحمه الله عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: “أَنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أَتَى المقبرةَ فَقَال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَار قَومٍ مُؤْمِنينِ وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لاحِقُونَ، ودِدْتُ أَنَّا قَدْ رأَيْنَا إِخْوانَنَا  قَالُوا: أَولَسْنَا إِخْوانَكَ يَا رسُول اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابي، وَإخْوَانُنَا الّذينَ لَم يَأْتُوا بعد. الحديث…”

يقول الأستاذ حسن بوغا: “بلال كان مخلصا ومنضبطا بكل الأوامر وسلوكيات الجماعة التنظيمية والتربوية. فعلى المستوى التربوي تجده من المتبتلين القوّامين الليل والصوّامين لأيام الخير على مدار السنة، له مع ختمات القرآن ومع الذكر المطول جلسات، وله حضور لا يتخلف عن المحطات التربوية التي تعقدها الجماعة من رباطات واعتكافات، كما تراه حاضرا وملبيا بدون استثناء لكل نداءات الجماعة أيا ما كان زمانها وفي أي مكان كان انعقادها”.

طالع أيضا  سيدي إبراهيم عدي حميد رحمه الله.. أخلاق وخصال تذكر بالرعيل الأول من الرجال (الحلقة الثامنة)

ويقول الأستاذ أحمد أيت عمي 7: “بلغني أن سيدي ابراهيم استيقظ مرة من النوم والمؤذن يؤذن لصلاة الصبح، فأخذ يبكي ويستغفر الله على أن فاته قيام الليل”.

في الحلقة الموالية: عطاء بلال الدعوي


[1] سورة العلق، آية 8.
[2] سورة الفرقان آية 64.
[3] من شهادته المكتوبة  التي تسلمتها في رمضان 1441 بتصرف قليل.  
[4] يشير الأستاذ حسن إزرال إلى قول ابن عطاء الله في الحكم “لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله”.
[5] من شهادة للأستاذ حسن إزرال سجلت في ماي 2020.
[6] من شهادة مسجلة للأستاذ أحمد أبو الصواب سجلت في رمضان 1441.
[7] عضو الهيئة العامة للتربية والدعوة.