يسعدنا في إدارة مواقع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أن نحاور الروائي المغربي والباحث في السرديات الأستاذ عبد القادر الدحِمني، نطرح بين يديه أسئلة تجمع بين تشخيص الواقع الأدبي والقراءة الاستشرافية لما بعد جائحة كورونا. كما نسائله عن المعالم الكبرى للأدب في مشروع الإمام رحمه الله.

1- قدمت العديد من الأعمال الروائية القديمة -نسبيا- سيناريوهات استشرافية لما عشناه إبان جائحة كورونا، بل كان بعضها ملهما لأعمال سينمائية ضخمة. أي مستقبل تراه للأدب بعد كورونا؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان، على من أوتي جوامعَ الكلم وسحرَ البيان، سيدنا محمد الطبيب الشفيع حبيب الرحمن، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أهل البلاغ بالحُسنى والإحسان.

أولا أشكر إدارة مواقع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على فتح باب التواصل والاهتمام الدائم بالأدب والأدباء.

لقد كان الأدب دوما رفيقا للإنسان في مساراته الحضارية المختلفة، يكتب طموحاته وأحلامه، ويؤرّخ لمعاناته وأفراحه، ويستشرف مستقبله ويضيء دروبه، ويسائل أخلاقه وأفقه، فتارة كان منذرا محذّرا، وتارة كان منبسطا مبشّرا، وقد ظلّ صدى صادقا لمجمل ما عاشه الإنسان من اضطراب وفوضى داخلية أو خارجية، ومجرد ألحان توازي وساوس النفس ونزوغاتها، وفي أحايين قليلة شكّل صوت الضمير والإنسانية العميقة، وصوت العقل وبعد النظر.

ولذلك كان الأدب، شعرا ورواية ومسرحا وقصة وغيرها، دوما على تماس مع ما يعاني منه الإنسان، وما يعيشه وما يطمح إليه، وما يخافه أو يتوجّس منه، وفي هذا الباب اشتهرت الرواية بشكل كبير في تعاطيها مع ما أصاب الإنسان من كوارث وأحداث، خاصة تلك المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية، سواء كانت تلك الروايات عبارة عن “تقارير” إنسانية مأساوية لأوبئة فتاكة قهرت الإنسان وأطاحت بالملايين من بني جنسه، كما هو حال المجموعة القصصية الساخرة “حكايات كانتربري”، التي كتبها جيفري تشوسر بين 1387 و 1400م، على خلفية وباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر والذي يعرف باسم “الموت الأسود”، ورواية “دفتر أحوال عام الطاعون” التي كتبها الإنجليزي دانييل ديفو عام 1722، وسعى من خلالها إلى توثيق الوباء الذي اجتاح لندن عام 1665، وحال رواية “حصان شاحب، فارس شاحب” التي أصدرتها الروائية الأمريكية كاثرين آن بورتر سنة 1939، عن الإنفلونزا الإسبانية التي ضربت سنة 1918، وخلّفت ما يقارب الخمسين مليون ضحية.

طالع أيضا  الأدب الإسلامي رسالة القرآن للإنسان

وهناك روايات استندت إلى التخييل بشكل كبير، وكانت ذات بعد استشرافي غرائبي، جعلها تتوقّع حدوث أوبئة استثنائية، وتصف بدقة مختلف ما يمكن أن يصيب العقول البشرية والإرادات، وكانت في مجملها عبارة عن محاكمات أخلاقية قاسية للتوجهات الحضارية الجارية، وأشهرها رواية “الطاعون” التي كتبها ألبير كامو سنة 1947، أي مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ورواية “العمى” التي ألفها البرتغالي جوزيه ساراماغو سنة 1995، والتي تنتهي بقولة عميقة لزوجة الطبيب بطل الرواية، وكانت الوحيدة التي نجت من وباء العمى: “لا أعتقد أننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون”.

وقد استمرت عناية الأدب بالأوبئة والأمراض المعدية حتى صار بإمكاننا أن نضيف إلى الجنس الروائي نوعا روائيا سمّي أدب الأوبئة، فإلى حدود الألفية الثالثة صدرت العديد من الأعمال الروائية التي تعالج موضوعة الأوبئة وتبدع في تخيّل إمكانيات العدوى وما يتبعها من فقدان للتحكم وانهيار للقيم والبُنى، كرواية “عام الطوفان” التي صدرت عام 2009، للكاتبة الكندية مارغريت آتوود، ورواية “المحطّة الحادية عشرة” للكندية كذلك، إيميلي سانت جون مانديل التي نشرتها سنة 2014،وهي روايات أفادت كثيرا من قراءة السيناريوهات السابقة التي ظهرت مع بعض الأوبئة المحدودة الانتشار، لكنّها أعطتها أبعادا عالمية.

وقد لفت انتباهي قاص مغربي شاب يدعى عيسى الناصري (من مدينة مريرت)، له مجموعة قصصية بعنوان “عمى الأطياف”، سبق أن فازت بجائزة اتحاد كتاب المغرب لسنة 2017، كما أصدر أحمد التوفيق سنة 2019 رواية بعنوان “جيران أبي العباس” تحدّث فيها عما أصاب المغاربة من أنواع الأوبئة في مراكش زمن الموحدين، رغم أنها ليست موضوعة رئيسة لها.

ولذلك أعتقد أن الأدب سيظل رفيقا للبشرية كما أسلفت، بل وستزداد أهميته كثيرا، بحكم طغيان الجوانب المادية على الحضارة، وحاجة الإنسان الملحّة إلى الأبعاد الوجدانية والروحية، وهي المجال الحيوي للأدب، ولذلك ينبغي أن يكون الرهان كبيرا على الأدب والثقافة والفن بشكل عام، لمن أراد أن يبني نموذجا حضاريا إنسانيا متوازنا ليخلّص هذا المجال من جنوحه وزيغه وإفساده للفطرة الخلاّقة التي تميل إلى التعايش والسلام والخير والمحبة، وتكره الظلم والفساد.

طالع أيضا  الأدب تربية

2- شكلت فترة الحجر الصحي فرصة لعودة محبي القراءة إلى رحاب الأدب بأجناسه وأفنانه، فما واقع الأدب اليوم في ظل طغيان مواقع التواصل الاجتماعي واستئثار الصورة بالمتابعة؟

بالفعل شكّلت فترة الحجر الصحي فرصة استثنائية لمحبي القراءة  بشكل عام، والأدب بشكل خاص، وتداعى العديد منهم إلى إشهار ما يقرأ، وتبادل الانطباعات والملاحظات حول الكتب، كما ظهرت مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى تشجيع القراءة، وفعلا بات من الجميل حقا أن تصادف العديد من المنشورات الشبابية في المنتديات الاجتماعية تتحدث عن الكتب وتتبادل الآراء والنصائح بخصوصها، وهي خطوة من الخطوات العديدة اللازمة لتثبيت سلوك القراءة في حياتنا اليومية، وهو شأن التربية الأسرية بقدر ما هو شأن المدرسة والإعلام وباقي المؤسسات المختلفة، سواء  عن طريق التوعية أو الدعم والاحتضان أو الشراكة أو الجوائز، على أن يتم ترشيد مجمل هذه الخطوات والمبادرات وفق رؤية استراتيجية تسندها آليات عملية.

لا أعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي وطغيان الصورة، يمكن أن… تتمة المقال على موقع ياسين نت.