بقلم: فاطمة العزوزي

إن السعي لبناء مجتمع تترسخ فيه القيم الإسلامية لا سبيل لبلوغه إلا بالاهتمام بتنشئة النشء منذ نعومة أظفارهم في أجواء أسرية يتشربون فيها هذه المبادئ القيمية، لذا فإن تكريس الجهود للنهوض بحال الأسرة باعتبارها نواة كل بناء متوازن للمجتمع يُعد من أولويات البحث والنظر العلمي.

وفي هذا الصدد نساهم بهذه المقالة التي نود من خلالها إثارة قيمة منسية في علاقاتنا الأسرية رغم أصالتها في ديننا وفي تراثنا الإسلامي؛ إنها قيمة الحوار القائم على الحجاج. لا شك أن الدراسات عديدة والأبحاث كثيرة حول أهمية الحوار الأسري، ولكن نسعى إلى إبراز خاصية نعدها من سمات الخطاب الحواري؛ إنها خاصيته الحجاجية.

ونود أن نجيب عن هذا السؤال المحوري: ما دور الخاصية الحجاجية في الرقي بالتواصل الأسري؟ ولذلك سنتعرف على مفهوم الحجاج، وأهمية الاستراتيجية التخاطبية القائمة على الحجاج في تحقيق الإقناع وتحسين التواصل بين أفراد الأسرة.

تعددت استعمالات الحجاج وتباينت تعاريفه من حقل لآخر، فهو ملتقى معرفي لمجموعة من العلوم، فتعاريفه تتباين بحسب النسق الابستمولوجي للعلوم التي يوظف داخلها، إذ يُعد الحجاج “حلقة ضرورية تمر عبرها كل العلوم” (1). إلا أن التعريف التالي هو خير ملخص لأساسيات الحجاج: الحجاج فعل تواصلي بين طرفين أو جماعتين يتفاعل فيها ما هو لفظي وما هو غير لفظي، وسيلته اللغة، وغايته الإقناع، متوسلا بمجموعة من التقنيات والآليات التي من شأنها تحقيق الهدف المتوخى منه.

يُستفاد من هذا التعريف الخصائص التالية:

خاصية التواصل: الحجاج شكل تواصلي من بين أشكال أخرى، هو جزء ضمن كل النظريات التواصلية، وهو نسق ينضوي تحتها بالإضافة إلى أنساق وأشكال أخرى للتواصل، لعله أهمها وأقواها، فنحن لا نتواصل من أجل إخبار بعضنا البعض بمعلومات، حيث إننا لا نتواصل من أجل لا شيء، هنا تتضاءل الوظيفة الإخبارية للغة لتكبر الوظيفة الحجاجية، نحن نتواصل لربط العلاقات مع الآخر بهدف التأثير فيه، أو الاتفاق معه (وزيادة الإقتناع بطرحه)، أو من أجل تدبير اختلاف فطري جبلت عليه الإنسانية، وما أحوج أسرنا إلى حضور هذا الوعي التواصلي في الفعل الحجاجي.

طالع أيضا  العلاقات بين الزوجين.. محطات تجدد الحياة: العبادة جماعة

خاصية التفاعل: يضم الحجاج عدة أشخاص: منتجين له أولاً، ومتقبلين له، فالحجاج ظاهرة اجتماعية، يقوم على مبدأين معرفيين: مبدأ الادعاء ومبدأ الاعتراض، والآباء في حاجة ماسة إلى إعطاء أبنائهم فرصة الاعتراض على أقوالهم إن لم يكن الهدف من هذه الفرصة العمل بما اقترحه أحد أفراد الأسرة فعلى الأقل معرفة هذه المقترحات.

خاصية الحوارية: لما كان كل كلام مفيد يستلزم وجود طرفين لكل منهما مقام: مقام المتكلم ومقام المستمع، ولكل مقام وظيفتان: وظيفة المنتقد ووظيفة المعتقد، مع تبادل الأدوار بين الطرفين في هذه الوظائف، وهذه العناصر لابد من مراعاتها في أي تفاعل حجاجي تواصلي. والأسرة في حاجة إلى وعي أن المقامين متبادلين بين الأفراد فلا تجعل مقام أطفالها الاستماع الدائم ومقام الوالدين الكلام التوجيهي المستمر، وليكن الحوار حاضرا والأدوار متبادلة بين الأطراف.

خاصية الالتباس: لما كان الالتباس صفة مركوزة في…. تتمة المقال على موقع مومنات نت.