في حلقة جديدة من تذكرة الجمعة التي تبثها قناة الشاهد الإلكترونية، كان موعد المشاهدين يوم الجمعة 19 يونيو مع الأستاذ حسن قبيبش عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان في موضوع التوبة.

وبدأ قبيبش حديثه بقول الله عز وجل مخاطباً عباده المؤمنين في سورة النور: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ“، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم: “كل بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون“.

فمن طبيعة الإنسان في هذه الدنيا الوقوع في الخطأ والذنب، وهذا نقص لا يسلم منه أحد من بني آدم، وإنما يتفاوت الناس في مقادير المعاصي كما قال أحد الصالحين، أما الأصل فباقٍ.

ومن رحمة الله عز وجل بعباده أن جعل أبواب التوبة والاستغفار مفتوحة تستقبل كل آيبٍ ونادم وراجع إلى مولاه، فيقبله عنده ويغفر له ويتوب عليه. وذلك في كل وقت وحين، ليلا أو نهاراً، سراً أو علانية. ألم يقل الله في كتابه: “وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ“، وقال أيضاً: ” وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ“. قيل التواب هو الذي يتوب على عباده، فيقبل توبتهم كلما تكررت التوبة تكرّر القبول، وقيل التواب لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حال.

ونجد في كتاب الله آيات تحث على التوبة، وأخرى تأمر وتحث على الاستغفار، وآيات أخرى تجمع بين التوبة والاستغفار، قال سبحانه وتعالى: “وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى“، وقال أيضاً: ” وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ“، وغيرها من الآيات.

طالع أيضا  د. أمكاسو: البذل بر وعطاء، وتجارة رابحة مع الله (فيديو)

فالتوبة والاستغفار من الأسباب الموجبة لتنزل النعم على العبد، وقد قيل في قوله تعالى: “يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا” ينفعكم في الدنيا بالأرزاق والنعم والخيرات، وقيل هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه.

فكل عبد من عباد الله مفتقر إلى التوبة والاستغفار، فهما من أجلّ الطاعات وأوجبها على المؤمنين، ولا يُتصوّر أن يستغني عنهما سالكٌ إلى الله مهما كانت درجة إيمانه وتقواه، وهما خلق الأنبياء والمرسلين. وهذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يخبر عن نفسه، ويبلغنا أنه كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم.

ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة“، وفي صحيح مسلم: “يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة“.

فإذا كان هذا حال الرسول الكريم المعصوم أفلا نكون على هديه وعلى أثره، ونحن العباد الضعفاء المذنبون، المقصّرون في حقه سبحانه، والمحتاجون إلى رحمته، فالتوبة أساس الطريق، فمن لا توبة له لا سير له.

وكما قال أحد الصالحين: “التوبة يحتاج إليها المبتدِئُ والمتوسّط والمنتهي، فالمبتدئ يتوب من المعاصي والذنوب، والسائر يتوب من الغفلة ولوث العيوب، والمنتهي من النظر إلى سوى علاّم الغيوب“.

ومن شروط التوبة أن تكون توبة نصوحاً، أي خالصة صادقة، وقد عبّر عنها أحد أهل الله تعبيراً لطيفاً حيث قال: “التوبة النصوح هي أن تجد المرارة في قلبك عند ذكر الزلّة، كما كنت تجد الراحة لنفسك عند فعلها“.

ولنعلم أيها الأحباب ألا حدود لكرم الله وجوده، يعفو ويصفح ويتكرم، وفي تعليقه على قول الله عز وجل “إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ” قال الحسن البصري رضي الله عنه: “انظروا إلى الكرم والجود، قتلوا أوليائه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة“.

طالع أيضا  د. رفيع يبسط أهمية طلب العلم وبذله

وقال ابن كثير معلقا على الآية الكريمة “أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” وذلك إخباراً عن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، قال رحمه الله: “وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه“.

والأحاديث المبيِّنةُ لكرم الله ومغفرته وجوده وتحببه إلى عباده كثيرة، تبرز أن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعا، حتى لو كان التولي يوم الزحف، كما جاء في بعض الأحاديث.

ومخاطباً المؤمنين والمؤمنات وكل المستمعين إلى المبادرة إلى التوبة والاستغفار، ولا نسوف. ونقتدي بالسابقين الصالحين. فقد قال الشاعر:

ويلاه من سوء ما دهاني … يتوب غيري ولا أتوب

وقال آخر:

لهونا عن الأعمال حتى تتابع … علينا ذنوب بعدهن ذنوب

فيا ليت أن الله يغفر ما مضى … ويأذن لي في توبةٍ فأتوب

ولنحسن الظن بالله، ولنعلم أن الله عز وجل غفّار تواب حليم إذا لجأنا إليه. قال عبد الله بن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تذرفان، فالتفت إلي فقلت له: “من أسوء هذا الجمع حالاً” فقال: “الذي يظن أن الله لا يغفر له”.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويتجاوز عن تقصيرنا ويرحمنا إنه هو الغفور الرحيم.

https://web.facebook.com/ChahedTv/videos/3523184027709472/