بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المومنين وذريته وآل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد

بلاء بلال في الدعوة قبل لُقِيّهِ الأستاذ عبد السلام ياسين (الحلقة الثانية)

غناء بلال وجده في الدعوة في أحضان الشبيبة الإسلامية:

قرأنا في الحلقة الأولى شهادة السيدة زهرة زوج بلال وما حكت لنا عن عمله وجده وتفانيه في خدمة المشروع الدعوي الذي انتمى إليه، وكيف أنه لم يدخر وسعا في خدمته والامتثال لمتطلباته. كرّر السفر لنشر الدعوة في صفوف الراغبين في خدمتها؛ فرحل إلى منطقة شمال المغرب وفتح العمل بها، فطلب إليه بعد ذلك الرحيل إليها والإقامة بها، وهو لا يزال عريسا حديث عهد بالزواج، فرحبّ ورحل واصطحب معه زوجه، وأقاما، كما تقدم، بالبيت الذي سكنا به، وهو بيت دعوة يتقاسمانه مع ثلة من شباب الدعوة.

ولما كان مقيما بتطوان بشمال المغرب، أعاد الانتقال إلى مناطق وسط البلاد المحيطة بالدار البيضاء ليفتح بها العمل، وكان يُخَلِّفُ زوجته هناك لأيام وينتقل إلى ميدان دعوته الجديد؛ وما يحل في بلدة أو ينزل في منطقة، إلا ويبارك الله جهوده، فيستقطب من شاء الله لهم أن يُستقطبوا ويوسعوا صفوف الدعوة التي آمن بها وانخرط بكل جد وحزم في صفوفها.

كما استمعنا كذلك في الحلقة الماضية، إلى السيدة زهرة وهي تحدثنا عن زواجهما وعن السنين التي أمضوها بمدينة تطوان. وفي هذه الحلقة، هلموا نستمع إلى شهادات إخوان عايشوا تلك الفترة، وكانوا -بخلاف زهرة- على علم بانتماء بلال الدعوي، هلموا إليهم ليحدثونا عن خدمة بلال للمشروع الدعوي الذي انتمى إليه وتفانى في خدمته بكامل الصدق ومنتهى الأمانة.

نبدأ بأحد جيران بلال، وكان في الفترة التي يتحدث عنها تلميذا بالثانوي فاستقطبه بلال للعمل في أحضان جمعية الشبيبة الإسلامية. لنستمع إلى الأستاذ حسن بوغا يدلي بشهادته عن تلك الفترة. يقول حفظه الله:

طالع أيضا  سيدي إبراهيم عدي حميد رحمه الله.. بيت قل نظيره بين البيوت (الحلقة التاسعة)

“بداية، أقول وبالله التوفيق، السي بلال رحمه الله يعد من رجالات العمل الإسلامي منذ بدايته في المغرب، مع فصيل الشبيبة الإسلامية. وكان يمتاز بالجندية وتقدير المسؤولين بحيث كان عبد الكريم مطيع، يحدد له مكان سكناه دون أن يتردد سيدي بلال في الاستجابة”.

–       انسحاب بلال من تنظيم الشبيبة الإسلامية واكتشاف زوجته حقيقة المخفي عنها لسنوات

تتحدث السيدة زهرة، عن فترة انسحاب زوجها من حركة الشبيبة الإسلامية فتقول:

“لما تزوجنا، كان بلال آنذاك عضوا في جمعية “الشبيبة الإسلامية”. لكنه كان يكتم هذا الأمر عني فلم أكن على علم به.

ومرة، دخلت البيت فوجدته منهمكا قلقا يمزق أوراقا من دفاتر مدرسية. سألته: “ماذا تفعل؟” فلم يجبني. وكان هذا بعد انصراف بنت عمه (وهي من المنتميات للشبيبة، كما علمت هذا من بعد) وكانت كثيرا ما تأتينا وتكلمه ولم أكن أتبين ما يدور بينهما من حديث وإن كنت أشعر بجدية الموضوع وأنه يهم الشأن الدعوي. انتظرت انصرافه وعمدت إلى قصاصات الأوراق الممزقة أحاول جمعها لعلي اهتدي إلى ما كان مكتوبا عليها. لكن بدون جدوى، فقد أحكم التمزيق. وتبين لي بعد ذلك بمدة غير قصيرة أن الشبيبة كانت تعيش الانقسامات وتداعيات ما بعد مقتل عمر بن جلون 1“.

–       اللقاء الأولي لعبد الجبار ببلال.

فيما نقرأ من السير وأخبار الرجال، وخاصة من الذين سبقونا بإيمان، كثيرا ما نصادف ثنائيات بين رجلين، إذا ذكر أحدهما ذكر الآخر. فكلما ذكر، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر ذكر عمر، وكلما ذكر أبو الدرداء ذكر سلمان 2، وسبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ذكر الحسن ذكر الحسين، وإذا ذكر الشافعي ذكر أحمد وإذا ذكر البخاري ذكر مسلم وإذا ذكر الجيلاني ذكر الرفاعي… وهكذا كان الأمر مع الرجلين الذين عنونا بهما هذه الفقرة: عبد الجبار عبد الهادي وإبراهيم بلال. رجلان التقيا فالتحما ولم يفترقا، فمتى تم تلاقيهما وكيف تم؟

طالع أيضا  سيدي إبراهيم عدي حميد رحمه الله.. خدمة ومواساة وعمل اجتماعي (الحلقة السابعة)

يقول عبد الجبار عن علاقته ببلال: “كان السي بشيري رحمه الله إذا غاب بلال يسألني عنه وإذا غبت يسأل بلالا عني، كان بلال لي كالظل وكنت له كالظل لم نفترق مذ تمتنت الصحبة بيننا” فهيا نستمع إليه يخبرنا كيف التقيا في شهادته التالية 3:

“كيف التقيت به؟ عندما وقعت الفتنة ووقع ما وقع للحركة الدعوية، ممثلة بالشبيبة الإسلامية المغربية، وتصدعت وخرج منها فرق منهم من بقي مع الأمين العام للشبيبة ومنهم من انشق ومنهم من التزم بيته ومنهم من أراد التبين ومنهم ومنهم… مما يطول الحديث عنه هنا، مال أخونا بلال إلى نصرة الإخوان الستة وهم القياديون في تنظيم الشبيبة الإسلامية الأولون. في تلك الفترة التقيت به رحمه الله في أحد اللقاءات، وكانت اللقاءات كثيرة جدا، يتدارس فيها الإخوان ما بعد الانشقاق وماذا سنفعل؟ وهل نبقى مكتوفي الأيدي نتفرج على الأحداث ودعوة الله تعالى هي سائرة لا تتوقف؟ كلا! بل نريد أن نكون في تلك المسيرة، مسيرة الدعوة ومسيرة السلوك إلى الله تعالى والجهاد في سبيله، قطعا، لا نريد التخلف عنها ولا ينبغي لنا ذلك. لكن كيف، ومع من، وتحت أية راية ووراء أية قيادة؟”…

ويتابع عبد الجبار كلامه عن مخلفات تلك المرحلة فيقول:

“كان بلال مسؤولا عن مدينة تطوان في أيام الشبيبة الإسلامية كان رحمه الله المسؤول الأول على تلك المدينة. فلما كثر ما كثر من مشاكل وصراعات من هنا وهناك وتنكر إلينا الإخوان الذين كانوا معنا في تنظيم الشبيبة، التجأنا إلى الله تعالى نسأله أن ينصر هذا العمل الذي كان جبارا بداية 1971، ثم انتكس.

نَصَرْنَا الإخوان الستة وكان العدد الذين نصروهم ثمانية أفراد منهم أخونا حسن إزرال حفظه الله وأخونا بلال وآخرون كنا ثمانية. بدأنا نجتمع في بيت من بيوتنا، فكان الأخ عبد العزيز الهاشمي نقيبنا في تلك الأسرة التي بقيت لما انفصلنا عن الشبيبة. وكان لنا برنامج تربوي فيه حفظ القرآن والأحاديث النبوية وحصص التفسير والسيرة. وما استطعنا كنا ننظم قياما جماعيا لليل.

طالع أيضا  معاناة بلال من ارتفاع ضغطين ضغط المخزن وضغط الدم (الحلقة العاشرة والأخيرة)

دام ذلك الأمر تقريبا سنة. وفي تلك الأسرة الكريمة بدأنا نفكر، بحكم أننا كنا صغارا قليلي التجربة ولا نملك من الأمر شيئا، فكنا نقول لا بد لنا من قوة ولا بد لنا من دال على الله يجمعنا. فوضعنا ثلاثة شروط كنا نرى توفرها ضروريا في الرجل الذي بإمكانه أن يقودنا: أن يكون رجلا ربانيا عارفا بالله أول شرط، والشرط الثاني أن يكون رجلا عالما بالكتاب والسنة، والشرط الثالث أن يكون رجلا مجاهدا له مواقف قوية اتجاه النظام. وبدأنا ندعو الله تعالى في كل لقاء وفي كل قيام لنجد هذا الرجل ونرتمي في أحضانه.

في الحلقة القادمة: مخاض وتخبط يعقبه الفرج والخلاص


[1] اغتيل عمر بن جلون يوم 18 دجنبر سنة 1975.
[2] كيف لا وقد آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[3] من شهادة مسجلة للأستاذ عبد الجبار عبد الهادي سجلت في ماي 2020.