اعتبر الأستاذ محمد عبادي أن خلق الحياء هو الدين كله مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدارقطني والبيهقي، عندما سئل عليه الصلاة والسلام هل الحياء من الدين؟ قال: “الحياء هو الدين كله”، وأيضا لما أخبر به المصطفى عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم في مستدركه من أن “الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر”.

وذهب الأستاذ عبادي في كلمته، ضمن فقرات مجلس النصيحة المركزية، الذي نظمته جماعة العدل والإحسان عن بُعد ليلة وصبيحة السبت 27، 28 شوال 1441هـ، الموافق لـ 19، 20 يونيو 2020م، في موضوع “الحياء من الله تعالى”، إلى اعتبار خلق الحياء أهم ما يميز دين الإسلام، مستندا في ذلك إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء”.

ويزيد فضيلة الأمين العام للجماعة التأكيد على محورية هذا الخلق في ديننا الحنيف بقوله: “كيف لا يكون الحياء كذلك وهو صفة من صفات الله تعالى”، كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلوات عندما قال، فيما رواه أبو داوود في السنن: “إن الله عز وجل حيٍي ستير يحب الستر والحياء، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر”، وهو عز وجل يستحي أيضا أن يرد عبده إذا دعاه مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  “إنَّ ربَّكم حيِيٌّ كريمٌ يستَحي مَن عبدِه إذا رفعَ يديهِ إليه يدعوهُ أن يردَّهما صِفرًا” رواه أبو داود في صحيحِه والتِّرمذيُّ وابن ماجه في السُّنن والحاكمُ في المستَدرك.

وهذه الصفة الإلهية ميز بها الله عز وجل أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وأولهم سيدنا محمد عليه وعلى آله أزكى السلام الذي وصفه أحد الصحابة الكرام بأنه كان “أشد حياءً من العذراء في خِدْرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه” . وهذا ما يعني حسب الأستاذ عبادي أنه كان لا يجابه أحدا بما يسيئه أو يحرجه، بل أكثر من ذلك كان إذا أراد أن ينهى، عليه الصلاة والسلام، عن شيء فُعِل كان يقول: “ما بال قوم أو أقوام” لكثرة حيائه.

طالع أيضا  الحياء: خُلق ودين وحياة أمة

إضافة إلى وقائع كثيرة تزخر بها سنته المطهرة، أورد منها الأستاذ عبادي واقعة استحيائه صلى الله عليه وسلم من كثرة مراجعة ربه في قضية الصلاة بطلب من سيدنا موسى عليه السلام، وكذا في قضية المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل فقال: “خذي فرصة من مسك فتطهري بها” وعندما أعادت السؤال غطى وجهه الشريف حياء منها وقال: “سبحان الله تطهري” فاجتذبت أمنا عائشة المرأة إليها فقالت: “تتبعي بها أثر الدم”، وغيرها من الوقائع الكثيرة في سيرته العطرة.

كما استعرض الأمين العام للجماعة في كلمته هاته مشاهد من خلق الحياء عند أنبياء الله منذ سيدنا آدم الذي طفق يخصف هو وزوجه عليهما من ورق الجنة لما بدت لهما سؤتهما بعد أكلهما من الشجرة المحرمة، ليستخلص الأستاذ عبادي من هذه الواقعة أن المعصية تكشف عورة الإنسان الظاهرية والباطنية. وهذا سيدنا موسى عليه السلام كان حييا ستّيرا حتى اتّهمه قومه أنه يخفي في جسمه العاهات والعيوب فبرأه الله عز وجل من ذلك. وهذا سيدنا يوسف استحيى من الله عز وجل عندما همت به امرأة العزيز، فما منعه، حسب فضيلة الأستاذ عبادي، من اقتراف جريمة الزنا هو الحياء من الله عز وجل، فالحياء إذن رادع للإنسان من الوقع في المعاصي، وبدونه سيصير الإنسان وحشا كاسرا لا يحل حلالا ولا يحرم حراما.

والحياء، يضيف، خلق ملائكة الله عز وجل التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياء، وأمرنا أن لا نؤذيها لأنها تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وستبقى للحياء مكانته، حسبه، منذ أبينا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وهنا تساءل الأستاذ الجليل: “كيف نكتسب هذا الخلق الحميد لنستحيي من الله عز وجل؟”.

طالع أيضا  التأسي برسول الله في بيته.. مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي

فأجاب بأن خلق الحياء يتولد من مراقبة الله عز وجل في السر والعلن، حيث يستحضر الإنسان حضور الله عز وجل، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، معه. والحياء من الله يكون بأن لا يفتقدك الله عز وجل حيث أمرك وأن لا يجدك حيث نهاك. والوصول لهذا المقام، مقام مراقبة الله عز وجل، يقتضي في نظره التدرج صعدا من مقام الإسلام فالإيمان وصولا لمقام الإحسان، لأن المراقبة درجة من درجات الإحسان.

ومن الحياء من الله عز وجل ما أمر به في كتابه العزيز عندما قال يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (سورة الأعراف، الآية 31)، وهذا يقتضي حسب الأستاذ عبادي حسن الاستعداد للوقوف بين يدي الله عز وجل في الصلاة بستر العورة بجميل الثياب وتفادي الملابس الكاشفة لعورة الإنسان.

ولما كان هذا الخلق العظيم، خلق الحياء ملازما لحياة المسلمين في مختلف مستوياتها؛ بينهم وبين خالقهم، مع ملائكته، توقير الرسول الله عليه الصلاة وسلم وإجلاله وسائر الأنبياء والمرسلين،  بين الأزواج، بين الآباء والأبناء، بين الشيوخ وطلبتهم… كانت حروب أعداء الإسلام من هذا الجانب، حسب الأستاذ عبادي، أكثر شراسة وفتكا بالأمة من الغزو المسلح الذي فشل في تحقيق أهدافه، فكان الغزو الثقافي بوجهيه التبشير والاستشراق بوابة لبث سمومهم في جسم الأمة ورفعوا شعارات ظاهرها حق وباطنها باطل، واستعملوا في ذلك، بحسبه، كل وسيلة من شأنها أن تهدم خلق الحياء في حياة الأمة من خلاعة وإعلام ومجون وتخريب للتعليم وتمييع للفن وغيرها من الوسائل.

ليختم الأمين العام للجماعة كلمته باستخلاص مهم مفاده أن عودة الأمة إلى عزتها إنما يكون بإعادة الاعتبار لخلق الحياء ونشره وسط الأمة لتتحلى به وتستعصم به لعل الله عز وجل ينتشلنا برحمته من هذا الوضع المزري الذي تعيشه الأمة، داعيا في ذلك إلى رفع شعار الشاعر المصري أحمد شوقي في بيته المشهور:

طالع أيضا  شروط الرجولة.. قراءة في فقرة «رجال» من كتاب «الإحسان» مع د. الحلو

“وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ******* فإنهم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.