ضمن المواد التي قدمت بمجلس النصيحة المركزية في موضوع “الحياء من الله تعالى”، الذي بثت فقراته ومحاوره عبر الأثير، بسبب ظروف الحجر الصحي، وذلك ليلة الجمعة 27 شوال 1441 الموافق لـ 19 يونيو 2020، تحدث الأستاذ فتح الله أرسلان عضو مجلس إرشاد الجماعة، ونائب أمينها العام، عن الحياء الكسبي.

حيث قسم المتحدث الحياء إلى قسمين، القسم الأول هو الحياء الجبلي الفطري الذي يُعطيه الله من يشاء من عباده، وهو الذي كان يتميز به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يتميز به أيضاً سيدنا عثمان رضي الله عنه، حيث لا يذكر اسم سيدنا عثمان إلا وذكر معه الحياء، بل إن الملائكة كانت تستحيي منه رضي الله عنه.

وهذا الحياء الجبلي ليس موضوع ما سيتحدث فيه الأستاذ أرسلان، بل ما سينصرف إليه هو القسم الثاني من الحياء، وهو الحياء الكسبي الإيماني، الذي انتدبنا إليه الله سبحانه وتعالى، وحثنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واعتبر الأستاذ أرسلان هذا الحياء صفةً من صفات الإسلام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء”.

وتناول المتحدث الموضوع من خلال الحديث الذي رواه الإمام الترمذي رضي الله عنه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “استحيوا من الله حقَّ الحياء، قلنا: يا رسول الله، إنا لنستحيي والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن تحفظ الرأس وما وَعَى، والبطن وما حوى، وأن تذكُر الموت والبِلَى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله“.

وهذ الحديث يعتبر من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وهو يضم مختلف جوانب الإيمان والإسلام، حيث ابتدأه المصطفى، كما هي عادته في كثير من الأمور التعليمية، بسؤال يسأل فيه.

طالع أيضا  "صلة الرحم: الأبعاد الإيمانية والسلوكية" موضوعاً لمجلس النصيحة القطري عن بعد

هذه الجوامع التي أراد رسول الله أن تصل إلى الصحابة وإلينا جميعاً، وبذلك فصَّل عليه الصلاة والسلام هذا الحياء العام في أمور عملية إجرائية، بها يقيس الإنسان مدى حياءه من الله عز وجل، فإن لم يكن فعليه أن يجتهد من أجل تحقيق ذلك.

وحاول رسول الله أن يشير إلى كل جوارح الإنسان، فكل الجوارح عليها أن تكون موجهة إلى الله سبحانه عز وجل، وعليها أن تعمل على إطاعته سبحانه، الاستيحاء أولاً أن تحفظ الرأس وما وعى، الرأس به العينان والأذنان واللسان، وبه الرأس أيضاً الغافل العاصي بأن يخضع لغير الله، وأن يترفع ويستكبر على الناس.

فعلى الإنسان أن يستحيي في استعمال العين من أن ينظر بها في معصية الله عز وجل، وبالمقابل أن يستعملها فيما يرضي الله، وما أمر الله به. وكذلك الأذن، أن يسمع ما أجاز الله، واللسان، وما أدراك ما اللسان، ألا يستعمل في قول الزور والغيبة والنميمة، كل من يستعمل اللسان في هذه الشاكلة لا يمكن أن نعتبره يستحيي من الله عز وجل.

بالمقابل يجب أن يستعمل اللسان فيما أمر الله، أن يذكره سبحانه، ويقرأ القرآن، وأن يصلي عليه عليه السلام، أن يدعو الناس إلى الخير، أو ليكف لسانه عن المعاصي، أن يصمت، فهل “يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم” كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثم انتقل ثانياً إلى جوارح البطن وما حوى، أي ما ارتبط به من جوارح أخرى من فرج ورجلين ويدين وقلب، فرسول الله لا يريد أن يتحدث عن الحياء بصفة مجردة، ولكن البطن بمعنى لا يأكل المحرمات والسحت، وأن يكون القلب سليماً، وأن يحفظ الفرج عما حرّم الله عز وجل، وأن الرجلين يمشيان فيما أمر الله، واليدين كذلك، وأن يفعل بالبدن ما أراد الله عز وجل.

طالع أيضا  التأسي برسول الله في بيته.. مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي

هذه كلها أمور تدل على أن هناك إيمان يجب أن يكون في القلب، سلوك يجب أن يسير فيه الإنسان، وليست مسألة شعور وكلام وادعاء، فليس هذا هو المقصود. ولذلك أشار الرسول إلى ذلك ونبّه إليه.

بل أكثر من ذلك انتقل إلى الحديث عن تذكر الموت والبلى، بمعنى أن يتذكر الإنسان أنه في هذه الحياة الدنيا مهما كسب وحقق، فإن مصيره إلى الموت والفناء، وأنه لن يأخذ معه شيئا من ذلك. فتذكره للموت وللبلى والموت والمصير هذا يساعده على أن يتقي الله وأن يحفظ محارم الله، وأن يجتهد في التقرب من الله وإتيان ما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه.

ثم استرسالاً في هذا الكلام يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يريد الآخرة، يريد الفوز والجنة والنعيم، ومن يترقى في ذلك يريد الله ووجه الله، ويحقق هذه المكاسب، الذي يريد ذلك يجب أن يزهد في الدنيا ومتاعها، وقلبه يجب أن يتعلق بالآخرة إن أراد أن يحقق هذه المكاسب.

وحديثه صلى الله عليه وسلم عن الزهد في الدنيا والترفع عنها، لا يعني أن الإنسان لا يجتهد في تحقيق الكسب، لا، فهذا يتناقض مع أحاديث أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، “اليد العليا خير من اليد السفلى”، وأن الإنسان يجب أن يسعى إلى كسب القوت، ورسول الله كان يطلب البيت الواسع والرزق الواسع، فليس معنى الزهد في الدنيا هو أنك لا تسعى إلى تحقيق ذلك، ولكن يجب أن تكون الدنيا بعد هم الآخرة، وبعد الاستعداد إلى الآخرة، ويجب ألا تحول بينك وبين عبادة الله وبين فعل الخير، لذلك رسول الله لم يعلمنا في الدعاء “لا تجعل الدنيا همنا” لأنه غير ممكن، فالدنيا بها الأبناء والعمل والزوجة، فلا يمكن ألا يكون هم الدنيا حاضراً، بل قال صلى الله عليه وسلم: “ألا تكون أكبر همنا“، بمعنى أن يسيطر هذا الهم على هم الآخرة، وعلى الاستعداد للآخرة، واستحضار الموت واستحضار أن هذه الدنيا فانية، فلذلك يجتهد فيها الإنسان، وخصوصا في الأمور المادية، فيما يسمح به وقته وجهده، دون أن يمسَّ ذلك من هم يجب أن يجتهد فيه ويعمل فيه، وهو استعداده للآخرة.

طالع أيضا  مجلس النصيحة المركزي يجمع قلوب المؤمنين والمؤمنات على "الحياء من الله"

إن كانت هذه هي خصال الإنسان، وإن كان هذا هو سلوكه، وكان هذا هو تعامل الإنسان مع الله عز وجل، فقد استحيى حقيقة من الله عز وجل. ولا يمكن للإنسان أن يحقق ذلك دون أن يستحضر الله عز وجل فيما يأتي وما يذر إن كان قلبه غفلٌ من الإيمان، فيجب أن يكتسب الإنسان الإيمان، فكلما تقرّب الإنسان من الله عز وجل بالفرض والنفل، من صيام وقيام وذكر وتبتل ودعاء، كلما اجتهد الإنسان في ذلك كلما كان قلبه حاضراً مع الله عز وجل، فيصعب عليه ارتكاب المعصية، إن كان حديث عهد بذكر الله وبالقرآن، لأنه يستحضر معية الله عزل وجل معه، فإن أراد أن يقوم بمعصية من المعاصي يشعر أن الله تعالى يراه، فيستحي من الله عز وجل، ويبتعد من ذلك.

فإذا لكي نحقق هذه المعاني، معاني الاستحياء من الله عز وجل، يقول الأستاذ أرسلان، يجب أن نقوي إيماننا بالعبادات، وبالتقرب إلى الله تبارك وتعالى، ثم بحسن المعاملة، وحسن الخلق، كل ذلك يساعد على أن نستحيي من الله حق الحياء، وحتى لا ينصرف ذهننا إلى الحياء الجبلي فقط، الذي يقذفه الله في القلوب، نسأل الله أن يرزقنا حظاً منه، لكن هذا القسم لسنا نحن المسؤولين عنه، بل عن الحياء الآخر الكسبي هو ما نحن مسؤولون عنه. ونسأل الله ألا يحرمنا منهما معاً، وأن يعيننا على تحقيق هذه الشعبة من شعب الإيمان.