1

كانت السيدة فاطمة جميلة جدا فهي أشبه بأبيها عليه الصلاة والسلام. تصفها أمنا عائشة قائلة “ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقبَّل يديها وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبَّت به وقبّلت يديه”.

كان يحبها كثيرا فقد قال عنها صلى الله عليه وسلم “لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها”، لم يقل رقية أو أم كلثوم أو زينب، كان ضربه المثل بفاطمة دليلا على محبتها.

وكانت فاطمة متفردة فى حبها لأبيها. فبعد موت خديجة رضي الله عنها، استقرت البنات كلهن فى بيوت أزواجهن، وظلت فاطمة الطفلة النحيلة لسنوات طويلة ربة بيت النبى؛ تهيئ له الراحة والسكون وتخدمه فى كل شؤونه حتى أصبح لقبها «أم أبيها».

2

لما وصلت فاطمة سن الزواج، طلب أبو بكر ثم عمر يدها، لكن سيدنا النبى ردهما برفق. كان على بن أبى طالب يحمل لابنة عمه محبة فى قلبه يكتمها ولا يفصح عنها. تردد أن يذكر فاطمة عند أبيها.

شجعته سيدة من الأنصار عندما قالت لهُ: “أعَلِمت أن فَاطمة خُطبت إلي رسُول الله؟” وخُطبت تعني أن نَاسا تقدموا لخطبتها.. فقال لها سَيدنا علي: “عَلمت”. “فسألته: “وما الذي يَمنعُك أن تَأني لرسُول الله، فَـيزوجها لَك؟”

فأطرق رأسه هامسا: “وعِندي شيء أتَزوج بِه؟!”

لكن الأنصارية أقنعته أن يذهب “وإن شَاء الله خَيرا”. فذَهب سيدنا علي لرسُول الله صلى الله عليه وسلم يحمل قلبه بين يديه، لِـطَلب السَيدة فَاطمة، ولكنُه بمُجرد الجُلوس أمَام رسُول الله صلى الله عليه وسلم، لَم يَستطع الكلام.

سأله النبي: “مَا جاء بِك يا عَلي؟ ألَك حَاجة؟” وظَلت أسئلة رسُول الله صلى الله عليه وسلم تَتوالى وعَلي صَامت لا يَتكلم..

طالع أيضا  أنا وابني والألعاب الإلكترونية

فَـقال النبي عليه السلام: “لعلَك جِئت تطلب فَاطمة؟”.

فَـأومأ سَيدنا عَلي برأسه “أي نَعم “

فَـسيدنا مُحمد عليه السلام سَأله: “هَل تملُك شَيئا تُقدمه كَصداق لَها؟»

فأجاب علي: “لا والله لا أملُك شَيئا..” فَـقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بَل معَك”، وذكره بدِرع قَد أهداه لَه وسَأله: «ماذا فعلتَ بِه؟».

ففرح سَيدنا علي قائلا: “مَا زال مَعي، فهل ينفَع؟»

فقال له سَيدنا مُحمد صلى الله عليه وسلم: “نعَم ينفَع”، فزوجه فاطمة.

3

كان زواجاً سهلاً مُيَّسراً مباركاً، لزوجين لا تعرف الدنيا لقلبهما طريقاً..

كانت فرحة على بالموافقة عارمة، حتى إن عثمان قرر أن يشترى الدرع منه بأضعاف ثمنها، فحمل سيدنا علي المبلغ كله ووضعه بين يدى الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ابتسم وأعطى جزءا لبلال، طالبا منه أن يشترى طيبا للعروس، وجزءا لأم سلمة لتشترى جهاز البيت؛ فراش من جلد كبش، ووسادة محشوة بالليف، وخميلة، وقربة ماء.

4

بعد زواجهما يقول سيدنا علي:

“فأحببتها حباً عظيماً فوالله ما ناديتها يوماً يا فاطمة ولكن كنت أقول يا بنت رسول الله، وما رأيتها يوماً إلا وذهب الهم الذي كان في قلبي، ووالله ما أغضبتها قط ولا أبكيتها قط ولا أغضبتني يوماً ولا أذتني يوماً، ووالله ما رأيتها يوماً إلا وقبلت يدها”.

كان عمر العروس فاطمة يوم زواجها من علي بن أبي طالب ثمانية عشر عاماً، وكان زوجها علي في السادسة والعشرين، فكانا قريبين من أحلام أمثالهما، غير أنهما كانا منصرفين إلى ما هو أسمى من كل ذلك؛ كان علي مع النبي في جهاده وكانت هي بين النسوة في دعوتها.

5

ذاقت فاطمة شظف العيش فى كنف على.. كانت تطحن بالرحى حتى تشققت يدها، وكانت تحمل قربة الماء حتى تركت أثرا غائرا فى رقبتها، وكانت تخدم الحجيج وتسقيهم.

طالع أيضا  في حوار شامل ومُمتع.. الأستاذ بارشي يعالج العلاقة بين الآباء والأبناء

حين تعبت، طلبت من أبيها صلى الله عليه وسلم خادماً يساعدها، فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم لما هو أفضل لها، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنَّ فاطمة أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، وشكتِ العملَ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أَلفَيتِه عندنا) قال: (ألا أدُلُّكِ على ما هو خيرٌ لك من خادمٍ؟ تسبِّحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمَدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّرين أربعاً وثلاثين حين تأخذين مضجعَك). قال القرطبي: “إنما أحالها على الذكْرِ ليكون عِوضاً عن الدعاء عند الحاجة، أو لكونه أحب لابنته ما أحب لنفسه من إيثار الفقر، وتحمل شدته بالصبر عليه تعظيماً لأجرها”.

وفى يوم مر ببيتها رسول الله فرأها نائمة من فرط الإجهاد والتعب، وكان الحسن يبكى من الجوع، شق على النبى أن يوقظ ابنته، وكانت هناك غنمة فى قلب الدار فحلبها بنفسه وظل يسقى الحسن حتى ارتوى.

6

جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة عليها السلام فلم يجد عليا في البيت، فقال: «أين ابن عمك؟»

فقالت: «كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج، فلم يَقِلْ عندي”. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: «انظر أين هو؟”  فجاء فقال: «يا رسول الله هو في المسجد راقد”، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه، وهو يقول: “قم أبا تراب، قم أبا تراب”.

7

في يوم موتها، غسلها وكفنها ثم جلس وحيداً وهمس في أذنها: “يا فاطمه أنا علي!”