من أجمل الخلاصات التي أقنعنا بها هذا الحجر الصحي، أن البيوت تُبنى على صبر الزوجات والأمهات والأخوات. هذا السجن الاضطراري في البيوت أكّد لنا أن الأب هو الشخص الذي يأتي في المرتبة الثانية في حياة أولاده بعد الأم.

مع مرور الوقت اقتنعنا أنه ترتيب منطقي وعادل. فعندما يتشاجر الأبناء الصغار، يتدخل الأب ليَحُلَّ المشكلة بنفس الطريقة التي يتدخل بها أي رجل ليفض نزاعاً بين نادل مقهى وزبون يرفض تأدية الثمن المرتفع لكأس القهوة أثناء مباراة المدريد وبرشلونة.

يستعين بالحكمة وصوت العقل ومطالبة كل طرف أن “يكبر” عقله ويوسع خاطره. طبعاً يفشل.. وتأتي الأم تتدخل بجملة غير متوقعة تنهي النزاع في رمشة عين.. جملة تتضمن قدراً من التلميح بالمكافأة أو بالعقاب الذي هو الحرمان من كذا لو الشجار لم ينتهي في ثوان.

الرجل طفل كبير.. لذلك فإن الأزواج خصوصا في هذا الحجر الصحي، هم أكثر إرهاقا للمرأة من الأبناء. لذلك تُبنى البيوت على صبر النساء. وأعتقد جازماً أن الكثير من النساء اكتشفن في هذه الفترة، قيمة الوقت الذي يقضيه الرجل خارج البيت وفوائده على صحتهن النفسية. ولن يكون غريبا، بعد انتهاء هذه الأزمة أن تدعو المرأة لزوجها بالتوفيق والسداد كلما أخبرها أنه خارج لقضاء بعض الوقت مع أصحابه.

الأم لها قدرة عجيبة على الارتجال لإنقاذ الموقف في اللحظات الحرجة لأبنائها، لذلك لن يفهم الأب أبداً لماذا تجيب الأم بدون أن تشعر على أسئلة المعلمة على الواتساب حين يعجز ولدها وتحاول أن تساير دروس التعلم عن بعد وتتابع باهتمام وتريد لفلذة الكبد أن تكون كل أجوبته صحيحة.

المرأة مخلوق جدي؛ فهي تحاول دائما الاعتناء بطفلها ولكن دون السماح بأي قدر ولو ضئيل من المخاطر، عكس الأب، الذي غالبا ما ينتهز فرصة غياب الأم ليستمتع بالفوضى مع أطفاله ويشقلب البيت رأسا على عقب.

طالع أيضا  من فيض الواقع عرفت ابني في زمن الوباء "قصة قصيرة" (2)

يلهو الابن طيلة النهار لا يقطع لعبه سوى محطات إجبارية للإفطار والغداء وكوب الحليب، وحينما يحل المساء تجبره الأم على تناول طعام العشاء وهو نصف نائم قبل أن تضعه برفق في سريره وتُحكم الغطاء. لو كان على الأب لوجدته هو وابنه مستلقيان حيثما غلبهما النوم. لذلك تجد كلمة “ماما” هي الأكثر ترديداً في البيت، ويكفي الأم فخرا أنها هي الأقرب إلى الله، فهي من علمتك الصلاة وليس الأب.

أعتقد أن الجنة تحت أقدام الأمهات لأنهن يمضين العمر كله وهن يجرين بأقدامهن خلف أولادهن، صغاراً كي يأكلوا، ويراجعوا دروسهم، ويشربوا الدواء، ويلبسوا المعطف مخافة البرد، وكباراً كي يجدوا عملا ويتزوجوا، وحتى عندما ينجبون يستمر الجري وراء الأحفاد بنفس الإصرار ونفس المحبة.

سيعلمنا هذا الحجر الصحي أن نضيف إلى هذا الدعاء الذي يتوارثه المغاربة منذ سنين: “الله يسمح لينا من الوالدين وحتى من الزوجات والأخوات“، لأننا تأكدنا أخيراً أن كل البيوت تُبنى على صبر النساء.