بقلم: عز الدين ناصح


تربية الأطفال عملية طويلة مستمرة، يتم من خلالها بناء شخصية الطفل لبنة لبنة، بحب ودعاء، ومصاحبة ومداراة، وتوجيه رفيق وحكمة، وصبر وطول نفس، حتى تستوي وتتماسك لبناتها ويَشدُّ بعضها بعضا، فتنمو نموا سليما، وتتمتع بالاستقرار النفسي والاجتماعي، فلا تهتز ولا تضطرب، وتصبح قادرة على مواجهة متطلبات الحياة ومغالبة تحدياتها، واقتحام عقباتها.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجا ناصعاً مضيئاً في محبته للأطفال وحسن احتضانهم ورحمتهم، ودعا الآباء إلى حسن تربية أبنائهم، عبر جميل مصاحبتهم وهم يشقُّون طريقهم في الحياة، وغرس الآداب الرفيعة في نفوسهم، والتلطف بهم واحترام مشاعرهم ومواساتهم، فقال صلى الله عليه وسلم «لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ[1]»…

ومن أهم ما يجب الابتداء به في تربية الأبناء، تلقينهم بعض الآداب البسيطة الخفيفة، من تعبيرات لفظية وتصرفات ومواقف توافق السلوك الحسن؛ آداب عملية يستعملها الطفل بكل يُسرٍ في حياته اليومية، يتدرب عليها دون عناء كبير ولا أساليب معقدة، وتساهم في تنشئته الاجتماعية وإعداده للاندماج في المجتمع من خلال ما تتيحه له من تفاعل مع محيطه وفق قواعد تماسك النسيج المجتمعي وإقامة علاقات متناغمة معه.

وتمثل هذه الآداب دعامة من أهم دعامات التربية الصحيحة، كما تعتبر الثمرة الظاهرة البارزة لحسن التربية، ومظهرا من مظاهر نجاحها. وأذكر في هذا الصدد دعاء “الله يرحم من رَبَّــاك”، الذي يتردد على لسان عامة الناس بمجتمعنا المسلم حين يرون أدبا جميلا أو عملا حسنا يقوم به طفل أو شاب، فينسبون ذلك للوالدين؛ فعنهما أخذ الطفل هذه الآداب ومنهما تشربها بملاحظاته فعلهما ومحاكاته لهما، فالقدوة متجسدة بقوة وماثلة بجلاء في علاقة الآباء بأبنائهم، بهم يَحتذي الأبناء ولسلوكهم يُقلدون وعنهم يأخذون المعايير والقيم التي توجِّه حياتهم؛ فكل قول يتلفظون به أو فعل يقومون به، إلا وله مُلاحظ رقيب؛ آذان تصغي وتلتقط، وعيون تراقب وتلاحظ، ونفوس تتشرب وتتغذى.

والقدوة الحسنة مفتاح التربية الناجحة وسرها، وهي سُنة من سُنن الله عز وجل في خلقه وفطرة فطرهم عليها، تزرع من خلالها معاني الخير في نفوس الناشئة، وتغرس الأخلاق والآداب الحسنة وتمرر التجارب.

وتعلم الطفل للآداب الحميدة والأخلاق الرفيعة، يقتضي أن تكون هذه جزءا من حياته اليومية وبيئته الحاضنة، فللفعل والسلوك أقوى التأثير في نفسيته وأكبر الآثار في توجيهه من القول والأوامر المجردة عن التطبيق، فهو كالإسفنجة، يمتص كل ما يرد عليه من والديه ومحيطه القريب؛ فكل ما يفعلانه يؤثر فيه نفسيا ومعرفيا وسلوكيا، بل قد يطبع حياته كلها، ف”الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه“[2].

طالع أيضا  المبادئ الخمسة في تنشئة الطفل

 وتعلُّم هذه الآداب وترسُّخُها لدى الطفل لا يتم فقط عبر التوجيه الرفيق القاصد، بل يتطلب أيضا التشجيع المستمر، والمدح والثناء، حيث أن الطفل يتفاعل إيجابيا مع التشجيع والثناء والدعم الإيجابي والاحتضان، والتقبيل أكثر مما يتفاعل مع اللوم والعقاب والتوبيخ…

ونذكر في هذه المقالة بعض الآداب الأولية، ولكنها أساسية وفعالة في العملية التربوي، ينبغي أن تكون من أول ما يغرسه الآباء لدى الأبناء؛ وهي السلام ورد السلام، والشكر والامتنان، وحسن الاستماع، وآداب الأكل، وآداب اجتماعية عامة مهمة، كانتظار الطفل لدوره في لعبة أو طابور، وتقديم المساعدة للمحتاج.

▪  السلام ورد السلام

“السلام عليكم”، و”عليكم السلام”، كلمات يسيرة المبنى عميقة المعنى يجب أن يتعلم الطفل النطق بها وترديدها على لسانه منذ نعومة أظافره، وهي أول موقف يتخذه للتواصل اجتماعيا وربط العلاقة بالآخرين، كما يمنحه شعوراً بالذات وثقة في النفس.

وتتم تربية الأبناء على هذا الأدب الرفيع عبر إعطائه القدوة أولا من خلال تكرار والديه ومحيطه لتحية السلام والتلفظ بها في كل مناسبة، فالتكرار والتعويد وسيلتان فعالتان جداً في تلقين المعاني وترسيخها، ثم عبر تذكيره بها باستمرار وتشجيعه على ذلك.

▪  الشكر والامتنان

“جزاك الله خيرا”، “شكرا”، “من فضلك”، “الله يخليك”، “بارك الله فيك” … وغيرها صيغ وعبارات تَنِمُّ عن حسن أدب و”لياقة” وسلامة سريرة، وفيها تهذيب للنفس وإسهام في بناء الطفل لعلاقات ناجحة في المجتمع وتواصل مع أفراده.

وهنا أيضا فعل الآباء والمحيط القريب حاسم في اكتساب الطفل لهذا الأدب الرفيع؛ فتعليمه للطفل يقتضي تكرار الوالدين بتلقائية ودون تصنع لهذه العبارات أمام أبنائهما بدون ملل وباستمرار كلما تطلبت مناسبة ذلك مهما كانت صغيرة؛ فلا صغير أو تافه في الآداب، كما يتطلب ذلك مساعدته على فهم سبب تلفظه بعبارات الامتنان وإبداء الشكر، وعدم إجباره على تكرار ذلك بدون أي معنى.

طالع أيضا  أولادنا والعناد.. قواعد ذهبية في تربية الأبناء والبنات

▪  حسن الاستماع

يُعدُّ حسن الاستماع عنصرا أساسيا في العملية التربوية، وموجها رئيسيا لسلوك الأبناء على كل المستويات، فهو باب التلقي ومفتاح الفهم والتفاعل والتجاوب … يقول ابن القيم: “فالسماع أصل العقل وأساسه ورائده وجليسه ووزيره ولكن الشأن كل الشأن في المسموع… وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه طربا وهربا وحبا وبغضا” (مدارج السالكين).

وتعتبر هذه المهارة التي يجب تربية الطفل عليها؛ استماعه بأدب للمتحدث إليه، فلا يقاطعه ولا يشوش عليه، من المهارات التي ستساعده على تنمية جوانب مهمة من شخصيته، كتَعلُّم التعبير حيث أن حسن التعبير والكلام يبدأ بحسن الاستماع، ومتابعة الحديث، واحترام الآخر…

ولمساعدته على اكتساب هذه المهارة، يجب العمل بالقاعدة التي تقول: “التحدث ليستمع الأطفال، والاستماع ليتحدثوا“، ومن مقتضيات هذه القاعدة الكلام ببطء عند الحديث إليه، والاختصار في الكلام، واستعمال كلمات سهلة واضحة، وجعل الحديث ممتعاً سهل المنال بالنسبة له… كما ينبغي الاستماع إليه بكل تركيز حين يتحدث وعدم مقاطعته، والإقبال عليه بالكلية، والتفاعل مع كلامه وإظهار ذلك عبر حركات اليد وتحريك الرأس وتغيير تقاسيم الوجه كالاندهاش والابتسام…

ومن شأن مثل هذا التعامل مع الطفل الاستجابة إلى حاجته إلى القبول والاحترام، مما سيجنبه الميل إلى السلبية والانطواء، وإعطائه الشعور بتقدير الناس له، وتعزيز ثقته في نفسه.

▪  آداب الأكل:

تعليم الأبناء الآداب الإسلامية الجميلة للأكل والشرب من غسل اليدين، والبسملة، والأكل والشرب باليد اليمنى، والأكل مما يليه، وشكر الله على ما أطعم وسقى، وتجنب عيب الطعام سواء لكميته أو نوعيته أو مذاقه…، مما يجب على الآباء تعليمه أبناءهم مبكرا منذ اللحظة التي يبدؤون فيها الجلوس على مائدة الطعام مع العائلة، وذلك من خلال تطبيق الآباء لهذه الآداب أولا وأساسا، ثم من خلال التوجيه الرفيق والتذكير المستمر، تأسيا برسول الله عز وجل حين قال لعمر بن أبي سلمة وهو غلام: “يا غلام سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك“[3].

▪  انتظار الطفل دوره في لعبة جماعية أو طابور:

يضطر الطفل في إطار حياته الجماعية؛ عدة مرات في اليوم وفي مناسبات مختلفة، انتظار دوره للمشاركة في نشاط جماعي أو لعبة، أو لقضاء حاجة من الحاجات… فانتظار الدور قاعدة هامة جدا في الحياة ومظهر من مظاهر الآداب الاجتماعية الأساسية، تعبر عن حسن التربية وتوازن الشخصية واحترام الآخر والاستعداد لإقامة علاقات اجتماعية متناغمة… وتعلم الطفل لهذه القاعدة وتدربه عليها منذ نعومة أظافره شرط أساسي في نمو شخصيته، يتعلمها من خلال فعل والديه والاقتداء بهما أولا، ويتعلمها بتدرج وبالتوجيه اللطيف والتشجيع عبر بعض الأساليب التعليمية المناسبة لقدراته، كالقيام ببعض الألعاب والأنشطة التي تتم فيها المشاركة بالتناوب…

طالع أيضا  الطفولة بين العدل الأسري والتطوع الإحساني

▪  تقديم المساعدة للمحتاج:

ومن الآداب الاجتماعية العامة التي ينبغي تربية الأبناء عليها تقديم المساعدة لمن يحتاجها، كفتح باب قاعة أو بيت أمام إنسان أو حيوان، ومسكه حتى يدخل أو يخرج، إعطاء أسبقية المرور أو مقعده لمن هو أكبر سنا أو يعاني من مرض أو يحمل أثقالا… أعمال ‘بسيطة’ تنم عن شخصية اجتماعية مِقدامة، تحب الخير للناس، وتُؤْثِر الآخر على نفسه، وهذه كلها أصول من أصول ديننا وتربيته.

ذكرت في هذه المقالة بعض الآداب ‘البسيطة’ التي يجب على الآباء تلقينها أبناءهم لحسن تربيتهم وتوازن شخصيتهم، وهناك آداب أخرى لا تقل أهمية تساهم هي أيضا في صناعة شخصية الطفل وتربيته على الإيجابية وحسن التعايش مع محيطه، ينبغي على الآباء الانتباه لها وعدم الغفلة عنها في تربية أطفالهم.

ثم هناك الأصل الأصيل والأساس المتين الذي لا يزيغ عنه إلا عَمِهٌ مغفل زائغ؛ الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل والوقوف على بابه، فالهداية توفيق منه سبحانه، والتربية صنع على عينه، فهو الهادي سبحانه والمربي، والقلوب بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.

 

[1] : رواه الترمذي رحمه الله عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه

[2]: كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، لأبي الفيض محمد بن محمد الحسيني، ج7، ص74

[3]: عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة (الإناء)، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك. فما زالت تلك طُعمتي بعد (رواه البخاري).