إن وظيفة الأم الأساسية والخاصة بها داخل النسق الأسري، تتمثل أساسا في تربية الطفل ورعايته “باعتبارها أكثر فعالية من الأب في الإشراف على واجبات الأبناء” 1  كما لا يستطيع أحد أن يعوض أثر الأم في مجال تربية أطفالها، والسهر على تلبية حاجياتهم اليومية من رضاعة، وتغذية سليمة، ونظافة… إلخ، حيث يلخص صبحي الصالح في كتابه “المرأة في الإسلام” أهمية الأم المربية في قوله: “إن وظيفة المرأة الأساسية هي الأمومة وتدبير البيت سعيد” 2.

لذلك على الأم أن ترعى أطفالها، وتربيهم تربية صحيحة، “فلقد كفل الإسلام رعاية الأطفال منذ ميلادهم إلى أن يبلغوا سن الرشد، وأول هذه الرعاية ولاية الحضانة، حيث تنمو عواطف الطفل وغرائزه البشرية، وجعل هذه الولاية كاملة للمرأة” 3.

وتؤكد أغلب الدراسات أنه لا يمكن لأحد كيفما كان أن يعوض الأم في تربية الذرية إذ “لا يستطيع أي أحد، أن ينكر أن تربية الأم لطفلها أجدى بكثير من تربية الخدم والأقارب” 4، وكلما كانت تربية الطفل على يد أمه شعر بالأمان التام إذ أن “أهم شيء بالنسبة لصحة الطفل النفسية هو إحساس الطفل بالأمن، وشعوره بأنه محبوب ومرغوب فيه من طرف أمه، ومقبول منها في جميع الأوقات” 5 ولا يجد الطفل في سنواته الأولى إلا أمه بحيث يحدثها ويضايقها، “وتتكون لديه بعض الاتجاهات، منها شدة الاعتماد عليها في كل كبيرة وصغيرة، وتحب الأم هذا لأن طفلها يحتاج إليها دائما.” 6  وبهذا تكون الأم هي الأس في تربية الأبناء، وأي خلل في هذه الوظيفة ينتج عنه خلل في التربية، فإنه “عبر كل النماذج للعلاقات الاجتماعية المعروفة، نجد أن علاقة الأم بالطفل خلال السنوات الأولى من حياته تشغل مكانة فريدة من نوعها” 7.

ولقد شهد بعض علماء الغرب أن السبب في انحلال الأسرة، هو انشغال الأم عن وظيفتها الأولى حيث يقول “برتراند راسل”، “إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة.” 8 بحيث تتجه معظم الأمهات العاملات إلى دور الحضانة، لترك أطفالهن بين أيدي المربيات طوال فترة العمل لذلك أصبحت “رعاية الأطفال وتربيتهم والعناية بهم أقل نجاحا من ذي قبل.” 9  فانشغال المرأة لساعات طويلة عن بيتها وأولادها، يؤدي إلى نوع من الإهمال وهذا يؤثر على شخصيتهم ونموهم الفيزيولوجي خاصة خلال الأشهر الأولى من الولادة. “إن فترة غياب الأم عن المنزل يولد شعورا بإهمال الأطفال، لأنهم في سن ما قبل التمدرس يحتاجون إلى رعاية مركزة كما أن التجارب أثبتت ضرورة لزوم الأم لبيتها وإشرافها على تربية أولادها بنفسها، لأن الفارق الكبير بين المستوى الخلقي لهذا الجيل والمستوى الخلقي للجيل الماضي، إنما مرجعه إلى أن الأم هجرت بيتها وأهملت طفلها، وتركته عند من لا يحسن تربيته.” 10.

يقول الإمام ياسين رحمه الله تعالى “من عجائب الموافقات أن أوجست كونت الفيلسوف الوضعي الفرنسي، رائد «علم» الاجتماع له رأي حصيف في صون المرأة عن الابتذال في العمل خارج البيت. يرى واجبا مقدسا على الرجل أن يكفيها نفقاتها لتتفرغ لإسعاد أهل بيتها. ويرى أن على الهيئة الاجتماعية أن تكفُلها في مادياتها الكفالة التامة. إنه فيلسوف تطوُّري لا يُنْفِقُ من حضارته إلا كلمة منه إليه لدحض رأيه هذا: فكر تجاوزه الواقع” 11.

طالع أيضا  أنا وابني والألعاب الإلكترونية

ويؤكد الإمام عظم الوظيفة التي تضطلع بها الأم، وأن مهمتها الأولى في الحياة هي إعداد الولد الصالح، ولن يستطيع أحد أن يعوضها في هذه الغاية، يقول رحمه الله تعالى: “أهم ما نُعِد لهم من قُوَّة أمومة مبرورةٌ بَرّةٌ مربية، تصنع مستقبل العزة للأمة، جهاد المؤمنة وحيثيَّتُها في سجل كرامة الإيمان أن تنجب مجاهدين ومجاهدات أقوياء. فإن اضطرتها ظروف الحاضر والاحتياط المستقبلي من غَدَرات مجتمع منفصم الأوصال، وصوَلات زوج يطلق. ويشرد، للعمل في مِهن الإنتاج البضاعي، فإن نداء المستقبل يُحيِّي المؤمنات ويُهيبُ بهن أن يكون لهن في صنع غد أفضل اليد الطولى، والكلمة المسموعة، والخِدمة التي لا يقوم بها غيرهن. ليست هذه الخدْمة تفريخ أعداد بشرية. إن كان الوَلَدُ الصالح الواحد ذخرا باقيا للآخرة وعملا يرضاه الله، فكيف بإصلاح أمة وإحيائها وصناعة مستقبلها” 12. إن الأم الصالحة هي من تصنع مستقبل الأمة، هي من تقود التغيير من بيتها من برجها العظيم ف “مستقبل الأمة، مستقبل الخلافة على منهاج النبوة، مستقبل الإسلام في العالم ينتشل الإنسان ويهديه سبيل الملِكِ الديان، تصنعه المؤمنة من موقعها التاريخي، حيث وضعتها القدرة الإلهية، إن سَبَقَتْ لها من ربها سابقة جِهاد، واصطفاها لذلك رب العباد. إن اصطفى المولى عز وجل المؤمنة كانت منبِتاً وأصْلا. تكون أصلا للبذور الطيبة، ومنبتا للشجر الطيب إن كان لها في سماء الإيمان والإحسان مطلع، ومن أرض العبودية لله وحده لا شريك له مَشْرَعٌ. اكتملت فيها التربية فهي منها فائضة كالنبع الكريم يَجود. اكتمل فيها الوعي وتكامل بين وظيفتها الأمومية، وجهادِها الحركي، وإعدادها القوة للتغيير التاريخي الطويل النفَس. مستقبل الذرية حتى تتعلم وترشُد وتتزوج وتندرج في الحياة. صنع المستقبل السياسي للحركة الإسلامية مصاوَلةً ومطاولةً للمبطلين. صنع تاريخ الإسلام. مسألة أجيال، مسألة قوة أجيال، مسألة كفاءة أجيال، مسألة إيمان أجيال، مسألة تربية أجيال، مسألة تأصيل أجيال، مسألة توصيل أجيال لتستقي من ينابيع الوحي وتستنير بأنواره. والحمد لله رب العالمين” 13.

حين أشار الإمام إلى أثر الأم العظيم في صلاح الذرية، فقد كان يدرك -وهو الرجل التربوي الخبير- بأن عملية التلقين الأولى التي يتلقاها الوليد، فإن منبعها الأول هو الأم سواء في جانبها الروحي أو المادي، يقول رحمه الله تعالى “تصاحب الأم نمو المولود، وتراقب حركاته وهو يحبو، وجسمه ينمو، وعقله يتكون، ولسانه ينطلق. لقنيه لا إله إلا الله لتكون أول ما يلفظ به عسى بركتها تجري عليه مدى عمره. تراقب الأم سلوك الطفل وعوارض مرضه لتتدخل الطبيبة المختصة إن كانت الأم طبيبةُ البيت قد تجاوزتها الأحداث. تُعوِّدُ الصبيَّ نظافة الأسنان من لَدُنْ قيامها بذلك عنه يومَ بروزها إلى أن يستقل بتسويك نفسه مستقلا، وتلك سنة نبوية مؤكدة أشد التأكيد، من تخلى عنها صغيرا أو كبيرا تلِفَتْ مع أسنانه صحته، وتأذّى من بَخَرِه الملائكةُ والناس. النظافة المبكرة تنتظر الأمُّ أن يحملها عنها المولود حملا متدرجا. فإذا بلغ السابعة فالطهارة والوضوء والصلاة ترغيبا وتحبيبا. وقاية الجسم مع وقاية الروح تجتمع.” 14 وبهذا تكون الأم المربية الصالحة “مدرسة. الأم منبع. الأم الجاهلة سُخْنة عين وإمامة ضياع، وامتداد لبؤس الأمة.” 15 إن الأم المربية – في نظر الإمام- رحمة وبركة بين أهل بيتها، فهي تنفق “من كنوز المحبة، واحتياطي المداراة، وملطفات الأجواء بالخدمة واللياقة واللباقة، ومنْجِدات التحمل والصبر. وصْلُ ما أمر الله به أن يوصل من عُرا القرابة إصلاحٌ في الأرض، وإصلاحٌ للعمل. لا تأْلو المؤمنة جُهداً في تلافي ما يفصل ويقطع ويوحش.” 16.

طالع أيضا  إضاءات من مجالس تنوير المؤمنات لإنجاح العلاقات الأسرية 1/2

يرى الإمام أن الإسلام قد صان الأم عن كل ابتذال حتى تتفرغ لمهمتها العظيمة، وفي غياب هذه العناية بالمرأة، تضيع فرص تنشئة الذرية على البر والصلاح حيث “يَحوطُ الأمَّ في المجمع الإسلامي السويِّ، ويَصونُها عن الابتذال في الخروج للكسب، فرضان: فرضُ النفقة الواجبة على الزوج، وفرضُ البر الواجب المحتم على الأولاد. وهي قبل زواجها وترملها في كفالة والدها فرضاً واجبا، لاَ مِنْحَةً أبوية تطوعية. وانظر كيف يحث الشارع على البر بالبنات في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يومَ القيامة أنا وهو” وضم أصابعه. رواه مسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه. صيانةٌ أخرى ورعاية إضافية تحنو على المسلمة، لتتفرغ من أعباء الكسب خارج بيتها وتوظف في سعادة ساكنيه البِشرَ والعطاء والرحمة. ذلك ما ندب إليه الشارع وأكد عليه. فمن حيث التَفَتْنَا إلى فرائض الشـرع ومستحباته، نجد كل ما يوجه المسلمة المؤمنة إلى وظيفتها الجليلة الأساسية، وما يفرغها من الهموم المادية. ومن حيث التفتنا إلى واقع المسلمين، خاصة في عصور الاستهلاكية المتباينةِ فيها المكاسبُ تباينا فاحشا، المتفشي فيها الفقرُ والبطالة إلى جانب الترف والتبذير، نجد ما يُؤلِمُ القلب ويحزن النفس. الضرورة تدفع نساء المسلمين المستضعفين للكسب خارج البيت. ومُجاراة الأوضاع العالمية والموضات الجاهلية تدفع الأخريات لامتهان وظائف تستهلك المرأة في غير ما خلقت له. وتتفكك الأسرة، ويهيم مجتمع المسلمين في درب الانحلال الأسروي الذي بلغ مداه في المجتمعات الغربية المصنعة الصاخبة المنحلة.” 17.

وينبه الإمام إلى الخطر الذي ينتج بسبب خروج الأمهات للعمل وترك الأبناء في يد الخدم وتحت رعاية دور الحضانة، حيث الحرمان العاطفي للطفل، إذ يعد ذلك “ضياعا لأجيال نريدُها مُفعَمةَ الجسم بفتوة لا تنشأ إلا بثدي الأمهات، عامرة القلب بإيمان فطري، لا تتأهل للحفاظ عليه وتأسيسه إلا رحمة الأمهات، متوثبة الهِمة إلى معالي العزة بالله والعزة للأمة، عزةٍ لا يمكن أن تتولد في أحضان الخادمة ومراكز الحضانة وشارع البؤس.” 18  فإن كانت ظروف الأم قاهرة تمنعها من رعاية أبنائها، فلتحرص على ترك صغارها في المحاضن الآمنة، التي تشرف عليها أمهات صالحات متطوعات. يقول الإمام “تراقب الأم مولودها مراقبة دقيقة بعناية ودراية. المحبة بلا دراية كساعٍ إلى الحرب بلا سلاح. ومن لا دراية له ولا محبة فتوكيله على الأطفال كتوكيل الثعلب على الدجاج. الأطفال في أيدي الخدم كارثة. ومن أنواع الخدَم المأجورين محاضن رِبْحية تغدو الموظفة الكادحة بفلذات كبدها إليها لما ترى من زخرفة الإعلانات ولباس «المربيات» ولُعَب الساحة. من أهم ما تندب إليه المؤمنات أنفسهن، إنشاء محاضن تعمل فيها أمهات متطوعات صالحات، يُصلح حضورهن ومراقبتهن ومِثالُ إخلاصهن وإشعاع إيمانهن ما تميل الأيدي الأجيرة لإهماله وإفساده” 19.

طالع أيضا  مقدمات في الرقي بالقيم التخاطبية.. نحو أسرة متواصلة

ويذهب الإمام إلى أن الأسئلة المطروحة في عصرنا اليوم ليست كتلك التي طرحت في وقت بعيد، نظرا لتغير الأحوال والظروف إذ “يصبح السؤال: ما مدى وجوب تربية الأولاد وإحسان تربيتهم على الأمهات؟ يليه سؤال: هل تقدر الأمهات -خاصة إذا كن مرهقات بالعمل خارج البيت- أن يُربّينَ أولادهن وبَناتهن التربية الصالحة إذا كان الأولاد والبنات قافلة غير منظمة الوِرْدِ والصَّدَر؟ يليه سؤال: ما مسؤولية المرأة، والواجب الديني عليها، والذخر الأخروي المرجو، في تنظيم نسلها ليكون الولَد -وهو عَملُها خلقه الله وتسببت فيه- صالحا، قوة.” 20 وإذا كانت للأم هذه الأهمية العظيمة في تربية الذرية على الخير والصلاح، فإن الإمام يلح على أن تربية الأمهات تكون الشرط الأول والمطلب الأساس فإذا “كان تفرغ الأمهات لتنشئة الأجيال المؤمنة وحفظ الفطرة سليمة من أسبق المهمات المستقبلية، فإن تربية الأمهات تكون الشرط الأسبق والمطلَب الأوثق. وذلك ما يجب أن تُفْرغ فيه جهود المؤمنات المنتسبات للدعوة ليسْدُدن ثغرات تركها في نسائنا الجهل الموروث، والفقر المثبط، ومرض الفطرة” 21 وبذلك يرى الإمام أن الأولوية القصوى في حياة الأم؛ هي التفرغ للتربية وحفظ الفطرة، فتلك مهمتها العظمى، وشرفها الأسنى لخدمة دعوة الله تعالى، وإسهاما في تغيير واقع الأمة. دون أن يمنعها هذا من الخروج للعمل إذا اضطرتها ظروف ضاغطة ألجأتها إلى ذلك.


[1] محمد سمير، حسانين. التربية الأسرية، ط 1، مصر: مكتبة الأشوال، 1994، ص 113.
[2] تماضر زهري حسون، عمل المرأة وأمن الأسرة في الوطن العربي. المجلة العربية للدراسات الأمنية، العدد 124 . مارس، ص 1.
[3] غريب، سيد أحمد وآخرون. دراسات في علم الاجتماع العائلي، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1995، ص 103.
[4] محمد، سمير حسانين. مرجع سابق ص 110.
[5] عالية الرفاعي، نمو الطفل ورعايته. ط 1، عمان، دار الشروق: 1997، ص 136.
[6] سعد مرسي أحمد و كوثر حسين كوجك، تربية الطفل قبل المدرسة، ط3 ،عالم الكتب القاهرة، ،1991 ص 30.
[7] HELENE Deutsch. La psychologie des femmes: Etude psychanalytique. P.U.F 1962, P 29.
[8] أحمد، شلبي، الحياة الاجتماعية في التفكير الإسلامي. ط 1 القاهرة: دار الاتحاد العربي للطباعة، 1968، ص9 12.
[9] السيد، عبد المعطي وآخرون. الأسرة والمجتمع، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988، ص 16.
[10] البهي، الخولي، المرأة بين البيت والمجتمع. دار الكتاب العربي، ب، ت ص 126.
[11] ياسين، عبد السلام، العدل،312.
[12] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات2/222.
[13] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات2/244.
[14] ياسين، عبد السلام ،تنوير المؤمنات282.
[15] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات2/67.
[16] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/235.
[17] ياسين، عبد السلام العدل 310.
[18] ياسين عبد السلام، العدل 311.
[19] ياسين عبد السلام تنوير المؤمنات 2/284.
[20] ياسين، عبد السلام تنوير المؤمنات2/228.
[21] ياسين، عبد السلام، العدل 314.