مخاوف اكتشاف الجينوم البشري

أحدثت هذه الثورة البيولوجية حالة من الانبهار عند المهتمين وكثير من الناس، خاصة بعد الإعلان عن اكتشاف الجينوم البشري ومدى مساهمة هذا الإنجاز في التقدم العلمي في مجالات الطب وصناعة الأدوية وعلاج الأمراض المستعصية… فأصبح هاجسهم ومعظم اهتمامهم في كيفية اللحاق بهذه الثورة، وامتلاك أسبابها والاستفادة من تطبيقاتها وإنجازاتها العلمية الهائلة.لكن قليلا منهم من يحاول البحث في آثارها الاجتماعية والثقافية، ويسعى لوضع إطار أخلاقي وقانوني يضبطها، ويحول دون أن يتسبب في كارثة إنسانية، خاصة بعدما أشيع عن اتجاه بعض المراكز العلمية في الغرب لتطبيق بعض تقنيات البيولوجيا والاستنساخ تحديدًا على الإنسان، وما يتردد من إمكانية التلاعب بالأجناس البشرية بعد النجاح في اكتشاف الخريطة الجينية للإنسان.
يقول فرانسيس فوكوياما :” … من إيجابيات هذه الثورة الإحيائية، أنها تتيح لنا تشخيص بعض الأمراض الصعبة التي قد تصيب الإنسان. ومن سلبياتها أنها قد تدفع بالعلماء إلى المزيد من الغرور ومحاولة تعديل الطبيعة البشرية أو التدخل فيها. وبالفعل فقد بدأ بعضهم يتحدث عن الاستنساخ البشري مثلما جربوه من قبل على الحيوانات والنباتات،وهذه مسألة خطيرة جداعلى مستقبل البشرية. ولا يقف هذا الادعاء عند الاستنساخ البشري في الدنيا إلى استنساخ الحياة برمتها بعد فناء الدنيا…”
كما يحذر فوكومياما أنصار المغامرة ومالكي التكنولوجيا البيولوجية قائلا:”حذار! لا تمسوا الطبيعة البشرية بسوء. فالطبيعة البشرية ينبغي أن تظل طبيعية لا أن تصبح اصطناعية، نغير فيها ونحول كما نشاء ونشتهي عن طريق التدخل في النظام الوراثي…”
هناك حدود للعلم ينبغي أن يتوقف عندها، وإلا حصل ما لا تحمد عقباه. فالطبيعة البشرية لها قداستها، والإنسان ليس حيوانا ولا نباتا لكي نجري عليه التجارب كما نريد.
هناك أربعة مخاطر ناتجة عن الثورة البيولوجية الحديثة، نفصلها اتباعا.

الفوائد التطبيقية للخريطة الوراثية

هناك حدود للعلم ينبغي أن يتوقف عندها، وإلا حصل ما لا تحمد عقباه. فالطبيعة البشرية لها قداستها، والإنسان ليس حيوانا ولا نباتا لكي نجري عليه التجارب كما نريد.
هناك أربعة مخاطر ناتجة عن الثورة البيولوجية الحديثة:
1. تركيز علم الوراثة على الاختلافات الموجودة بين طبيعة الأجناس البشرية قد يؤدي إلى دعم الأطروحات العنصرية القائلة بعدم وجود تساوي بين البشر، كما يراها (دانييل كيفلس) و (ليوري هود) . وتفضيل جنس عن آخر بحكم الأصل، لا بحكم التقوى. شعب الله المختار؛ مثل العنصرية الصهيونية والنازية الهتليرية، التي تتعارض مع مبدأ التفضيل والاصطفاء المبنيين على التكريم الإلهي. قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .
2. أصبح علم البيولوجيا قادرا على التحكم بسلوك الإنسان وتصرفاته، عن طريق العقاقير الصيدلية المكتشفة حديثا؛ وبالتالي تصبح الطبيعة البشرية خاضعة للتحكم والتعديل. وهكذا يفقد الإنسان طبيعته وأصالته الإنسانية، بل يفقد الجوهر الإنساني الذي يميزه عن بقية الكائنات، ألا وهو الحرية والمسؤولية عن الأعمال والتصرفات، مصداقا لقوله عز من قائل في سورة الروم:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ؛لا تبديل لخلق الله. خَلقا وخُلُقا، طبيعة ونشأة.
3. محاولة بعض علماء البيولوجيا إطالة مدى الحياة بشكل تعسفي أو اصطناعي. بل إن بعض علماء الوراثة أصبحوا يعدون بالخلود في هذه الحياة وعدم الموت على الإطلاق!! وما الجثث الميتة في المثلجات إلا فرعونية جديدة تحنط الكائن البشري في مومياء وتخزينها إلى أجل غير مسمى، أملا في إحيائها من جديد حينما يتحقق وهم المتمعلمين وادعاء الباحثين.قال الله عز وجل: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) .
والحقيقة البشرية هي حياة وموت:حياة قبل الموت وموت بعد الحياة، حياة أبدية أزلية خالدة تفترض تقديم عمل قبل الموت حينما لاتنفع الندامة فيقول الكافر(يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) .
4. محاولة استنساخ الجنس البشري أو تعديل نظامه الوراثي لتفادي بعض المشاكل أو تصحيح بعض التشوهات التي قد تصيب الإنسان. الاستنساخ الجزئي للأعضاء المعطلة أو المريضة مشروع إنساني لإصلاح النوع دون التدخل في إرادة الله ولا نوع الإنسان ولا مصيره. وهذه محاولة طيبة تساعد الإنسان على تفادي نقائص وتجنب عيوب وأمراض قصد التحسين لا التغيير والتحويل.
في أبريل 2000 أعلنت مؤسسة ” سيليرى جينومكس ” أنها انتهت من وضع سلاسل الحمض النووي ADN في جميع الصبغيات في شخص واحد، و أنها بصدد وضع المعطيات في تسلسلها الصحيح. و لهذه المؤسسة تقنية مختلفة عما تتبعه المؤسسات المدعومة من الحكومات. و قد بدأت عملها في هذا المجال بنية بيع تحليلاتها للخارطة الوراثية البشرية لشركات الأدوية عندما تكتمل، الشيء الذي أثار تحفظ الكثيرين، خاصة الخبراء البريطانيين الذين أعلنوا على أن الخريطة الوراثية للإنسان ليست للبيع، وأن مثل هذه الاكتشافات العلمية يجب أن تكون عامة لإتاحة الفرصة أمام جميع خبراء العالم… للإستفادة منه والاستعانة بفوائده واستخدامها من الناحية الطبية.
خلال السنوات العشر المقبلة، سوف تتوافر علاجات جديدة بشكل أفضل للأمراض التي يستعصي علاجها حاليا. ولنأخذ مثلا على ذلك الدراسة التي تجري حاليا في مؤسسة “سانجر” حيث يقوم فريق الباحثين برئاسة “مايك ستراتون” بفحص الأورام السرطانية لاكتشاف الفرق، على المستوى الجيني، بينها وبين الأنسجة الطبيعية. فالقضاء على الخلية المريضة أسهل في الواقع، من معالجتها، ومن المفترض أن تساعدنا المعلومات الجينية في اكتشاف الأهداف المحددة في الخلايا السرطانية والتي إليها يجب توجيه العلاج بغية القضاء عليها بطريقة انتقائية، والحد بذلك من الانعكاسات الجانبية وتحسين معدل الشفاء.
إن ضبط سلسلة الجينوم يمثل خطوة متقدمة رائعة بالنسبة إلى المعرفة الإنسانية للجسم البشري على مستوى التركيب الجزيئي. لكن الاكتشاف لا يعدو أن يكون إلا منطلقا للبحث العلمي من أجل فتح “الصندوق” المليء بالأسرار. فالعلماء لا يزالون يجهلون تركيب معظم الجينات ولا يعرفون مكان أو زمان ترجمة خبرها الوراثي إلى بروتيدات. ولا يكفي الجينوم وحده لفهم كل ذلك، لكنه يشكل صندوق عدة يمكن لكل واحد أن يستعين بأدواته.
قال الله تعالى(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) . يمكن أن ندخل هذا المجهود العلمي والعملي وهذا البحث الاستقرائي وهذا المجهود البشري في باب العمل لنفع المخلوق البشري، عمل تعبدي يندرج في باب الإتقان والتدقيق والعمل الجاد البناء الذي هو مدخل الإحسان الذي ينتهي باستحضار عظمة الله والتعرض إلى فضله وكرمه وجوده.وما البداية إلا بالعمل الدءوب الصالح ،والحضور الكلي بالقلب والروح ارتقاء بالمحبة والصفاء.
في حين وقف عالمنا العربي والإسلامي منبهرا بهذه الثورة البيولوجية، بل إن معظم اهتمامات المختصين في عالمنا العربي هو التفكير في كيفية اللحاق بهذه الثورة وامتلاك أسبابها والاستفادة من تطبيقاتها وإنجازاتها العلمية الهائلة. والقليل من يحاول البحث في آثارها الاجتماعية والثقافية، ويسعى لوضع إطار أخلاقي وقانوني يضبطها ويحول دون أن يتسبب في كارثة إنسانية، خاصة بعدما أشيع عن اتجاه بعض المراكز العلمية في الغرب لتطبيق بعض تقنيات البيولوجيا والاستنساخ تحديدا على الإنسان، وما يتردد من إمكانية التلاعب بالأجناس البشرية بعد النجاح في اكتشاف الخريطة الجينية للإنسان . ولا ننكر المساهمة الفعالة في هذا المجهود العلمي لفضلاء وجدوا الإمكانيات والوسائل والتشجيع وإتاحة الفرصة لإبراز مكتشافاتهم العلمية وتشجيعات معنوية توفرت في بلدان غير إسلامية واستفادت منها البشرية والعلم باسم بلد المهجر.
بالإضافة إلى مشكل تسويق الجينوم البشري الذي فجر نقاشا حادا بين الجهات المتنافسة، تشير بعض التقارير إلى أن إسرائيل تسعى – من خلال مشاركتها في برنامج الجينوم البشري- إلى تطوير فيروسات قاتلة للجنس العربي تحديدا، بحيث يتم القضاء على أعداد كبيرة من العرب دون الدخول في حرب ومواجهة مقاومة مضادة. وإنما عن طريق تطوير بعض الفيروسات تحدث إبادة. إلا أن بعض المهتمين يعقب على كون ذلك لا يمكن أن يصنف إلا من قبيل الحرب النفسية أكثر من كونه حقيقة علمية . لكن تقنيات الهندسة الوراثية اليوم، هي من أعظم الأسلحة التي يمكن أن تستخدم من أجل التأثير على أعداد كبيرة من البشر. والأخطر من ذلك ما تصدره إسرائيل إلى الدول العربية من بذور معالجة وراثية للنباتات. وهي تستطيع عن طريق هذه البذور أن تدخل ما يصيب هذه الأمة بأضرار بالغة للغاية.
يرى بعض العلماء والمفكرين أنه من الحكمة، بل من الواجب، ضرورة أن يسير مشروع “الجينوم البشري” جنبا إلى جنب مع نوع من التقييم والاعتبارات القيمية للأخلاق الإنسانية.
لقد حدد علماء الوراثة في بداية البحث عن الجينوم البشري أهدافا من أجل الفائدة التطبيقية للخريطة الجينية، وهي:
1- رسم خريطة جينية جيدة بالتعرف الدقيق على موقع الجينات على الصبغيات.
2- إنتاج قدر مناسب من تلك الشظية التي تحمل عددا مناسبا من الجينات.
3- المزيد من سيطرة العلماء على تلك الجينات المقيدة إلى حد ضم مليون منها في جزء ما يمكن توظيفه بسهولة وفي أي وقت.

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي، ما مفتاحه؟ (1)