نظم مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان ندوة تحت عنوان: “مستقبل العالم الإسلامي في ظل التحولات الدولية الراهنة“، استضافت في جزئها الثاني مشاركة كل من الأستاذ رشدي بويبري الباحث في الفلسفة وعلم الاجتماع، والدكتور ربيع حمو الباحث في قضايا التربية والتعليم.

الندوة التي بثتها قناة الشاهد الإلكترونية يوم الخميس 11 يونيو 2020 كانت من تسيير الأستاذ عبد الحميد قابوش عضو المكتب، وتناولت محورين أساسين هما: “الخيارات السياسية والاقتصادية القمينة بصناعة حضور مستقبلي فاعل للأمة“، و”مركزية التعليم والبحث العلمي في النهوض الحضاري“.

أشار بويبري، الذي تحدث في المحور الأول، في البداية إلى تمييز الخبراء بين الأحداث والصدى الذي تتركه الأحداث، فالحدث يكون محدوداً في الزمان والمكان، لكن الصدى الذي قد يتركه الحدث قد يتجاوز مجاله الزماني والمكاني، وقد يمتد إلى المستقبل. فقيمة الحدث ليس في ذاته بل فيما يتركه من أصداء في البشر وفي الزمان والمكان.

إذاً، جائحة كرونا حدث مهم، وهو وباء مثل غيره من الأوبئة، لكن هل نحن بصدد تحول تاريخي أم بصدد تحول محدود؟  

علّق بويبري بالقول بأن هذه الجائحة ليست تحولاً تاريخيا ولن تنتجه، بل هي حدث يدخل في خانة “الفاعل المسرّع“، وهي أحداث تتناسل بالمناسبة بشكل كثير في هذه المرحلة، وهذا دليل على أن الكرة الأرضية مُقبلة على انعطافة تاريخية مهمة، فالآن بعد الكوفيد 19 نعيش أحداث العنصرية في أمريكا، وقبلهما كانت الأزمة الاقتصادية سنة 2008، وسنعيش أحداثا أخرى، فنحن بصدد سلسلة أحداث تفعّل وتسرع من وتيرة التحول التاريخي المقبل.

وظاهرة التغير هي ظاهرة بشرية تاريخية كونية، هي سنة الله تعالى في الخلق، أن يحدث تحول وتغير في أحداث الناس وأزمنتهم وفي علاقاتهم.  

طالع أيضا  القطاع النقابي: التدبير الرسمي للجائحة أمسى هجوما شرسا على ما تبقى من مكتسبات الشغيلة المغربية

بشكل عام، في الحديث عن التحولات يجب التمييز بين ثلاث مستويات، تحول في السياسات وتحول في الخيارات، وتحول في المسارات. نعم بينها ترابط، ولكن لكل عنصر من هذه العناصر ما يميزه عن الآخر.  

حين نتحدث عن السياسات فهو تحول في المجال التكتيكي، كل دولة وكل مجتمع له شأنه العام، وهذا الشأن يسير من قبل سياسات، وهذه السياسات تتحكم فيها خيارات، فمراجعة سياسات ونقدها وتقويمها هذا بتم بشكل دائم، سواء بشكل مرحلي أو بشكل دوري. أما الخيارات فالتغيير فيها يتم على مستوى متوسط المدى، ليس من السهل تغيير الخيارات، لأن الخيارات تنضج عبر الزمن، وهي تغطي مجالات متعددة، نتحدث عن خيارات اقتصادية وسياسية وثقافية ودينية وغيرها، فإذاً التغير على مستوى الخيارات يحتاج إلى حكمة وإلى تدبير وتخطيط عميق، بينما تغيير السياسات هو سلوك دائم. وقد تعمد بعض الدول والمجتمعات إلى تغيير بعض من خياراتها، ومراجعتها، حسب الظروف والمناسبات والضرورات.  

أما التغيير الأعمق، فهو ما يسمى بالتغيير في المسار، المسارات هي المحددات الكبرى التي تحدد وجهة مجتمع ما ودولة ما، وهي المحددات والمقومات الكبرى لهذه الدول والمجتمعات، نتحدث مثلا في مسار الدولة عن اتجاهاتها الإيديولوجية، عن اتجاهاتها القيمية، عن مرجعياتها الهوياتية والدينية والحضارية، فالتغير على مستوى المسارات هذا لا يحدث بشكل دائم ومستمر. عندما نقول تغير على مستوى المسار فإنما نتحدث عن انعطافة تاريخية في مسار ووجهة مجتمع ما، أو مسار التاريخ البشري ككل. وهذا يحدث في مراحل تاريخية متباعدة، إثر تحولات عميقة تنجز في المجتمعات وفي الدول، فهو يحتاج إلى وقت وإلى جهد، وإلى تدبير كبير.  

وتساءل بعد ذلك الأستاذ بويبري قائلاً: هل ستنتج جائحة كورونا تحولاً في السياسات أم في الخيارات أم في المسارات؟ وأشار إلى أن التغيير في السياسات والمسارات مرتبط بإرادة الدولة والمجتمع، ولكن التغيير في المسارات يتحاوز الإرادة الخاصة بكل مجتمع أو دولة أو شعب إلى توفر الشروط الموضوعية، وفي مقدمتها القدر الإلهي الذي يأذن فيه الله تعالى بحدوث هذا التحول في المسار، ثم بعد ذلك توفر شروط موضوعية زمانيا ومكانياً.  

طالع أيضا  د. إحرشان يشرح أسباب ونتائج "الاختلالات البنيوية" التي كشفتها جائحة كوفيد 19 في المغرب

واعتبر المتحدث أن الرهان على المجتمعات الإسلامية لا الغربية لأنها استحلت واقع الهيمنة وما يترتب عنه، والرهان أن يحدث تغيير في المسار، فتغيير السياسات والخيارات بيد الوكلاء، ولا تتغير إلا في إطار الهيمنة.  

أما الدكتور ربيع حمو الباحث في قضايا التربية والتعليم فقد تحدث في محور “مركزية التعليم والبحث العلمي في النهوض الحضاري” فقد أكد أنه لا حاجة للتذكير بأولوية وملحاحية ومركزية بناء الإنسان، واستثمار ما وهبه الله من طاقات وقدرات في بناء أمته وخدمة مجتمعه والارتقاء بوطنه. والتعليم والارتقاء تمثل مرتكزات استراتيجية في تقدم المجتمعات وازدهارها.   ويضيف المتحدث بقوله إنه لمّا داهمت جائحة كورونا مختلف الأوطان فأول من لجأت إليهم هم الباحثون والمتخصصون والخبراء من أجل اجتياز الأزمة الوبائية، وهنا يتجلى لنا بأنه لا سيادة وطنية دون توفر الكفاءات اللازمة من أبناء الوطن، والقادرة على تدبير شؤونه، والإجابة عن إشكالاته وتقديم الحلول لأزماتها، لأن الموارد الطبيعية يمكن أن نستوردها، لكن الإنسان المواطن الخادم لمصالح وطنه، والعامل على تنميته لا يمكن استيراده، لأنه بناء، وثمرة تربية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية.  

الأستاذ حمو أضاف موضحاً المقصود ببناء الإنسان، بأنه لا ينحصر في تأهيل الإنسان ليصير عنصراً من عناصر الإنتاج الاقتصادي، وإنما نقصد بناء الإنسان المتعبد لله تبارك وتعالى، المصلح في الأرض بحسن عمارتها، والخادم لرسالة الرحمة للإنسانية جمعاء. لذلك، يتابع المتحدث، فإن من أولويات أمتنا الإسلامية، من أجل نهوضها الحضاري ولتكون في موقع ريادي بين الأمم، تأسيس منظومات تعليمية قوية وإرساء بنيات قوية للبحث العملي، وهذا يتطلب ثلاثة أمور: أولاً مناخاً سياسياً ومعرفياً ملائماً، وسياسات عمومية راشدة ثانياً، وحكامة في تدبير هذا القطاع الاستراتيجي أخيراً.

بعد المداخلتين الرئيسيتين، عرفت الندوة فقرة تعقيبات تفضلت بها أولاً الدكتورة حسناء قطني أستاذة بجامعة عبد المالك السعدي، والتي اعتبرت أن العالم بعد كرورنا بجزئياته وكلياته لن يكون كما كان قبلها، والأكيد والثابت حسبها هو اليقين في الله تعالى وفي أن ما يحدث على عينه تخطيطاً وتدبيراً.   

طالع أيضا  الأستاذ حمداوي يجدد إدانة تدبير الدولة لملف المغاربة العالقين.. ويطالب بتحرك مجتمعي من أجلهم

ثم تلى ذلك تعقيب للأستاذ عبد الرحمن العطار، المفتش السابق ومدير مجلة النداء التربوي، الذي اعتبر أن ظروف الجائحة جعلت الإنسان أكثر تعطشاً للعيش في مجتمعات يسودها الاحترام المتبادل، وتجلى ذلك في التجاوب الكبير مع كل المبادرات التي تجول في هذا السياق. لهذا نحتاج لتربية وتعليم ترتكز على جوانب ثلاث للإنسان: جانب عقلي وجانب وجداني وجانب جسدي.

ثم تدخل الدكتور الحسن العزاوي الباحث في ديداكتيك الفيزياء، وقدم تلخيصاً عن الدعوات المعاصرة لنهضة الأمة، المختلفة والمتعددة.