بقلم: إبراهيم أخساي

إذا كانت الأسرة هي المحضن الذي يترعرع فيه الأبناء على القيم الفاضلة والأخلاق الحسنة، فإنها تواجه تحديات كبيرة تزيحها عن هدفها التربوي والأخلاقي والتعليمي الذي تسعى لتحقيقه؛ أمواج عاتية ومياه متلاطمة ورياح هوجاء تتقاذف سفينة الأسرة في كل اتجاه. فالمؤثرات الخارجية أضحت عاملا مهما يتدخل في توجيه الأبناء وبناء قناعاتهم الشخصية والسلوكية والفكرية، كالإعلام والمدرسة والرفقة والقرين. ويزداد الوضع قتامة إذا فشل الزوجان في علاقتهما أو انشغلا بهموم المعاش ومتطلبات الحياة عن مراقبة وتربية فلذات أكبادهم، فيصبح الأبناء لقمة سائغة لكل تفاهة وسفالة ورذيلة وضياع. هنا يظهر جليا واضحا قدر المسؤولية الملقاة على عاتق الوالدين، وإسهامهم في إنقاذ السفينة من الغرق. هذه همسات في أذن كل أب وأم يجذفان ضد التيار الجارف، لعلها تكون تلك الريح الطيبة والنسمة الهادئة التي تقود السفينة إلى بر الأمان وساحل النجاة.

الهمسة الأولى: الدعاء للأبناء بالخير والصلاح

ويكون بالتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والطلب، ورفع الأكف دبر كل صلاة وفي جوف الليل، وفي كل لحظة وحين، بأن يهدي الله الأبناء ويرشدهم إلى الطريق المستقيم ويشرح صدورهم إلى الإيمان والأخلاق الحسنة، ويقيهم المصائب والرذائل والانحرافات. والدعاء باب للصلاح ومفتاح لكل خير، لا يتركه المؤمن بأي حال من الأحوال. والدعاء ديدن الأنبياء والصالحين، فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يهدي ويبارك له في بنيه وذريته فقال:  رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، وقال أيضا: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ 1. ومن صفات عباد الرحمان أنهم يدعون لأزواجهم وذرياتهم بالصلاح والخير وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا 2.

وقد حرص الصحابة على طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: جاءت أمي أم أنس إلى رسول الله وقد أزرتني (ألبستني إزارا) بنصف خمارها وردتني (ألبستني رداء) بنصفه فقالت : يا رسول الله هذا أنيس ابني أتيته بك يخدمك فادع الله له، فقال: “اللهم أكثر ماله وولده” وفي رواية “و بارك له فيما أعطيته”، قال أنس: “فوالله إن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم” صحيح مسلم.

طالع أيضا  قرة العين

 وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وكان غلاما صغيرا قائلا: “اللهم فقهه في الدين” فصار ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن بفضل هذا الدعاء. وفي الصحيحين أن أسماء رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بمولود لها تقول: “حنكه بالتمرة ثم دعا له وبرك عليه”.

إذن يجب على الآباء الدعاء لأبنائهم بالخير والصلاح، وتجنب الدعاء عليهم، فرب دعوة خالصة في لحظة صدق وصفاء أثمرت هداية شخص إلى الصلاح والفلاح.

الهمسة الثانية: تربية الأبناء على الأخلاق الحسنة

هي مهمة عظيمة يشرف الآباء بتحملها، وأدائها على أحسن وجه، تربية الأبناء على الأخلاق الحسنة كالصدق والعدل والاستقامة والنزاهة والإخلاص في العمل واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية، يجعل الأسرة تنعم بالسعادة والطمأنينة والأمان. فالأبناء المتخلقون عماد الأسرة ومنار النجاح في المجتمع، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم” رواه ابن ماجة. وعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما نحل (ما أعطى) والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن”. أخرجه الترمذي.

فمن حق الأولاد إكرامهم وإحسان أدبهم ليتمكنوا من العيش بسلام في وسط هذا المجتمع المضطرب. إذ ليس الواجب على الآباء توفير الوسائل المادية فقط، من مسكن ولباس وطعام ودواء، بل يجب عليهم توفير الجو الآمن والحضن الدافئ، لينشأ الولد على القيم الحسنة وتكون نفسيته جيدة متوازنة، سالمة من أعطاب العنف والشدة والضغط والانطواء.

أما وسائل تربيتهم فمتعددة منها الكلمة الطيبة، والقصة الهادفة، والتوجيه الحسن، وضرب المثال، واختيار الصحبة والرفقة الحسنة، والقدوة الحسنة بإعطاء المثال من أفعال وأقوال الوالدين وملء أوقاتهم بما يفيدهم وينفعهم، وكذلك تجنيب الأبناء المشوشات والمؤثرات الخارجية من إعلام ساقط ورفقة سيئة.

الهمسة الثالثة: ربط جسور الحوار والتواصل مع الأبناء

بالحوار الناجح يتمكن الآباء من تربية أبنائهم، وذلك ببناء شخصية متوازنة متخلقة قادرة على اقتحام ظلمات الحياة متسلحة بقيم بانية محفزة على المشاركة والانسجام والنقد. الحوار وسيلة ناجعة لسبر أغوار عقل وقلب الابن أو البنت، لمعرفة الأعطاب النفسية والسلوكية التي بدأت تنمو مع الأبناء، قبل أن تمتد عروقها المسمومة في شخصية أبنائنا وتحتل المساحات، بعد أن تنحسر الصفات الجميلة والأخلاق والقيم السليمة، نظرا لانسحاب الآباء من معركة التربية والتوجيه. على الآباء أن يقتطعوا من وقتهم وراحتهم جزءا، ولو كان قليلا، يخصصوه لمصاحبة وملازمة أبنائهم قبل فوات الأوان والندم على التقصير في جنب فلذات أكبادهم.

طالع أيضا  من فيض الواقع عرفت ابني في زمن الوباء "قصة قصيرة" (2)

ومن شروط الحوار الناجح مع الأبناء الإقبال عليهم بالكلية مع سلامة الصدر والطوية، والإنصات الجيد لما يصدر عنهم من فكرة أو قضية وحسن المحاججة لهم بالأدلة المقنعة البهية، والتجاوز عن هفواتهم البسيطة وتقويم أخطائهم الكبيرة، وتقبل وجهات نظرهم مهما بدت بسيطة أو تافهة في أفق التصحيح والتقويم، مع تجنب السخرية والاستهزاء والتعنيف المادي والمعنوي.

الهمسة الرابعة: القرآن مدرسة، فاربط ابنك وبنتك بكلام الله تعالى

في محضن القرآن تترعرع شتلات اليوم، لتنمو وتكبر ويشتد عودها. وأحسن ما يحافظ به الآباء على فطرة أبنائهم أن يربطوا عربة حياتهم بقاطرة القرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا وعملا، ويكون ذلك بتخصيص وقت في اليوم للقراءة، وتحديد جزء للحفظ تحت إشراف وتوجيه الأبوين كلاهما أو أحدهما، وجعل ذلك سلوكا يوميا، وعادة غير قابلة للتأجيل أو التساقط أو التقادم، مع مراعاة متطلبات الدراسة وواجباتها.

الهمسة الخامسة: كن لابنك كما كان لقمان الحكيم لابنه

قبل أن يذكر القرآن الكريم نصائح لقمان لابنه، ذكر فعلين وأتبعهما بنداء، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 3؛ الفعل الأول: “قال” وهو يدل على الحوار والتواصل والمعايشة والمخالطة. أما الثاني “يعظه” فيدل على الأسلوب الحسن في التوجيه، كما جاء في التفسير الوسيط للطنطاوي: “هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.. يعظه ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة”. أما النداء “يا بني” فالتصغير هنا جاء على وجه الترقيق، فيدل على الشفقة والتحبب والحنو والحرص على منفعته.

 بعد هذه المقدمة النفسية والعاطفية المليئة بأرقى أساليب الحوار، بدأ لقمان الحكيم في نصح ابنه بنصائح تجمع بين الإيمان والتوحيد والأعمال الصالحة، ومبادئ تنظيم العلاقة مع الناس كبر الوالدين والإحسان إليهما، وإقامة الصلاة والحرص على الصبر والتأدب مع الناس في الحديث، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجنب الكبر والخيلاء. نصائح كالجواهر الثمينة منثورة على بساط المحبة والشفقة ورقة القلب.. فلنكن مع أبنائنا كما كان لقمان مع ابنه ولنبتعد عن أساليب العنف والشدة والغلظة.

طالع أيضا  قرة العين 14: الحكمة مفتاح تصحيح أخطاء الأبناء

الهمسة السادسة: العدل والتسوية بين الأبناء والبنات

تفضيل بعض الأبناء على بعض في الاهتمام والمعاملة والعطف والحنان والعطاء والهدية؛ خطأ كبير يقع فيه بعض الآباء، عن وعي أو بدون وعي، فيزرعون بذلك بذور الحقد والكراهية بين الأخ وأخيه، وبين الأخت وأخيها وبين الابن وأبيه أو أمه، فيحصدون بعد ذلك نتاج ما غرسته أيديهم عداوة وجفاء وعقوقا. عن أنس رضي الله عنه أن رجلا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبله وأقعده على فخذه، وجاءته بنية له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا سويت بينهما” أخرجه البزار.

عدم التسوية بين الابن والبنت ميلان عاطفي وظلم قد يبدو بسيطا، لكن آثاره النفسية ستصيب البنت بالدونية والمهانة والاحتقار والشعور بالنقص، وسيتحول هذا الشعور مع الزمن إلى العدوانية والكراهية والعقوق. روى ابن أبي الدنيا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف”. فليحرص الآباء في العدل بين أبنائهم في الابتسامة والمحبة والقبلة والهدية، ليجنبوهم دروب الكراهية المظلمة، ولتنعم الأسرة بالسلام والأمان والطمأنينة. 

الهمسة الختامية

بداية الهمسات دعاء، وأوسطها تربية على الأخلاق بأسلوب الحوار في مدرسة القرآن، وختامها عدل وتسوية، وغايتها النجاح في تربية جيل من الشباب المؤمنين والشابات المؤمنات، ليساهموا في بناء مجتمع العمران الأخوي، وتقر عيون آبائهم بما غرست أيديهم، فالولد الصالح من العمل الصالح الذي لا ينقطع أجره بعد موت صاحبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم.

 فنسأل الله تعالى أن يرزقنا من الذرية ما تقر به عيننا، وتسعد به قلوبنا، وتكون سببا لنا لنيل الأجر والثواب في الدنيا والآخرة. آمين .


[1] سورة إبراهيم الآيتان 37 و42.
[2] سورة الفرقان الآية 74.
[3] سورة لقمان الآية 12.