الجزء الثاني

دخل سليم مسندا ابنه على كتفه، حتى أوصله إلى غرفته، بعدما سبقته زوجته إلى تهيئ الغرفة، كان سيف منهك القوى، ويحس بألم شديد في الرأس، ناولته أمه حبة مسكن، وتركته يخلد للراحة.

جلس الزوجان في صالون البيت يحاولان تقبل الأمر، بعدما اتضح أن النقود التي اختفت كانت تصرف على المخدرات وهما معا في غفلة، هذه هي الحقيقة المرة التي لم يتمكنا من استساغتها، بدأت إيناس بتوجيه اللوم والعتاب لسليم، فهو الذي فرط وغفل بتفضيله العمل في مدينة أخرى، وتركها لوحدها تتكلف بشابين مراهقين هما في أمس الحاجة إلى والدهما، فلولا مساعدة السيدة حليمة لما تمكنت من مسايرة عملها المرهق داخل المستشفى والبيت، وما يحتاج هذا من تسوق وإحضار لمستلزمات البيت والأولاد، في غياب زوج اختار ولم يكن مضطرا للعمل في مدينة أخرى، فقط من أجل زيادة بسيطة وامتياز غير ذي بال، لم تتوقف الزوجة عن لوم زوجها وتفريغ ما يملأ قلبها من ثقل مسؤولية أرهقتها وأعيتها، والنتيجة أن يصل ابنها إلى تناول المخدرات. صبر الزوج طويلا وانفجر صارخا في وجه إيناس، متهما إياها بكونها هي السبب في عمله في مدينة أخرى، فهي من أدخلته في قرض للسكن، وفرضت تجهيز المنزل بأغلى الأثاث، هي من يتكلف بميزانية التسوق والمشتريات، وكلما اعترض، تقابله بجملتها التي عهدها: “لا أريد أن يحس ولدانا بنقص أو حرمان”، حتى في اختيارات الأولاد وفي السفر، لا تترك له فرصة ليبدي رأيه أو يدلي بسهمه، فهي تحرص على أن تسير الأمور على ذوقها ووفق نظرها، وأي اعتراض من السيد سليم يشعل فتيل الخصام، والمقاطعة عن الكلام، فمع ضغط الدّيْن وإحساسه بأن إيناس مقتنعة برأيها ولا دور له، فضل الرحيل بداعي أن العمل في المدينة الأخرى سيزيد من دخله. لم تتمالك إيناس نفسها وهي توجه له الاتهام بتفضيله التهرب من المسؤولية، بعدما عرف أنها تبذل جهدها لإسعاد أسرتها. لم يتوقف الزوجان عن تبادل الاتهامات، فكل واحد منها يلقي المسؤولية على الآخر، حتى اقتحم سيف عليهما هذه المواجه وهو يجر رجليه، معلنا سخطه وملله من هذه الشجارات التي لم تنته منذ زمن، شجارات حول المنزل والدين والمصروف، حتى كره أن يجتمعا، وكره هذا البيت الذي فقد فيه الإحساس بالأمان وأصبح يحس بثقله وعبئه المادي على والديه اللذين ضاع عندهما الحنان، وافتقد هذا البيت سكينته وفقد هو مع كل ذلك براءته، فارتمى في حضن المخدرات، بعدما لم يجد العناية والاهتمام، ثم صرخ: أما يكفيكما ما أنا فيه؟ أترغبان موتي؟ ألا تشعران بأنني أحتضر الآن؟ بل مت مذ دخلت عالم الإدمان؟ ولم يلتف إلي أي منكما؟ لأنكما تدوران في فلك طاحونة العمل والشغل التي أضاع دورانها السريع منكما طعم المودة والرحمة، وأفقدني الرغبة في الإقبال على الحياة بتفاؤل، ليتني متُّ في المستشفى واسترحت من هذا الموال!

كلمات سيف وقعت على أسماع الوالدين موقظة فيهما كل الأحاسيس، محركة كل تلك الأشياء الجميلة، التي طالما جمعت أفراد هذه الأسرة، لم ينتظر الوالدان طويلا حتى انهالا على ابنهما يعانقانه، ويطمئنانه، أن حياتهما لا معنى لها بدونه، وأن سعادتهما لا تكتمل إلا إن عادت إليه بارقة السعادة والأمل، وأنهما سيساعدانه، حتى يتخطى هذه المرحلة، ووعداه بأنهما سيحرصان على تجاوز المشاكل وستعود السعادة إلى البيت كما كانت. احتضنت إيناس ابنها طويلا ثم صاحبته إلى غرفته، وهي تعبر له عن حبها الشديد.

طالع أيضا  أهمية الأسرة في احتضان الإنسان وبناء العمران

عادت إيناس إلى غرفتها بعدما اطمأنت أن سيفا قد استغرق في النوم وأنه أكمل أخذ جرعات الدواء، وجدت زوجها يجلس على أريكة واجما وكأن هما كبيرا قد نزل على رأسه فجأة، التفت إلى إيناس، وتبادلا نظرات اختزلت كل شيء فتدفقت دموع الزوجة المكلومة، فبادرها قائلا: أنا آسف إن تخليت عن مهمتي يوما ما، كان علي أن أقاوم عنادك وأصبر على الاختلاف بيننا، وأتحمل كافة مسؤولياتي، حتى لا نصل إلى هذا الحال من الغربة عن بعضنا. اقتربت إيناس منه وجلست إلى جانبه، وهي تقول: بل أنا من تسبب فيما نحن فيه، إنه عنادي، وحرصي الشديد على القيام بكل شيء بنفسي، أتناسى أنك أيضا والدهما وتريد مصلحتهما ومصلحة البيت.

استرسل الزوجان في الاعتذار، فتغيرت لهجة الكلام من تبادل التهم إلى تحمل كل واحد منهما جزءا من المسؤولية فيما آل إليه الوضع، وقررا إعادة ترتيب الأوراق، والاهتمام أولا بمساعدة ابنهما على التعافي من الإدمان. أذن المؤذن لصلاة العشاء فتقدم سليم لإقامة الصلاة، ليفاجأ بإيناس تتأهب للصلاة وراءه، تبسم وكبر وبعد التحية والسلام، استدار بوجهه نحو زوجته التي لم تتأخر عن الجواب، فقد فهمت قصده.

– لقد تأخرت كثيرا، وبالغت في الإعراض، وأتعبتك من كثرة التسويف كلما ناديتني إلى الصلاة، كنت أتأخر، وفي الحقيقة كنت أتأخر عن تلبية نداء ربي، حتى أخذتني الحياة وغمرتني في مشاغلها، فغفلت عن الأولويات، فأصبحت حياتي وحياة ابني وأسرتي في خطر، لما غفلت عن آخرتي، لا تدهش فقد وعدت ابني أن أتغير لأجله، بل لأجل خالقي، عسى أن تعود لابني بسمته ولبيتي بهجته.

انتهى الكلام، ومرت ثلاثة أيام والزوجان يراقبان ابنهما، الذي ينفلت مرة تلو مرة ليخرج فارا من البيت بحثا عن مخدر يهدئ الألم الذي يكسر رأسه، وفي كل مرة يفتش الأب عنه ويعيده، تارة باللين وأخرى بالقوة، وإيناس يتمزق فؤادها وهي ترى ابنها تارة في حالة بكاء المتوسل والمتضرع لتسعفه بمهدئ، وتارة يهيج فيكسر الأثاث ويدمر. كانت تستشير طبيبا متخصصا في علاج الإدمان، فينصحها بما يجب أن تفعله هي وزوجها، مع الاستعانة ببعض المهدئات التي تجعل ابنهما جثة هامدة. لكن سليم سيجد نفسه بعد مضي هذه الأيام الثلاثة وحده مع ابنه المريض، بعدما غادرت إيناس البيت نحو المستشفى من غير معرفة بالمدة التي ستقضيها في مكافحة وباء كورونا، استجابت إيناس وهي الممرضة في قسم الإنعاش للواجب، وتركت قلبها هناك حيث ابنها يكابد مضاعفات الإدمان.

 مر الأسبوع الأول من الحجر الصحي، وتزايد عدد المصابين بوباء كوفيد 19، كانت إيناس على اتصال مباشر بالمصابين، لا تقو في كثير من الأحيان على النوم من شدة الإرهاق والتعب، حتى أشفق عليها زملاؤها، لكن الوقت جدّ والمرحلة عصيبة والكل عليه أن يجند للحد من الوباء، بدأت تحس بأن عملها العادي داخل المستشفى لا يساوي تعبه شيئا ولا يضاهي لحظة من احتمال عبء البذلة الخاصة بوقاية الأطباء والممرضين، حرارة مفرطة ووقوف مستمر حتى يغدو الإحساس بالقدمين منعدما، لكنها مع كل هذا كانت تختطف لحظة اتصال بالصوت والصورة مع زوجها وابنها، تطمئن على أحوالهما، وتقدم لهما التوجيهات والنصائح التي يدلي بها الأطباء لمثل حالة ابنها، دون أن تنسى الاطمئنان على ابنها سعد.

طالع أيضا  من وصية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.. “برُّ آلْوَالِدَيْنِ”

ها هو سليم نفسه وحده أمام امتحان صعب، عليه أن يخرج منه منتصرا، وحمد الله على أن الحجر الصحي جعله يقترب من ابنه، ويغير من عاداته في الحياة. كان التحدي الأكبر أن يتخلص جسم ابنه من هذا السم، وهذا يحتاج إلى إرادة من سيف وصبر، ودعم ومساندة وجلد منه ليعطي القوة لابنه. أصبح لسليم وابنه وقت للرياضة، ولمشاهدة بعض الأفلام الوثائقية، وآخر لمتابعة الدروس عن بعد، ووقتا للصلاة. هو نظام حياة تكفل الحجر الصحي بترتيبه واستحكم مع دخول شهر رمضان الكريم، وإن كان في كثير من الأحيان يستسلم سيف ويحن للمخدر خاصة مع اشتداد الألم، فتكون هذه اللحظات هي الأصعب عليهما معا، فهل يفيض سليم بالحنان أم يشدد ويتجلد ويقاوم ضعفه، فالصبر هو الحل، والبكاء على الله والتوسل والتضرع والاستغفار واستمطار الرحمات من الرحمن، هي لحظات كان يشكو فيها ضعفه ويفرغ همه ويضع جهده بين يدي المنان متوكلا عليه فهو الذي أمره بين الكاف والنون، وقلبه وقلب ابنه بين أصابعه يقلبهما كيف يشاء، لحظات راحة وسكينة تحمله على متابعة المسير مسلِّما أمره لخالقه.

مع مرور الوقت، وتوالي أوقات الشدة والفرج، وأثناء اتصال من إيناس في منتصف رمضان، أخبرته بأنها أصيبت بالوباء، وأنها ستتابع العلاج وقد يتعذر عليها الاتصال بهما ككل مرة، وفي انتظار أن تتعافى تطلب منه الاستمرار فبعد العسر يسرا، وتحمِّله أمانة سيف.

لم يتحمل سليم ما سمعه، لكنه استغفر ربه، وأدرك أن زوجته في واجهة المعركة مع الوباء، وهي معرضة للإصابة في أي وقت وهذا شيء طبيعي، فالأجدر به، هو أيضا أن يحرس تغره الذي قدر له أن يقف عليه في زمن الوباء، فلن يكون أقل وفاء وصبرا من زوجته، فسيواصل الوقوف إلى جانب ابنه. عرف سيف أيضا أن أمه قد أصيبت، وأنه لن يراها إلا بعد أن تشفى نهائيا، وعرف أنها أوصت بمواصلته المقاومة، وهذا ما سيفرحها ويخفف عنها.

كان لا بد أن تدخل إيناس لقسم الإنعاش بعدما تطورت حالتها، كانت على وعي بالمراحل التي يمر بها الوباء وأن المعول في الشفاء على المناعة التي يكون للإرادة دور في تقويتها.

وهكذا أمضت إيناس يوما صعبا أحست فيه بما كان يحس به المصابون، ألم حاد في الحنجرة والصدر وأخذ كمية من الدواء طوال النهار وعلى مدار الساعة، لكنها في الليل فقدت الوعي وأصيب كل زملائها بالذعر والخوف، فحالتها ساءت.

طالع أيضا  "قرة العين".. مواطنون مغاربة يُطلقون حملة إلكترونية أسرية لتمتين الروابط بين الآباء والأبناء

كانت إيناس في عالم آخر، رحل بها إلى حيث اللاعودة، كانت في غيبوبتها تهذي، وتصارع من أجل الحياة بل من أجل استدراك ما فات، مر أمام مخيلتها ما فرطت في جنب الله، وما أضاعت من فرص للوقوف بين يديه، كيف قلبت الأولويات وتلهت بفتن الدنيا وشغلها عن أداء الواجبات، كيف بدأت تغفل عن واجبها كأم وزوجة، كم مر من الوقت لم تجالس ابنها ولم تضمه إلى حضنها حتى انتبهت فإذا هو قد كبر، كيف قلدت النساء من صويحباتها وبالغت في الشراء والبناء والأثاث، وجادت بالعطايا على الجدران، في وقت احتاج البيت إلى دفء وحنان، صراع دام لسويعات بين إيناس ونفسها، تحاسبها وتلومها، حتى استفاقت على صوت الآذان، ينبه المؤمنين للقيام لصلاة الفجر، تنفست إيناس من الأعماق، وقررت الثبات على الأركان وتحصين بيتها بإحاطته بالعناية والعطف وما يلزم من الحنان، والسعي إلى إرضاء خالقها المنان. تنبهت من غيبوبتها وهي: تحاول تحريك شفتيها تحت الكمامة المتصلة بخرطوم الأوكسجين: الحمد لله، الحمد لله. وإذا بزميلتها الممرضة سعاد تهب واقفة: حمدا لله، لقد استفقت من الغيبوبة، إذن تخطيت مرحلة الخطر وستخرجين من الإنعاش، هذا من فضل الله، حمدا لله على سلامتك. ظلت إيناس تحت العناية الطبية مدة خمسة عشر يوما، كانت تتصل بين اليوم والآخر بأسرتها تطمئنهم على حالتها وتطمئن عليهما. حتى وصل اليوم الذي تقرر أن تغادر المستشفى فقد تماثلت للشفاء فلا معنى لبقائها فيه، فهي في حاجة إلى الراحة من عناء العمل ومخلفات المرض. وصلت سيارة الإسعاف التي أقلًّتها إلى باب بيتها، لم يتمالك ابنها نفسه فاحتضنها رغم أنها حاولت منعه بكل قوتها احتياطا من الوباء، وتكلف سليم بإدخال أغراضها، دخلت إلى منزلها الذي طال اشتياقها إليه، لكن هذه المرة تغيرت نظرتها إلى الحياة، وعرفت أن إرضاء ربها وسلامة أسرتها وسعادة ابنيها، هما الأولى، وأن الحب والمودة أهم عطاء يمكن أن تبذله لا المال ولا الجدران المادية، وأن حرصها الأناني في تسيير البيت لم يمنع ابنها من أن يقع في مشكل الإدمان. كان قد مر على عيد الفطر أقل من أسبوع، لكن هذا اليوم بالنسبة لسليم وسيف أحسا فيه بطعم العيد حقيقة، حمل سليم صينية الشاي وسيف صحن الحلوى وكلاهما مفعم سعادة وبهجة، جلس سيف متوسطا أمه وأباه، والفرحة تلمع من عينيه، احتضن الوالدان ابنهما، وعرفا قيمة هذه اللحظة حيث يشعر فيها الكل بالحب والسعادة بعدما اجتمع الشمل من جديد. حضر سليم لزوجته مفاجأة هي عبارة عن شريط سجله سليم بهاتفه للحظات مميزة ومضحكة أثناء مزاولتهما للرياضة أو فشلهما في تهيئ وجبة معينة، ومنظرهما وهما يقومان بتنظيف البيت. فهمت إيناس من الشريط أن سيفا بدأ يتحسن وأن زوجها لم يفرط في مسؤوليته وأن هذه السعادة التي يشعر بها ابنها دليل على أنه نجح في المقاومة.