بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين

سلسلة

من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا

بين يدي الحلقات التعريفية بسيدي إبراهيم عدي حميد في ذكرى وفاته الثلاثين

أنتم شهداء الله في الأرض

ربما يذكر الذاكرون من بين القراء الأعزاء أنه سبق لي أن خصصت عَلَمين من أبناء الجيل المؤسس لجماعة العدل والإحسان، بعد رحيلهما عنا، بسلسلة مقالات تندرج تحت قوله تعالى: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا 1.

وفي مقدمة كل سلسلة من السلسلتين ذكرت كيفية سردي لسيرتي هذين العلمين: الحاج إبراهيم الشرقاوي (توفي رحمه الله صباح يوم الجمعة 27 دجنبر 2013) 2وسيدي عمر عزيز (توفي رحمه الله صبيحة الثلاثاء 08 شتنبر 2015) 3.

وأنا في هذه السلسلة المخصصة لسيدي إبراهيم عدي حميد الملقب ببلال، وقد توفي قبلهم بعقدين أو أكثر، سأسلك نفس الأسلوب، أي الأسلوب السردي المصحوب ببعض التحسينات التشويقية، لكن هذه المرة، إن لم أكن أنا مصدر الخبر وحاكي الواقعة، فقد استعنتُ بصفتي السارد بشهود كانوا أكثر معرفة مني بالفقيد وأكثر قربا منه وأشد التصاقا به. سجلت شهاداتهم وهم يتحدثون بكل عفوية بلسان دارج، فحولت المسموع منهم المنطوق إلى مكتوب.

في هذه الحلقة أبدأ بالتعريف بالشهود، ربما لكثرة ما عاشت الجماعة وقاست من محاكمات، تأثرنا بمنطق الجلسات بردهات المحاكم، والتي يعرّف الشاهد بنفسه ويقسم على صدق قوله قبل أن يبدأ في سرد الوقائع التي شهدها.

والشهادة حضور ومعاينة وسماع وفهم وإدراك، ثم تأدية بدقة وأمانة.

ولن أحتاج إلى أن استحلفهم، فالرائد -وهم جميعهم عندنا رواد- لا يكذب أهله، حفظهم الله جميعا وتقبل شهادتهم في الفقيد ونفعه بها، فالميت ينتفع بشهادة الناس فيه، “فأنتم: شهداء الله في الأرض”، كما ورد في الحديث الصحيح، وكرر صلى الله عليه وسلم العبارة ثلاثا 4

طالع أيضا  يا دوحة الكرم

الشاهد الأول: الأستاذ حسن بوغا، سنستمع لشهادته كاملة ضمن حلقات قابلة من السلسلة، ومما يقول فيها عن علاقته بالفقيد إبراهيم بلال: “كانت لي علاقة خاصة بالفقيد. وكنت آنذاك -في بداية الثمانينيات- ما أزال تلميذا أدرس في السلك الثاني من الثانوي، وعندما أعود إلى البيت من الثانوية، أجده قد سبقني إليه، فألقاه إما متحدثا مع الوالدة أو آخذا بكتاب الله يتلوه أو ماسكا بالسبحة ذاكرا لله أو مصليا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هذا شأنه مع أهالي جميع الإخوة الشباب، ما أن يطرق أبواب بيوتهم إلا ويستقبل بالترحاب ويدعى إلى الدخول في انتظار قدوم أبنائهم ولا يُتْرَكُ ينتظر بالباب. كان رحمه الله محبوبا عند الأمهات والآباء والإخوة. بل أكثر من ذلك عُرِفَ حتى عند الجيران الذين يقطنون بجانبنا. ولقد تلقيت العزاء في موته من طرف الجيران، سكن حبُّه قلوبهم كذلك، وهذه خصلة وأنعم بها من خصلة….”.

الشاهد الثاني: الأستاذ أحمد أبو الصواب، وسنعرض شهادته كاملة كذلك مقسمة على حلقات هذه السلسلة، ولا بأس أن نستمع هنا إلى مقطع يحدثنا فيه عن لقائه بالسي بلال رحمه الله ومتى كان ذلك. يقول حفظه الله: “معرفتي به كانت بداية الثمانينيات. التقينا في الجلسات الإيمانية فأنست به وبدأت الصحبة فيما بيننا.

 الأمور التي كنت أَغْرِفُ منها وأنا أعاشره، تواضعه ودوام الابتسامة على ثغره، رغم المشاكل ورغم قلة ذات اليد، فلم أكن أعرف مهنته في ذلك الوقت، ولبثت مدة قبل أن أعلم أنه كان معلما في المعهد الديني يدرس به اللغة الفرنسية. كانت أجرته زهيدة، ومع ذلك فقد كان، والحمد لله، قنوعا، متعففا. يرحمه الله تعالى”.

الشاهد الثالث: رفيق السي بلال وثاني اثنين قبل أن يفرق بينهما الموت، فلا يذكر آنذاك بلال إلا وذكر عبد الجبار ولا ذُكِرَ عبد الجبار إلا وذكر بلال. إنه عبد الجبار عبد الهادي. وسيكون لنا مع شهادته المطولة أكثر من وقفة على امتداد الحلقات، فهو -مع زوج بلال السيدة للا زهرة- ألصق الناس به وأعرف، وكم تقاسما من مواقف وعايشا من أحداث. لنستمع إلى المقطع الذي بدأ به شهادته المطولة: “الأحبة الكرام، إن الله تعالى يسأل عن صحبة ساعة، فكيف بمن صاحبناه سنوات، جاهد خلالها وشمر وتعب في سبيل هذه الدعوة المباركة وساهم في بناء الجماعة وخدمتها منذ نشأتها إلى أن توفاه الله عز وجل.

طالع أيضا  في الذكرى السابعة لـ"20 فبراير".. بناجح والجوري يستعرضان مكاسب الحركة ويستشرفان مستقبل الاحتجاجات

هذا الرجل أحبتي هو أخونا عدي إبراهيم والمسمى ببلال رحمة الله عليه، وهذا الاسم كان لقبه الذي نطلقه عليه وكما سيرد تفصيله فيما بعد.

صحبته منذ 1978 إلى أن توفاه الله في مستهل سنة 1990 ما يقرب من 13 سنة، ما افترقنا إلى أن فرق بيننا الموت، كان إذا غاب أُسأل عنه: أين بلال؟ وإذا غبت يُسأَل أين عبد الجبار؟ كان لي كالظل وكنت له كالظل لم نفترق إلا لما اختاره الله لجواره، رحمة الله عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين”.

الشاهد الرابع: الأستاذ حسن إزرال، يقول عنه في ختام شهادته: “كان الرجل سريع الدمعة، بكّاء قوّاما. وحينما تسأله بعد زيارته سيدي عبد السلام: “حدثنا كيف كانت الزيارة؟” تصيبه البهتة، لا يجيبك إلا بدمعات تنسكب من مقلتيه، يعجز لسانه، ذلك العضو الضعيف، عن إجابتك فيجيبك بقوةٍ، حالُهُ، من تجلياته دموعُ العين ترمُقُها عينُكَ وقوة حال ترفع حالَكَ إلى عَنان السماء”

الشاهد الخامس: ابنه عبد الحميد، وقد تركه يافعا في بداية مراهقته: “عندما مات الوالد عرفت أنه كان له شأن كبير. كان رجلا له مكانة في المجتمع وكان يقوم بأشياء كثيرة صالحة للناس لم أكن أعرفها لأنني كنت صغيرا. لكن لما توفي ورأيت أعداد الناس الذين حضروا والناس الذين أتوا مشيعين جنازته أو معزين، وكثرة الذين يسألون عنه، عندها عرفت مكانة الوالد. سبحان الله العظيم! كان له شأن عظيم في ربوع المغرب كاملا. فقد أتوا للتعزية فيه من مختلف مناطق المغرب”.    

الشاهدة السادسة: أما زوجه الصالحة الصابرة التقية النقية للا زهرة فأنتقي من شهادتها الطويلة العميقة على الفقيد رحمه الله هذا المقطع: “لما كان اليوم الذي توفي فيه زوجي بلال رحمه الله، بكاه أطفال الحي الصغار وأولاد الدرب…

طالع أيضا  التربية هي أساس مشروع العدل والإحسان.. شريط تعريفي بالجماعة (فيديو)

“تصوروا كانوا مثل سائر الأطفال المفتونين، “كيعايرو” (يسبون) الدين، ولا تظهر عليهم آثار الالتزام بأخلاق التدين. لكنه رحمه الله كان يمر عليهم وهم متحلقون يلعبون أو يتحدثون، فيجلس إليهم يشاركهم الحديث وينصحهم ويوجههم. سبحان الله مقلب الأحوال! أكثرهم التزموا وبدت عليهم أخلاق التدين في هذا الحي. كما كان رحمه الله إذا خرجنا من البيت من أجل التبضع أو لغرض ما، وصادف في طريق العودة مجموعة من الرجال المتقاعدين متحلقين يلعبون لعبة “الضامة” أو لعبة الأوراق (الكارطا) يستأذنني في لحاقه بهم ويجلس وسطهم….”.

الشاهد السابع: كان المقرر ابتداء أن يدلي الشاهد السابع بشهادته منفصلة تخصص لها حلقة أو أكثر، فمعرفته بالرجل كذلك وثيقة، لكن وهو يدون الشهادات ويترجمها من المسموع إلى المكتوب ومن العامي إلى الفصيح، لم يشعر إلا وهو يزكي ما يسمع ويضيف إليه ما حضره ورآه هنا، ويقوم ما علمه أو بلغ سمعه من الرواة الثقات هناك، فذابت شهادته وانصهرت فيما كتب، ولم يفضل له منها ما يغذي به حلقة كاملة كان يعتزم تخصيصها لشهادته، فعدل عن سرد الشهادة إلى كتابة الخاتمة؛ إنه كاتب هذه السلسلة العبد المذنب الراجي عفو مولاه والسائل إياه أن يتجاوز عما كان منه من تقصير في حق الرجال الأفذاذ الذين كتب نبذا عن سيرهم وهم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقضوا نحبهم وما بدلوا تبديلا.

انتظروا الحلقة الأولى قريبا إن شاء الله


[1] سورة الأحزاب، الآية: 23.
[2] نشرت السلسلة تباعا على موقع الجماعة. نت ابتداء من 20 يناير 2014.
[3] نشرت السلسلة تباعا على موقع الجماعة. نت ابتداء من يوم 19 أكتوبر 2015.
[4] صحيح مسلم، كتاب الجنائز، بَابُ فِيمَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتَى، رقم 949.