مقدمة

هناك الإنسان الفرد، وهناك الأسرة من مجموعة أفراد، وهناك المجتمع من مجموعة أسر، وأخيرا هناك أمة من مجموعة مجتمعات. فهي سلسلة من حلقات مرتبة بعضها يرتبط ببعض ارتباط الجزء بالكل، والخلية بالجسم. سوف لا نتحدث عن الإنسان الفرد، بل سنتحدث عن المحضن الذي يأويه، والعش الذي يكبر فيه. وسوف لا نتحدث عن المجتمع بل سنتحدث عن اللبنة التي تبني صرحه وتُقوي أركانه. سنتحدث عن الأسرة وأهميتها في احتضان هذا الإنسان وفي بناء مجتمع العمران الأخوي.

مراحل التطور

إذا رجعنا إلى تاريخ البشرية البعيد سنجد الأسرة في بدايتها مرت بمراحل ثلاث قبل أن تستقر في شكلها الحالي المعاصر.

المرحلة الأولى: فلأن الحياة الاجتماعية آنذاك كانت غير منظمة وشبيهة بحياة الحيوان الجماعية، حيث الأب مهمته المساهمة في الإنجاب فقط، أما الأم فهي التي تتحمل مسؤولية أولادها في كل شيء. كانت الأسرة عبارة عن أسرة الأمومة نسبة إلى الأم.

المرحلة الثانية: انتقلت من أسرة الأمومة إلى أسرة الأبوة. لأن الحياة الاجتماعية مع انطلاق الوعي بدأت تنتظم شيئا فشيئا وتتحدد حدودها أكثر. فأصبح الأب يحس بملكية الأسرة وبأنه مسؤول عن حياة أولاده.

المرحلة الثالثة: تزامنت مع مجيء الإسلام فانتقلت الأسرة بفضل تعاليمه السمحة من أسرة الأمومة والأبوة إلى أسرة الوالدين معا. لأن الحياة الاجتماعية صارت بفضل الإسلام منظمة أكثر، ومحددة أكثر عن طريق القوانين الشرعية. فالأب والأم أصبحا يتحملان معا المسؤولية كل حسب اختصاصاته. وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا 1.

الأسس المتينة

وحتى تكون هذه الأسرة أكثر قوة وتماسكا بين أفرادها، جعل الإسلام هذه المسؤولية التي يتحملها الوالدان عبارة عن علاقة تكامل بينهما تقوم على أساس المودة والرحمة. يقول الله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 2.

المودة هي بداية التقارب النفسي بين الرجل والمرأة، فإذا تعمقت هذه المودة وتطورت صارت محبة قلبية بينهما.

طالع أيضا  من وصية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.. “برُّ آلْوَالِدَيْنِ”

الرحمة هي الحصن الذي يحمي هذه المودة حتى تصير محبة، وذلك بالصبر على بعضهم البعض من منطلق التقدير والتعظيم والاحترام الواجب بينهما.

الأدوار التكاملية

على ضوء تلك العلاقة حدد الإسلام دور ووظيفة كل واحد منهما. فأعطى للرجل دور القوامة، وأعطى للمرأة دور الحافظية. يقول الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا 3.

القوامة بالنسبة للرجل تعني أن يحمي أهل بيته مما قد يتعرضون له من مخاطر تهددهم في الحياة من جهة الأمام. مخاطر مثل الجوع، العري، الخوف، البرد، الجهل، والمرض. بمعنى آخر القوامة هي قيام الرجل بواجب الإنفاق على أسرته ورعايتهم. وتعتبر القِوامة أخت الحافظية، وهي أمانة ومسؤولية، وهي الدرجة التي جعلها الله للرجل حتى يقود السفينة بحنكة ودراية ومداراة.

الحافظية بالنسبة للمرأة تعني أن تحمي زوجها في غيابه من جهة الوراء أي من جهة ظهره حتى لا يُطعن في شرفه وكرامته أو تنتهك أسرار بيته. بمعنى آخر الحافظية هي حفظ المرأة لغيب الرجل بحفظ أسراره. انطلاقا من واجب الحافظية تتحمل المرأة مسؤولية الحفاظ على شمل الأسرة من الانتثار والانكسار.

بهذه الأسس القوية المتمثلة في المودة والرحمة، وهذه الأدوار المتكاملة المتمثلة في القِوامة والحافظية، أوجد لنا الإسلام الأسرة الصالحة والمصلحة. أب صالح وأم صالحة وأبناء وبنات صالحون. يقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 4.

ولا بد حتى تصلح الذرية من أن يسبقه صلاح الأب والأم، إذ لا يمكن التفكير أو العمل على إصلاح الفروع بينما الأصول فاسدة. يقول الله تعالى: وكان أبوهما صالحا 5. ويقول كذلك سبحانه: وأصلحنا له زوجه 6.

الاستقرار الأسري

طالع أيضا  الأسرة ومعالم الشخصية المنسجمة

 وبهذه الأسرة الصالحة يمكن أن يتحقق لنا الاستقرار الأسري. وهذا الاستقرار لا يعني الجمود الأسري، بل يعني التطور على مستوى العلاقة التكاملية في الوعي والتواصل والتقارب والوسائل والأساليب، ما يرفع الأسرة من واقع تقليدي إلى واقع نموذجي. كما لا يعني الاستبداد الذكوري بأن يصبح الرجل هو الآمر والناهي والباقي منفذون فقط. بل يعني التعاون والتراحم والتحاب والحوار والتفاهم والتطاوع داخل الأسرة. فكل المعاني التي تزيد من تماسك الأسرة وقوتها تدخل في إطار قاموس الاستقرار الأسري.

وعندما يحصل الاستقرار يمكن للأسرة أن تحتضن هذا الإنسان الفرد، وتعمل على حفظ فطرته وتسهر على تربية شخصيته، حتى يصبح رجلا مؤمنا وامرأة مؤمنة. وبهذا الاستقرار أيضا يمكن للأسرة أن تبني عمرانا أخويا وتصنع مجتمعا سويا متماسكا بأفراده، وقويا بأُسَره الذي سيتطلع إلى بناء الأمة بتوحيد مجتمعاتها.

خاتمة

أهمية الأسرة تظهر حين ندرك أنها اللبنة في بناء صرح المجتمع. وأنها واسطة العقد التي تزين سلسلة الحياة الاجتماعية، وحلقة الوصل التي تربط بين الانسان والمجتمع. فإذا فُقدت تلك الحلقة الرابطة والواصلة بينهما بقي الإنسان وحيدا تائها في دروبه وغارقا في أنانيته، وبقي المجتمع شكلا بلا روح، لأن عناصره لا تربطها أي روابط تمسكها أو تجمعها. بينما حينما تحضر هذه الحلقة المهمة، التي هي الأسرة تجعل الفرد في خدمة المجتمع وتجعل المجتمع في خدمة الفرد، أي تجعل بينهما علاقة تبادلية بدل أن تكون منفصلة أو أحادية من جانب واحد.

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما 7.

آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] الإسراء:23.
[2] الروم:21.
[3] النساء:34.
[4] النحل:97.
[5] الكهف:82.
[6] الأنبياء:90.
[7] الفرقان:74.