بعد الإعلان الرسمي من قبل السلطات المغربية عن تسجيل الحالات الأولى للإصابة بفيروس “كوفيد 19 المستجد”، سارعت الأجهزة الحكومية إلى اتخاذ مجموعة من القرارات السيادية والإدارية بدعوى تفادي انتشار الوباء والتخفيف من تداعياته، وفي هذا الصدد أصدرت وزارة الداخلية بتاريخ 19 مارس 2020 بلاغا رسميا تعلن فيه حالة الطوارئ الصحية وتقييد الحركة في البلاد ابتداء من 20 مارس 2020 إلى أجل غير “مسمى”، مما جعل هذا القرار مخالفا للمشروعية الدستورية على اعتبار أنه لا يرتكز إلى أساس دستوري أو قانوني، بحيث إذا تفحصنا الدستور المغربي لسنة 2011 نجده لا ينظم مسألة الإعلان عن “حالة الطوارئ” ولم يتطرق كذلك إلى “حالة الطوارئ الصحية” بل أشار فقط إلى حالة “الحصار” من خلال الفصل 74 وحالة “الاستثناء” من خلال الفصل 59، وأنه اشترط لإعمال هاتين الآليتين الدستوريتين سلوك مجموعة من الإجراءات المسطرية واحترام العديد من الشروط الشكلية.

أيضا سُجّل على البلاغ المذكور لوزارة الداخلية مناقضته للشرعية الدولية في مجال الحقوق والحريات والذي يشترط لفرض حالة الطوارئ أن يكون هذا الإجراء مرتبط بالخطورة التي تهدد نظام الحكم واستقرار البلاد والسير العادي للمؤسسات الدستورية.  وأن يكون استثنائيا ومسقوفا بوقت محدد وهذا ما لم يحترمه البلاغ، بل جاء بصيغة الإطلاق “تقييد الحركة في البلاد ابتداء من 20 مارس 2020 إلى أجل غير مسمى”.

محولات لتدارك الفراغ التشريعي:

وأمام هذا الفراغ التشريعي ورغبة في تدارك التجاوز الذي ارتكبته وزارة الداخلية، لجأت الحكومة إلى إعمال مقتضيات الفصلين 21 و24 والفقرة الرابعة من الفصل 81 من الدستور التي تخولها إمكانية أن تصدر خلال المدة الفاصلة بين الدورات وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين، مراسيم قوانين تعرض على البرلمان في أول دورة منعقدة له قصد المصادقة عليه، وهذا ما تم بالفعل بتاريخ 23 مارس 2020 حيث صدر مرسوم بقانون رقم 2.20.292 الذي يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، والذي حدّد في مادته الأولى والثانية الأسباب الداعية لإعلانها  والنطاق الترابي لتطبيقها ومدة سريان مفعولها والإجراءات الواجب اتخاذها وحدد في مادته الرابعة المخالفات والأفعال المجرمة بمقتضى هذا القانون والعقوبات الزجرية الرادعة لها، في حين أجابت المادة السادسة على إيقاف سريان مفعول جميع الآجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة الطوارئ الصحية المعلن عنها وتاريخ استئناف احتسابها.

طالع أيضا  إرباك الأسر بين "التعليم عن بعد" و"التعليم الحضوري".. الوزارة وقرارات "آخر الليل" (تقرير)

وإعمالا للمادة السابعة من ذات المرسوم بالقانون تم نشر هذا الأخير بالجريدة الرسمية بتاريخ 24 مارس 2020 متبوعا بالمرسوم رقم 2.20.293 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطني والمنشور بالجريدة الرسمية بنفس اليوم.

الجدل القانوني حول تاريخ سريان حالة الطوارئ الصحية:

غير أن ما يعاب على هذا المرسوم أنه حدد تاريخ انتهاء حالة الطوارئ الصحية ولم يحدد تاريخ بدايته حسب ما جاء في مادته الأولى “يعلن عن حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني إلى غاية يوم 20 أبريل 2020 في الساعة السادسة مساء”، وأنه بسبب هذا الارتباك التشريعي طرح جدل قانوني حول تاريخ انطلاق سريان حالة الطوارئ وارتباطه بمسألة تعليق الآجال التشريعية والتنظيمية، هل من تاريخ بلاغ وزارة الداخلية بإعلان حالة الطوارئ الصحية الصادر بدون سند دستوري والذي حدد تاريخ انطلاقه ابتداء من 20 مارس 2020؟ أم من تاريخ نشر مرسوم بالقانون رقم 2.20.292 بالجريدة الرسمية والذي تم بتاريخ 24 مارس 2020؟

وأنه مما زاد الطين بلة والوضع أكثر ارتباكا هو التباين الذي جاء في مواقف بعض المتدخلين في المنظومة القضائية والإدارية بخصوص تحديد يوم سريان حالة الطوارئ، بحيث أصدرت النيابة العامة في شخص رئيسها دورية تحت رقم 13 بتاريخ 24 مارس 2020 توضح فيها أن توقيف الآجال التشريعية والتنظيمية سارية المفعول ابتداء من فترة حالة الطوارئ الصحية التي تمتد من 20 مارس 2020، في حين اعتبرت تاريخ نشر المرسوم بقانون 2.20.292 بالجريدة الرسمية يوم 24 مارس 2020 هو التاريخ المعتمد لسريان التدابير الزجرية التي جاء بها مرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.

تم ما جدوائية تقسيم البلاد إلى منطقتين مع تخفيف الحجر عن المنطقة رقم 1 دون المنطقة رقم 2، دون الأخذ بعين الاعتبار أن المادة السادسة من مرسوم بقانون رقم 2.20.292 نصت على إيقاف سريان مفعول جميع الآجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة الطوارئ الصحية المعلن عنها؟

وفي نفس السياق أصدر المحافظ العام على الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية مذكرة تحت رقم 06/2020 بتاريخ 25 مارس 2020 يعتبر فيها أن توقيف الآجال التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها تبتدئ من تاريخ 20 مارس 2020 مؤسسا موقفه بكون المادة الأولى من المرسوم المذكور لا تتضمن تاريخ بداية تطبيق حالة الطوارئ الصحية.

طالع أيضا  مواصلة إغلاق معظم المساجد وتعطيل الجمعة.. مساءلة خيار الدولة المغربية

وارتباطا بذات النقاش يعتبر أصحاب البذلة السوداء أن تاريخ بداية حالة الطوارئ الصحية هو اليوم الموالي لتاريخ نشر المرسوم (25 مارس 2020) بالجريدة الرسمية على اعتبار أنه من شروط إنفاذ القوانين نشرها بالجريدة الرسمية حتى يتسنى للملزم بها العلم المفترض بمضامينها وآثارها.

وأمام هذا الارتباك في التشريع وعدم الدقة في البيانات والتباين في المواقف والتأويلات والقراءات القانونية، يبقى على عاتق القضاء دور الحسم في الاختلاف ورسم توجه قضائي في الموضوع، لكن للأسف سوف يخلّف آثارا وتداعيات سلبية على العديد من المواطنين بسبب هذا الارتباك غير المقبول على الإطلاق.

قرارات تنظيمية خارج الشرعية القانونية:

ومن الملاحظات أيضا التي سجلت على بعض القرارات التي استفردت بها بعض السلطات الحكومية، نسلط الضوء على قرار تعليق العمل بمحاكم المملكة الصادر بتاريخ 16 مارس 2020 من قبل وزارة العدل بتنسيق مع السلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، بحيث نسائل مصدريه ما هو الأساس القانوني والدستوري الذي اعتمدوه لتعطيل العمل بالمحاكم مفوتين بذلك على المواطنين الحق في قضاء مصالحهم والفصل في نزاعاتهم، بل حرموا عشرات الآلاف من المشتغلين بمهنة المحاماة وباقي المهن الحرة المرتبطة بمنظومة العدالة  من مزاولة عملهم الذي يعتبر مصدر عيشهم الوحيد لمدة شارفت ثلاثة أشهر دون تدخل من قبل الدولة لمعالجة التداعيات، علما أن مرسوم بقانون سن حالة الطوارئ الصحية لم يصدر ويدخل حيز التنفيذ إلا بعد نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 24 مارس 2020 مما يكون معه قرار تعليق العمل بالمحاكم قرار تعسفي ولا يستند إلى الشرعية الدستورية والمشروعية القانونية.

وغير بعيد عن منظومة العدالة، نطرح نفس السؤال السابق “سؤال الشرعية القانونية” على قرار المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة إلادماج القاضي بالمنع المؤقت لإخراج المعتقلين إلى المحاكم لمثولهم أمام القضاء وإلى المستشفيات للعلاج حسب ما جاء في بلاغها الصادر بتاريخ 25 أبريل 2020، علما أن هذا القرار لا يدخل ضمن اختصاصها بل من اختصاص السلطة القضائية التي يفترض أن تكون طرفا أصيلا في القرار؟ تم على أي أساس قانوني يعرض المعتقل على القضاء عن بعد لمحاكمته دون مثوله حرا طليقا بدون أغلال ولا أصفاد تحقيقا لتوافر ضمانات المحاكمة العادلة التي من شروطها الحضورية والتواجهية؟

طالع أيضا  هل كورونا حصار أم رباط؟.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (2) (فيديو)

لماذا أطلقت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج يدها الطولى دون رقيب وحسيب وأصدرت دورية أخرى تفرض فيها إخضاع المحامين لعملية التفتيش أثناء تخابرهم مع موكليهم بسجون المملكة لتتراجع عنها بعد احتجاج الجسم المهني لأصحاب البذلة السوداء ووقوفهم صفا واحدا ضد تغول الإدارة وتغريدها خارج القانون الذي ينبغي أن يفرض رقابته على جميع مؤسسات الدولة دون استثناء.

من الارتباك التشريعي إلى محاولة التمرير التشريعي:

يبقى العنوان الأكثر وضوحا لمسألة الارتباك التشريعي الذي عرفته المملكة، تسريب الحكومة روايتين لمدة التمديد الثالثة لحالة الطوارئ الصحية من (10  يونيو 2020 إلى 10 غشت 2020) لتتدارك بعد ساعات من نفس اليوم وتعلن مدة التمديد في شهر واحد وذلك من (10 يونيو 2020 إلى 10 يوليوز 2020) وأيضا محاولة وزارة العدل تمرير مشروع قانون 22.20 المتعلق باستعمال منصات التواصل الاجتماعي، رغم مخالفته لروح المادة 25 من الدستور التي تنص على أن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها” وتعارضه مع مقتضيات المادة 28 من ذات الدستور التي تقول بأن “للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد”.

ناهيك عن مناقضته للمرجعيات الدولية لحقوق الإنسان التي كفلت حرية الرأي والتعبير بكافة الوسائل بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي، والحق في اعتناق كل الآراء دون مضايقة كما جاء في المادتين 19/19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

مما يجعل المغاربة قاطبة متوجسين أكثر من مستقبل التشريع في المغرب وما ينتظرهم في الأيام القابلة من تردي خطير للحقوق والحريات، جراء كل تلك التجاوزات المعيبة شكلا ومضمونا التي بسطناها عليكم من خلال اليسير من القوانين والمراسيم والمناشير والدوريات التي أصدرتها السلطات الحكومية، مما يبعث على القلق والريبة اتجاه كل تلك التشريعات والقوانين التنظيمية التي تخدم مصالح خاصة وليست عامة، ويقوي طرفا قويا على طرف آخر ضعيف، يفترض توفير له كل ضمانات الحماية القانونية.