بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه


المسافة التربوية بين الآباء والأبناء صمام أمان

 المحاور:

– تمهيد

أولا: تعريف المسافة التربوية

ثانيا: من أساليب المسافة التربوية

ثالثا: ما تحققه المسافة التربوية

– خلاصة


 تمهيد
 ما من أسرة إلا وتحرص على أن يكون أبناؤها على مستوى من التربية الحسنة في كل أبعادها؛ همة ودراسة وعملا وخُلقا. ومن فرط هذا الحرص تلجأ بعض الأسر إلى اتخاذ أساليب تربوية تجاه أبنائهم يغلب عليها طابع المحاسبة اللصيقة، المراقبة الدقيقة، العتاب المباشر، الانتقاد الحاد، الأمر المتصلب، النهي المستخف، التقويم الفوري على كل أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم… ممّا يجعلهم يتعرضون وأبناءهم إلى الاحتكاك المتواصل، والاصطدام المستمر، الذي سوف يكلفهم تكبد خسائر سترتفع قيمة تكلفتها كلّما تقلصت مسافة الأمان المطلوبة. وبالطبع سيدفع ثمن هاته الخسائر الأبناء بداية، والأسرة نفسها ثمّ المجتمع..
فكيف يمكن – إذن ـ تجنب الاصطدام مع الأبناء؟ وكيف يمكن للآباء الحفاظ على مسافة الأمان، التي ستخفف من حدة هاته الاحتكاكات، والحد من أسبابها؟
أولا: تعريف المسافة التربوية
احترام المسافة التربوية تعني الالتزام بالمسافة الآمنة بين المربِّي والمربَّى، تجنبا للأخطار المحتملة الكامنة وراء عدم الانتباه، والوعي أثناء مزاولة الفعل التربوي.
وتعني المسافة التربوية أيضا قاعدة من قواعد سير الأسر في طريق الحياة اليومية، توفر لها الوقت لتدارك أي موقف طارئ وللتفكير الواعي في ردّ الفعل المناسب. هب أنك أمام مشكلة طفل يعاني من العِناد مثال: أمر الأب أوالأم الطفل بارتداء لباس غليظ في يوم بارد، فرفض الطفل وأبى وركب عناده. فأي الأساليب أنسب لحل هذا المشكل؟
 

ثانيا:من أساليب المسافة التربوية
ردّ الفعل التلقائي الذي يستعمله غالب الآباء فور وقوع العناد هو اللهجة القاسية، أو الزجر العنيف، أو اللجوء ـ أحيانا- إلى الضرب المبرّح ظنا منهم أن الطفل سينجزر ويمتثل. نعم! قد ينجزر مؤقتا ويهدأ هنيهة، لكن سيعود ـ لاحقا ـ مظهرا وقتها الاستجابة، مضمرا الغضب البغيض والحقد الدفين والكراهية المقيتة. وسيبدأ تدريجيا بفقدان ثقته بنفسه؛ ممّا سيؤثر على شخصيته سلبا ويشكل عقدا نفسية لديه قد تدفعه لنهج أساليب بغيضة في تفاعله مع محيطه، إما أساليب هجومية كالتي استعملت ضده انتقاما وتمردا، أو دفاعية كالانعزال ورفض الانخراط في المجتمع… وتفاديا لتلك التبعات وغيرها نستحضر قاعدة المسافة التربوية بالاعتماد على وسائل منها:
1)    الالتزام بالتغاضي والتغافل والتجاهل عن فعل العناد باستحضار ميزان الربح والخسارة. فإذا أمرته بارتداء لباس غليظ في يوم بارد ورفض. فقف وتساءل! فماذا سأربح إذا تغافلت عنه؟ وماذا سأخسر إذا امتثل وهو غير مقتنع؟ معلوم أن الطفل في تلك الحالة لايدرك اختيار اللباس المناسب للوقت المناسب. والحل ألا تصطدم معه، وافسح له مجالا ليختبر الخطأ ويعتمد على نفسه في إدراكه وتصحيحه. فغالبا ما سيصاب بنزلة برد شديدة أو خفيفة، وفي هذه الحالة سيرجع إليك مقتنعا بما ارتكبه. وإذا رجع لا تعاتبه وتجاهل وتغافل، بل واسرع وقدم له دواء يخفف من آلامه… وبعدئذ انتظر أنه سيرجع لك، وعبر مراحل النمو النفسي سيكتشف أنك لمّا أمرته بارتداء اللباس المناسب في الوقت المناسب لم يكن هدفك تسلّطا؛ بل حرصا على سلامته، وثمّة ستكون قد ربحت وده وحبه، وبأقل خسارة وبكل حكمة. وصدق من قال: “الغباء نقص، والتغابي كمال، والغفلة ضياع والتغافل حكمة”.
2)    الالتزام بالصحبة والأخوة: للتذكير فإن ما يربط بين الآباء والأبناء ليس رابطة البنوة فقط، بل رابط الأخوة في الدين والإنسانية. وبذلك فنحن مدعوون لتمتين تلك العلاقة في تلك المواقف الخاصة كما جاء في الأثر “لاعبه سبعا ثم أدبه سبعا ثم صاحبه سبعا”. ومن مقتضى تلك الصحبة التخلي عن أسلوب الإنكار والتحلي بأسلوب الصحبة الحنية، الضامنة لاستمرارية العلاقة أطول ما يمكن. لذا ينبغي ألا تنكر عليه، كما جاء في كلام أحد الصالحين رحمه الله تعالى: “لا تنكروا على أخيكم حاله، ولا لباسه، ولا طعامه، ولا شرابه، فإن الإنكار يورث الوحشة..” ومن ثم تكون قد تجنبت الوحشة والجفاء وربحت الألفة والمحبة واستمرار الصحبة.
3)    تجنب التعيير والتحقير فمن حق الآباء على الأبناء ألا يعيّروهم بذنب اقترفوه؛ فإن التّعيير يضعف الودّ والصفاء. ويقلل الهبة والاحترام. قال تعالى: “ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان”[1].
4)    تجنب عدم كشف العيوب: إذا اطلع رجل على عيب ابنه، فلا يكشفه ويلزمه التحلي بخصلة السّتر، ولا ينظر إليه بعين الاحتقار والاتهام، بل يبحث من خلاله أن يكون فرصة لتقديم درس في المحبة، وحسن الظن وقد انشدوا:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساويا[2]
5)    تقديم الخدمة والمساعدة: إذا كنت في خدمة الابن ومواساته في حال مرضه فكن بجانبه دون منّ ولا مجاملة، واشعره بأنك مفرّط في حقه إحسانا منك، فتكون بذلك السلوك مثالا وقمة في الرحمة. ومن ذلك كلام الجنيد رحمه الله تعالى: “أن يخدم إخوانه، ثم إنه يعتذر إليهم بأنه ما قام إليهم بواجبهم..”
6)    أخذ العبرة بالنهاية لا بالبداية: المربّي الناجح يستشرف المستقبل (النهاية)، ولا يحرص على ربح موقف آن، بل ربح قلب رجل في المستقبل. ولنا في قصة سيدنا يوسف دروس وعبر. فسيدنا يعقوب يعلم أن أبناءه قد جاؤوه بقميص يوسف معلنين أنه قد أكله الذئب، وجاؤوه بدم كذب فصدّقهم، وقد جاؤوه عشاء يبكون فلم يعاتبهم. وجاؤوه بكل ذلك وغيره وهو مدعاة للتكذيب والشك؛ لكن لم يخرج إلى مسرح الجريمة ليكذبهم، ولم يدخل معهم لا في حجاج ولا لجاج؛ بل صبر عليهم واحتسب حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. والأعظم من هذا هو أنه لما أظهر الله تعالى الحقيقة بعد أربعين سنة أتوه صاغرين معترفين فلم يعاتبهم ولم يجافهم، بل جعلهم يتوبون إلى الله ويستغفرونه، ويسمح لهم يعقوب. والضحية أخوهم يوسف قام بأكثر من ذلك؛ إذ وجه الاتهام لنفسه قبل إخوته وهو المتضرر من كيدهم فقال: “من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي”[3] ولذلك جعله الله تعالى من المحسنين، وإذا سمح العبد فالله أولى بذلك وهو أرحم الراحمين، إن في قصة يوسف عبرا للسائلين.
7)    التزام الدعاء كما فعل الأنبياء: بعد غرس تلك الأخلاق الحميدة يلجأ المربي إلى المولى بالدعاء الذي يرجع له الأمر كله، إنه ربّ رحيم له القدرة على تبديل أحوال العباد صغيرهم وكبيرهم. قال الله تعالى على لسان زكرياء: “هنالك دعا زكرياء ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء.”[4]
 

طالع أيضا  علمي أبناءك خلق الحياء

ثالثا: ما تحققه المسافة التربوية

إذا ما اعتمد المربّي على الله تعالى مع اتخاذ تلك الوسائل المذكورة، وغيرها من الوسائل الناجحة لا شك أنها ستحقق نتائج كثيرة منها:

1)    المسافة التربوية مفتاح العلاقة الجيدة بين الآباء والأبناء ومن مظاهرها المحبة المتبادلة. وإذا ما حلت المحبة بين شخصين ذابت الاصطدامات وحل الوئام.

2)    المسافة التربوية تجنب النفاق الاجتماعي لدى الأطفال، وتثمر شخصية طفل صادق متوازن في سلوكه، واضح في تصرفاته، وإلا فالطفل ذكي قد يريك أمامك من نفسه ما يرضيك ويفعل من وراءك ما مايؤذيك.

3)    المسافة التربوية تدرّب المربّي على ألا يعالج المشاكل فور وقوعها، وتكسبه النفس الطويل، وتعلمه استحضار النهايات، وعدم استعجال النتائج؛ لأن “الذي يغرس نخلا لا كالذي يزرع فِجلا”.

4)    المسافة التربوية تمنح المربّي صفة تجعله يعتبر الطفل خِلّا لاعدوّا، وإنما العدوّ لديه الشيطان الذي يسعى إلى تفكيك الأسر ويسعد بعدم استقرارها.

5)      المسافة التربوية لاتعلم القسوة وما يرافقها من صراخ وضرب وردود أفعال، بل تعلم الحزم وما يصحبه من لين ورفق وثبات وبعد نظر…

 

 
خلاصة
حاصل الأمر أن المسافة التربوية أسلوب تربوي قرآني عمل به الأنبياء والصالحون. ولاكتسابه لا بد من صحبة تربي على رزانة وتؤدة، وتروّ وصبر وبعد نظر، وطول نفس ودعاء، وتوجه إلى رب العباد، واستحضار النية الصالحة الرامية إلى أن يكون الطفل رجلا صالحا، كل ذلك لا يعفي من التوكل على الله باتخاذ الأساليب الناجحة المناسبة كالمسافة التربوية الآمنة التي تجنب الاحتكاك والاصطدام وتجلب المحبة الاحترام.
 

 



[1] سورة الحجرات، الآية11
[2] من ديوان الإمام الشافعي
[3]سورة يوسف ، الآية100
[4]سورة آل عمران الآية 38