الجـــــــــزء الأول

خرجت من باب المستشفى بعدما انتهت حصة مداومتها، ترددت بين أخد سيارة أجرة أو السير على الأقدام، رياضة واستنشاقا لهواء خفيف ربيعي بدأ يتسلل ويغري بالتنفس العميق المريح من أتعاب العمل، تركت لقدميها القرار وسارت بين أشجار الشارع الخلفي، تتملى في خضرة الطبيعة تارة وتتابع حركة الطيور تارة أخرى، الألوان الجميلة للزهور الصفراء والخضراء والحمراء والبنفسجية والبيضاء تريح العين وتمتعها برؤية جمال الخالق الوهاب، كم تمنت أن تخرج في نزهة قريبة إلى ضواحي المدينة تمنح نفسها نصيبا من الراحة والجمال، قطع حبل تفكيرها رنين الهاتف، إنه ابنها سعد الذي يكمل دراسته في إحدى الدول الأجنبية. أخذت الهاتف بلهفة ونسيت الطبيعة والجمال، وانهالت عليه بسيل من الأسئلة على الأحوال وظروف الدراسة، هي أسئلة أضحت روتينية بالنسبة لسعد، وهو كالعادة لا يطفئ لهفتها، ولا يجيب عن كل الأسئلة إلا باختصار شديد، لكن هذه المرة هناك الجديد. فكر سعد ألف مرة في الصيغة التي يوصل بها الخبر دون أن تتأثر أو تضجر، توكل على الله، وأخبرها عن الوضع المستجد:

 – أمي، لقد قررت الحكومة إعلان حالة الطوارئ وفرض الحجر الصحي، فقد انتشر الوباء بشكل سريع، ولحمايتنا فرض الحجر لمدة شهرين.

– ماذا يعني هذا؟ هل أنت في خطر؟ أين أنت الآن؟ هل تتوفر على وسائل وأدوات الوقاية؟ هل مخزون الطعام في البيت يكفيك؟ ما مصير الدراسة؟ و… قاطعها سعد؛ فأسئلتها تناسلت بسرعة ولم تترك له فرصة ليوضح لها الأمر.

– أنا في البيت وأتوفر على كل وسائل الوقاية والطعام الكافي، وإن احتجت سيمدونني بما ينقصني، وقد جهزت الجامعة كل الوسائل اللازمة لاستمرار الدراسة عن بعد، والأمور تسير على ما يرام.

– أنا قلقة عليك، ما يهمني أكثر ألا تصاب، فقد عرفت أن الوباء معْدٍ وفتَّاك وعلاجه غير موجود.

– لا تقلقي فالمدينة التي أسكن فيها ليس فيها أية حالة لحد الآن.

– الحمد لله، سعد هل تحتاج إلى المال، سعد أجبني..؟ انقطع الاتصال.

انشغل فكر السيدة إيناس بحال ابنها وغربته، وطارت بها الخواطر والأفكار بعيدا، وتذكرت أن المستشفى الذي تشتغل فيه يتجهز لاستقبال مرضى الوباء إن ظهر. مرة أخرى رن الهاتف، حسبته ابنها سعد، لكن كان الهاتف من مدير المؤسسة الخصوصية التي يدرس فيها ابنها سيف، يطلب حضورها إلى المدرسة على وجه السرعة، بدعوى اجتماع مستعجل. اضطرت أن تصرف النظر عن رياضة المشي وتأخذ سيارة أجرة نحو المؤسسة، حيث وجدت في استقبالها المدير وحده، ولا يظهر أن هناك أي اجتماع فلا يوجد أي أب أو أم سواها، بدد المدير حيرتها، بعد الاستقبال الطيب، ليفاجئها بأن سبب استدعائها، هو أنه لم يتسلم الواجب الشهري الخاص بابنها سيف لمدة شهرين والشهر الثالث على وشك الانتهاء، فأراد أن يستفهم الأمر خاصة أنه ليس من عادتها أن تتأخر في الأداء، فقد كان سعد تلميذا في نفس المؤسسة وأيضا أخوه سيف. أسرعت إيناس بالإجابة:

طالع أيضا  قرة العين 15: استثمر ما يعجب أبناءك لزرع ما يعجبك من سلوكات

– ولكن سيدي المدير أنا لازلت كالعادة أمنح سيفا الواجب كل شهر، وأظنه دائما يتكلف هو نفسه بالأداء نظرا لعملي وظروف والده منذ أنهى أخوه دراسته.

– لهذا السبب استدعيتك، ولعل ما فكرت فيه هو الذي حصل، ابنك لم يسلمنا واجب شهرين، فأنا أردت أن أخبرك فقط، لأن الشك بدأ يساورني خاصة بعد تراجعه نسبيا هذه السنة.

– سأتدبر الأمر سيدي. كلمات قالتها إيناس وهي تعتذر، وقد أخذها دوار كادت أن تسقط من شدته، علت صفرة ممزوجة بالسواد وجهها، وتثاقلت رجلاها، وهي تفكر وتعيد شريط الأحداث الأخيرة، وتلوم نفسها أنها لم تنتبه، كيف لم تعر اهتماما لغياب ابنها المتكرر عن البيت، بدعوى أنه يراجع الدروس مع صاحبه، كم غفلت عن سيف الذي كان يسأل ويبحث ويجتهد، وهو الآن لا يظهر إلا في أوقات تناول الطعام، والذي لم يعد يكترث له، فإما غارقا أمام حاسوبه، أو مقفلا عليه باب غرفته؟

وصلت إلى البيت، ووجدت السيدة حليمة مساعدتها، تنتظرها، فهي ترغب في المغادرة. لكن إيناس طرحت سؤالا غير متوقع عليها:

– لماذا سألتني في الأسبوع الماضي، تتأكدين من كوني أضع النقود الخاصة بحاجيات البيت في نفس المكان؟ أخبريني؟ كم مرة وجدت صندوق الصرف فارغا؟ اصدقيني؟

لم تكن السيدة حليمة، تتوقع هذه الأسئلة، ولكنها كانت مجبرة على الاعتراف، فسيف تربى على يدها ولا يمكن أن تخفي الحقيقة أكثر.

– منذ شهرين أو ثلاثة أشهر، مرات عديدة أجد الصندوق فارغا، فقلت مع نفسي أنك لا تضعين النقود كعادتك، لكن في إحدى المرات تأكدت من وجودها، لكنها بعد ذلك اختفت، ولذلك سألتك، لأنني أردت أن أبعد الشكوك عن ابننا سيف، لكن الحقيقة لا تخفى طويلا.

– ليتك أخبرتني حينها، ليتك فعلت.

خرجت السيدة حليمة، تاركة إيناس في حيرتها، أسئلة عديدة، وتأنيب ضمير، ولوم لنفسها وغفلتها وتفريطها، كادت أن تنهار من الغصة، لكنها تمالكت نفسها وتمسكت، وقررت أن تواجه سيفا. انتظرت الأم ابنها، وهي تفكر في طريقة تفتتح بها الموضوع، أيعقل أن يسرق ابني النقود، لماذا؟ ما السبب ماذا ينقصه؟ لعله صديق سوء لعب بعقله، لعله شخص كبير يهدده؟ لم يهدأ عقلها عن التفكير وتناست وقت وصول ابنها الذي تجاوزه بساعة، ولم تنتبه إلا على صوت جرس الباب: إنه سيف.

انتبهت إلى الساعة ووجدت الوقت قد تأخر بكثير، فتحت الباب، وحاولت أن تبدو هادئة، فهي تريد معالجة الأمر بشكل هادئ وحضاري فيه حوار وتفهم، تلتمس الأعذار وتبحث في قرارة نفسها عن كل ما يمكن أن يبرئ ساحة ابنها من هذا الفعل الشنيع، لا يمكن أن تفقد الثقة في ابنها الذي تحبه وتأمل فيه الخير كله. لكنها بمجرد ما وقع نظرها عليه، حتى سألته أين تأخرت؟ ورفعت يدها إلى الأعلى وصفعته؟ لا يدري سيف ماذا وقع، إلا أنه أحس بألم الصفعة على خده الذي تورم في الحال، وبدأ يسمع كلاما كثيرا اختلط فيه اللوم بالبكاء والصراخ والعويل، لكن ما علق في ذهنه وترسخ هو كلمة خيانة الأمانة. إذن لقد انفضح الأمر ولم يعد هناك ما يخشى، انطلق الشاب المراهق مسرعا إلى غرفته، وأغلقها عليه، وبقيت الأم في غرفة الجلوس تندب حظها وتعدد تضحياتها وأتعابها، وما تنفق وما توفر لولديها ليكونا أحسن الناس، وكيف تصبر على بعد والدهما الذي يعمل في مدينة أخرى، فهي في أحيان كثيرة الأم والأب، بقيت على هذه الحال وقتا حتى بح صوتها وفقدت قوتها وأحست بضعفها، ماديا ومعنويا. فهل سيحل البكاء والندب المشكل؟ حاولت أن تستجمع قواها، وطرقت باب غرفة ابنها، ثم دخلت، وأخذته في حضنها، معتذرة عن تصرفها المتسرع ومحاولة البحث عن هذا الصبي الذي كان بالأمس القريب يحتمي بها ويصر على النوم بقربها ويعدها بكل براءة أنه حتى عندما يكبر سينام في حضنها، ذكرته بكل هذا الحب الطفولي وبهذا الكنف الدافئ الذي سيظل مفتوحا لحمايته حتى وإن كبر، لم يجد سيف إلا دموعا فياضة بلل بها وشاح أمه، الذي أعادت رائحة عطرها إلى قلبه إحساسه بالحنان المفتقد، كم احتاج إلى هذه الضمة وهذا الدفء لكان انتشله مما هو فيه الآن؟

طالع أيضا  بن مسعود: لا لاقتطاع الأجور في هاته الظرفية

خرجت الأم من الغرفة متجهة نحو المطبخ، لتهيئ بعض الطعام، لكنها عادت نحو الباب بعدما سمعت تحرك المفتاح: أهو سليم عاد من عمله؟ نعم لقد عاد من عمله قبل نهاية الأسبوع على غير عادته، ألقى التحية والسلام، لكنه تفرس في الوجهين فشك في الأمر فاستفسر زوجته، وهي لم تتريث وحكت له ما وقع بتفصيل وإحساس بالمرارة والتقصير. حاول سليم أن يتمالك نفسه، واستفرد بابنه، ليكتشف أن الخيانة، وسرقة النقود هي فقط الشجرة التي تخفي وراءها غابة الخطر، انفجر الابن باكيا، مستعرضا ما يتعرض له في البيت من تهميش، فمنذ سافر أخوه سعد إلى الخارج والكل منشغل به، وهو لا يجد من يهتم بأحواله واحتياجاته، الرعاية والحنان والعطف توجه بهما الوالد والوالدة كليا إلى ابنها المغترب العزيز سعد، وهو لا رعاية ولا إنصات ولا حنان، وأضف إلى ذلك التعلل بالأزمة والتقشف من أجل تدبير مصاريفه كلما طلب شيئا لنفسه. عرف الأب أن قلب ابنه مليء بالأحزان وأنهما غفلا عنه حقا وسط فتنة العمل وبسبب ضغط مصاريف سعد، لكن السؤال الذي أراد أن يجد له سليم جوابا هو أين يصرف سيف النقود التي يسرق من البيت؟ ناقش الأمر مع زوجته، فهي تظل في العمل وهو لا ينهي عمله إلا مساء كل جمعة، ويخاف من الأخطر، فقد لاحظ أمرا في الأسبوع الماضي وكذًب عينيه، واستبعد أن يكون ابنه مدخنا، وطرح السؤال على الأم: إيناس، ألا تشمين رائحة السجائر في ثياب ابنك؟ أجابت، بلى أشم وهذا طبيعي فأستاذ الدعم يدخن. أجابت ونظرت في عين سليم، الذي طأطأ رأسه، فعرفت قصده: لا يعقل أن يدخن أستاذ أمام تلاميذه، حتى إن كان مدمن سجائر سيصبر حتى ينهي الحصة، كيف صدقت ادعاءه، بل كيف أقنعت نفسي، وكيف راوغت عقلي وحجبت عنه الحقيقة الواضحة، ابني يكذب ويسرق ويدخن السجائر، قلبي لم يطاوعني لأنظر الحقيقة كما هي، أجَّلت النظر فيها، متحايلة على منطق العقل، ما وقع نفذ، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وما خفي أعظم.

طالع أيضا  الحجر الصحي وتوزين الذات

طال الليل على السيد سليم وعلى زوجته إيناس، كانت ليلة حساب ومراجعة، كل واحد يلوم الآخر، وكل منهما يختزل المشكل في المادة، لم تفكر الزوجة في الاستفسار عن عودة زوجها من العمل وسط الأسبوع على غير عادته، ولم ينتبها لمتابعة الأخبار التي تعلن عن قرب إعلان حالة الطوارئ بسبب انتشار الوباء، لكنهما استيقظا في الصباح الباكر على صوت سيف يتلوى من الألم ويتقيأ، دون أن يعرفا لذلك سببا. بادر الوالدان إلى حمل ابنهما إلى قسم المستعجلات، فتم إدخاله على وجه السرعة، فإيناس ممرضة بقسم الإنعاش، لم يتأخر الممرض المداوم، فقد أخبرهما بأن الطبيب سيباشر غسل أمعاء سيف فقد تناول مادة سامة، وسيجري التحاليل. كانت صدمة الزوجين كبيرة، ولكن الزوجة فطنت بخبرتها، وتوجهت في استسلام المنهزم إلى زوجها:

 -إلى هذا الحد فرطنا؟

ماذا تقصدين؟

-التحاليل ستكشف المستور وستجيب عن الأسئلة المحيرة؟ المهم الآن أن يقوم بالسلامة؟

أثناء جلوسها في قاعة الانتظار هي وزوجها، انتبهت إلى سبورات الإعلانات كتب عليها بخط واضح أن حالة الطوارئ ستعلن قريبا وأنه على الأطباء والممرضين والمستخدمين الاستعداد ابتداء من يوم الجمعة المقبل إلى تهيئ أنفسهم للمكث داخل المستشفى لاستقبال الإصابات المحتملة التي سترد على المستشفى، لذلك فالكل مطالب أن يهيئ حقائبه لأن المداومة ستتواصل طيلة فترة الحجر الصحي، ومن دهشتها انتبهت إلى زوجها:

– إذن لهذا عدت من عملك، هل طلبوا منك لزوم البيت بسبب الحجر الصحي؟ هز سليم رأسه وهو يفكر في سيف.

أقبل الطبيب وقدم التحية للسيد سليم ووجه الكلام لإيناس التي وقفت تسمع: الحمد لله لقد استقرت حالته وهو بحاجة إلى الراحة، ممكن أن يعود معكما إلى البيت، لكن لقد تبين أن التسمم نتج عن مادة مخدرة.

 تسمر سليم في مكانه، وجمدت إيناس وعجزت عن الاستيعاب، وتعثرت الكلمات وتبعثرت في فمها، فهل تشكر الطبيب أم تصرخ من هول الصدمة أم تجري نحو سيف تسأله وتتأكد مما سمعت، مازالت تبحث لابنها عن عذر، وتكذب الخبر الذي سمعته ولم تكن مستعدة لأن توضع في هذا الموقف في يوم من الأيام.

مر الباقي من اليوم بين إجراءات المستشفى، والاطمئنان على حالة سيف، وانتهى بالعودة إلى البيت، اكتفت إيناس وزوجها في هذه الأثناء بصمت حزين ومؤلم يكتم أنفاس الكمد والحسرة اللذين باتا يعتصران قلبيهما، فهل يا ترى هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

يتبع…