عمق الدكتور عبد الواحد متوكل حديثه في برنامج “تذكرة الجمعة” الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية حول موضوع “الأمة بين المعروف المبعثر والمنكر المنظم”.

وانطلق عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية من حديث النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي اللَّه عنهما، الذي رواه البخاري عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَالَ فيه: “مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا”.

وفي شرحه للحديث أشار متوكل إلى أن الوقت لا يتسع للحديث عن كل الدروس وكل المعاني التي وردت في هذا الحديث النبوي الشريف لكنه وقف على بعض الأسئلة التي تم إغفالها أو لم يُلتفت إليها بدرجة كافية كما قال.

وأوضح أن هذا الحديث النبوي الشريف تناوله العديد من الشراح ومن العلماء قديما وحديثا واستخرجوا منه العشرات والمئات من الفوائد ولا عجب في ذلك. مردفا أنه ترجمة للبيان النبوي، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، وهو في الكلمات اليسيرات تكون هناك معان كثيرة ومتعددة، ومن المعلوم أيضا أن البيان النبوي يستعمل من جملة ما يستعمل ضرب الأمثال كما رأيناه في الحديث النبوي الشريف من أجل تقريب المعلومة إلى السامع، فذلك يساعد على تبليغ المعنى إليه ويكون له بإذن الله عز وجل الأثر المرجو.

ولفت إلى أن الدرس الواضح والبارز من الحديث؛ هو تأكيده بأن الحياة مسؤولية، وبأن المسؤولية جماعية، وليس هناك مجال للحياد واللامبالاة.

طالع أيضا  د. متوكل: "المراجعات السياسية" يكون لها معنى في إحدى حالتين.. ونميز بين الثوابت والمتغيرات

وتابع بقوله: “فنحن جميعا كركاب سفينة وأي واحد يريد أن يخرق هذه الأخيرة أو يؤذيها فإن معنى ذلك الغرق، والغرق للجميع وهذا المعنى تشير إليه الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية”.

وأورد متوكل قوله عز وجل: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. موضحا أن الآية تطرح سؤالا يحتاج التوقف عنده؛ هو “لماذا يا ترى نلاحظ أن المنكرات قد تكاثرت بشكل رهيب، انظروا إلى الفجور والفسق والدعارة والمخدرات والفساد الأخلاقي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فمن أين للمنكر كل هذه القوة؟ ومن أين له كل هذه الفعالية حتى أصبح يلتهم كل يوم مساحات جديدة وكل يوم يكون له ضحايا جدد، ويوشك أن يحول المجتمع بما فيه ومن فيه إلى حطام”.

ثم يتساءل “أليس في المجتمع أناس يعرفون المعروف ويدعون إليه؟” قبل أن يجيب “بلى موجودون”. ويتساءل ثانية “أليس في المجتمع أناس صالحون؟” قبل أن يجيب “بلى هناك أناس صالحون وهناك دعاة، هناك علماء، هناك مصلحون، هناك عقلاء يدعون إلى المعروف وينهون عن المنكر”.

وأشار إلى أن حركة الدعاة تكون حسب فهم كل واحد منهم لما هو المعروف وحسب تقديره، كما أن هناك من ينهى عن المنكر كل أيضا حسب فهمه وحسب ما يراه أولوية المنكرات التي ينهى عنها، إذا أين المشكل؟

وتابع الدكتور متوكل مستفسرا: “لما نرى المنكر ينتشر بشكل جنوني، ولما نلاحظ بأن أهل المعروف محتشمون إن لم نقل محتشمين جدا، قد يقول قائل ليس غريبا، لأن المنكر والداعين إليه كثيرون وعندهم وسائل كثيرة، عندهم المال، السلطة، الإعلام، الأنصار في داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها، عندهم وسائل الإكراه والعنف، عندهم أجهزة متطورة وتنفذ لذلك، فلا غرابة أن يستأسدوا ويصولوا ويجولوا ويحققوا نتائج مذهلة”.

طالع أيضا  د. متوكل: هذا جوهر الخلاف بين العدل والإحسان ونظام الحكم في المغرب

بعدها يعلق متسائلا “هذا صحيح ولكن هل هذا وحده يفسر هذا الانتشار الرهيب للفساد وهذه السطوة للباطل؛ في تقديري لا”، وعزا متوكل الجواب إلى عدة وجوه؛ أولها “الحديث الذي بين أيدينا كما مر يؤكد ويقول: “فإن أخذوا على أيديهم” معنى هذا؛ أن الأخذ على أيدي الآثم والفاجر والمفسد ممكن، وما كان الله عز وجل ليطالبنا ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ليطالبنا بشيء وهو يعلم أنه غير ممكن، وإلا سيكون من التكليف المحال، والتكليف المحال ينافي الحكمة، والآيات والأحاديث التي تأمر بالمعروف أو تحث عليه وتحث على النهي عن المنكر فهي كثيرة ومتعددة”، فمعنى هذه الآيات وهذه الأحاديث التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتحث على ذلك يقول المتحدث؛ هو “أن هذا الأمر ممكن وممكن جدا”.

الوجه الثاني يوضحه متوكل بقوله: “إذا كان المعروف والداعون إليه ليست معهم الوسائل التي تتوفر لدعاة الباطل وللمفسدين، فهل معنى هذا أن دعاة المعروف ليس لهم وسائل؟ لا؛ لديهم وسائل وإن لم تكن معهم وسائل من جنس الوسائل المتوفرة لأهل الباطل فعندهم وسائل أخرى مكافئة، بل أقوى وأفعل من الوسائل الموجودة لدى المبطلين”.

ثم يؤكد “هذا منطق، هذا استنتاج منطقي. لأنهم مأمورون بحراسة السفينة ولا يمكن أن يطالبوا بحراسة السفينة وليست معهم وسائل للقيام بتلك المهمة. ليس معقول هذا، هل يعقل أن يكون هناك حاكم لن يرسل الجنود لحراسة الحدود ولا يمكنهم من الوسائل ومن السلاح. غير ممكن”.

ووقف على الصورة التي يقدمها هذا الحديث النبوي الشريف معتبرا أنها واضحة، “فهي تشير أو تشبه المجتمع بأنه كسفينة من طابقين هناك طابق علوي وطابق سفلي والركاب اقترعوا على هذه السفينة أين يكون كل واحد منهم فأصاب بعض المكان العلوي وأصاب الآخرون المكان السفلي، ولاحظوا بأن هذا تقسيم لم يراع فيه الحسب أو النسب أو اللون أو العرق، إنما كان على أساس الموقف، فهناك صنف يرعى حدود الله عز وجل، ويهتدي بهديه ويلتزم بأوامره ونواهيه”.

طالع أيضا  د. متوكل: نظام الحسن الثاني مازال يحكم في عهد محمد السادس

هذا صنف القائم على حدود الله يقول متوكل ثم يضيف: “وهناك صنف يفسد ويريد أن يخرق هذه السفينة بدعاوى مختلفة، إما ظنا منه أنه يصلح كما تشير الآية: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون يظنون أنهم لا يؤذون الآخرين فلذلك قالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولن نؤذي من فوقنا فإذا هو إفساد بناء على ظن فاسد”.

وأضاف أن هناك طائفة أخرى “الفساد هو طبيعتهم والمعايير مقلوبة عندهم مثلما قال ملأ من قوم فرعون، أتذرون موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وآلهتك “.

ومن الأصناف التي أشار إليها “صنف لا يظهر من صلة الحديث تصريحا ولكنه متضمن فيه وهؤلاء يمكن أن نسميهم باللامبالين الذين لا يكترثون، لا يعينون المصلح على الإصلاح، ولا يمنعون المفسد من الإفساد”.

تابع الشريط كاملا من هنا