بعد حالة من الاضطراب والغبش في الرؤية التي سادت المغاربة في الأيام الماضية والتي جعلتهم يضربون أخماسا في أسداس، وهم يتكهنون بمصيرهم مع الحجر الصحي ومصير أنشطتهم المهنية والتجارية وحياتهم الشخصية عامة، تفرج رئاسة الحكومة أخيرا على قرارها، ونحن على مشارف انتهاء حالة الطوارئ الصحية، القاضي بتمديدها لمدة شهر إضافي بعد أن كان المزاج المسيطر إلى وقت قريب على السلطة وإعلامها يمضي في اتجاه رفع الطوارئ وإنهاء الحجر الصحي، والذي تغير بعد ذلك لصالح التمديد الذي لم يحسم في مدته إلا بعد ساعات أخيرة.

الارتباك الشعبي تجاه قرار الحكومة المغربية مفهوم، فهو انعكاس طبيعي لغموض السلطة في تعاملها مع جائحة كورونا من بداياتها إلى اللحظة الراهنة، وهو ما ظهر في تأخير الإعلان عن تمديد الطوارئ الذي يعكس ارتجالية في التدبير، ذلك أن الوقت كان كافيا لقراءة المراحل السابقة من مواجهة الوباء من أجل استشراف المرحلة المقبلة، لكن تعامل الدولة مع هذا الإجراء كان تعاملا ظرفيا طارئا تماما كما صنعت مع جل القضايا التي أثيرت طيلة أيام الحجر الصحي. وهو ما ساهم في تكريس حالة عدم الالتزام بالحجر الصحي في أوساط المغاربة.

كذلك فإن أحدا لا يفهم سر تكتم السلطة الشديد على مجمل قراراتها في غياب الشفافية المطلوبة مع المجتمع الذي بخلت عليه بحقه في المعلومة كأننا أمام قرارات حربية لا تقبل التسريب، حتى بدت بالنسبة للمغاربة أشبه بمراقبة ثبوت الهلال لا تعرف إلا في وقت متأخر من الليل مثلما تندر بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها العقلية المخزنية التي تتعامل مع المواطن كمتلق سلبي لجل إجراءاتها ليس له إلا الانصياع لها وإن كانت غير قابلة للتنزيل وإن خلقت لديه من الإشكالات أكثر مما قدمت من حلول.

طالع أيضا  في فَيْءِ الحِجْر الصِّحِّـيِّ

القرار كذلك يعاكس المنطق، فلكي تمدد الطوارئ ينبغي أن تكون الطوارئ مفعلة أصلا، أما والحال أن الحجر الصحي قد تحول إلى إجراء شكلي بعد عجز الدولة عن تدبير مرحلته، بسبب تأخر الدعم ومحدوديته وعدم تغطيته لجميع الفئات المحرومة وغياب بدائل حقيقية للتسوق ولأنشطة المواطنين الحيوية، الشيء الذي جعل الحجر الصحي يفقد قيمته مع توالي الأيام، فما الداعي إذن إلى الاستمرار في الكذب على النفس وفي عدم الاعتراف بالواقع؟

لكن ما شغل بال الداخلية، والذي ضيع عليها فرصة تصحيح الأوضاع، هو أن تكون لها اليد الطولى تصفع بها من تريد في الوقت الذي تريد حتى إنها لم تعد تميز بين مواطن عادي وبين من يحسبون على أجهزتها الرسمية كما حدث مع طاقم قناة الأمازيغية وكذا مع نائب وكيل الملك بطنجة، فالكل أضحى تحت مزاجية المسؤول الأمني فإن شاء عفا وإن شاء عاقب. فيما اقتصر دورها على تفعيل دوريات المراقبة الاستعراضية التي وجهت ضد شريحة “ولاد الدرب” الذين كانوا يتسلون بمطاردات “القياد” لهم معتبرين ذلك مناسبة لتحدي ملل الحجر الصحي.

 هذا بالضبط ما تعنيه إدامة حالة الطوارئ، فبإمكان المغاربة أن يستأنفوا حياتهم المعيشية بشكل عادي، لكن تحت رحمة فيتو المسؤول “الأمني” الذي من صلاحيته أن يحصي أنفاس كل المواطنين وأن يمن عليهم بحرية التنقل لكنه يملك حق التنغيص عليهم بين الفينة والأخرى، كما أنه بات يستخدم سوط الطوارئ للحجر على حقهم في التعبير وفي الاحتجاج، وهذا ما يعنيه تفويض الداخلية على المستوى الجهوي والإقليمي بتحديد شكل التعاطي مع حالة الطوارئ المستجدة.

لا تخفى الدوافع السلطوية على قرار تمديد حالة الطوارئ الصحية والتخوف أن تجعلها السلطة هي القاعدة وليست الاستثناء بحجة أن الوباء لم ينحصر وأن الموجة الثانية من الوباء على الأبواب، فليعش المغاربة حياتهم تحت وصاية الداخلية المباشرة ولتعد إليهم سطوة القياد والشيوخ والمقدمين إلى أمد غير مسمى.

طالع أيضا  ملاحظات من أجل توازن قد يصعب في الظروف غير العادية

حالة الطوارئ في المغرب هي موقوفة التنفيذ فيما يخص السلامة الجسدية لعموم المغاربة وتوفير الرعاية الصحية لهم، لكنها بمثابة “قرصة أذن” لهم وتذكير بالوصاية المخزنية عليهم، تلك الوصاية التي بدأت تحشر أنفها في تفاصيل حياتهم الشخصية بعد أن كانت تكتفي بالتحكم في شؤون البلاد السيادية.