بقلم: صلاح الدين المساوي

قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كان الناس في فوضى وجودية كونية يحار فيها العاقل عن إدراك معنى الحياة وكنه الموجودات، فكانت قوانين الخير والشر والحق والباطل والعدل والظلم هي نسبية بين بني البشر ولا صوت يسمع إلا صوت القوة، فالغلبة للقوي!

ومن شعر بالقهر المسيطر أمام الضعف الذاتي اتخذ من تمثاله إلهاً يأوي إليه ساعة الشدة، ليفرغ عليه مكنونات نفسه، طمعا في جلب الراحة والسعادة المفقودة في عالم الأشياء. لكن أنى له ذلك، إذ كيف يستجيب من لا يسمع ولا ينطق، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعون، صمٌّ بكمٌ عمي فهم لا يعقلون!

وفي ظل هذا الوضع المتأزم عقائديا ووجودياً، برزت معه أزمة إنسانية خانقة وأمراض نفسية معقدة، تهدد المجتمع بالانهيار والانقراض؛ تجلت في وأد النساء ودفنهن وهن أحياء. وقد أّرخ القرآن لهذه الظاهرة اللاإنسانية في قوله: “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ“، فالسياق القرآني هنا يعرض مشاكل نفسية عويصة؛ (اكفهرار في الوجه، وكظم للأنفاس، وشعور بالهون والذل بين الناس والتفكير في قتل النفس) كل هذا بسب ميلاد أنثى! يا للعجب! وذلك لأنها- في اعتقادهم- رمز للعار ومؤشر للتخلف والفساد الأخلاقي فلا مكان لها في الحياة أبدا!

(1)

إذا وقفنا فقط عند هذا النموذج اللاإنساني في الجاهلية (وأد البنات)، عرفنا حجم المأساة الحقيقية التي كانت تمر منها البشرية عموماً والعرب خصوصاً، إذ لا خطر أفظع وأبشع من قتل النفس بغير حق. لأجل ذلك كان الله أرحم بخلقه فبعث إليهم رسولا منهم، يعرفون نسبه وخلقه، لينقذهم من الهلاك المحقق، ويدلهم على خالقهم الذي أوجدهم من عدم، وطلب منهم أن يعمروا الأرض ولا يفسدوا فيها. وبالفعل كان هذا النبي المرسل محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة والنموذج الخالد الذي رد للمرأة اعتبارها الإنساني، وحرم على المجتمع قتلها، ورفع قدرها وعظمها، بل قدس سرها ونادى في الناس أن “الجنة عند رجلها” الحديث.

كما أنه أرسى قواعد جديدة تخدم الإنسانية جمعاء فلا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.

بل حتى الشرائع التي جاء بها جعل لها مقاصد إنسانية جليلة؛ فالصلاة مثلا بالإضافة إلى أنها تربط المؤمن بربه رباطا روحيا قلبياً، فهي أيضا تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ وبذلك تساهم في تطهير المجتمع من الفساد ظاهرا وباطنا، وكذلك الصيام فالغاية منه تحقيق التقوى التي من معانيها الكبرى الإحسان في العبادات والمعاملات. فإذا صار الناس متقين فلا حرب ولا خيانة ولا كذب ولا بهتان ولا زور ولا ظلم ولا اعتداء. وفي الزكاة أيضا ترى التكافل والتضامن بين الغني والفقير فيحصل الأمن والأمان فلا حسد ولا بغض ولا كراهية… وأما شعيرة الحج فهو مؤتمر عالمي يجمع المسلمين على اختلاف مشاربهم من الرجال والنساء، ليشهدوا منافع لهم وليتعاونوا على إسداء الخير والنصح لأئمة الناس وعامتهم.

طالع أيضا  حاجتنا إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

فها أنت ترى أن أصول الإسلام كلها غايتها أن تخدم الإنسانية، خدمةً متزامنة مترابطة ومتساوقة هنا وهناك؛ هنا في الدنيا حيث المشترك الانساني في تحقيق الحضارة ونيل اللذة والمتعة والرخاء والسعادة، وهناك حيث لا يأتي الإنسانَ الخبُر إلا من وراء سجف الغيب فينقله من لذة عاجلة فانية إلى جنة عالية خالدة؛ لا موت فيها ولا مرض ولا آفات، فيها ما تلذ الأعين وتشتهي الأنفس؛ فهي (مدينة فاضلة) بامتياز لطالما حلم بها الفلاسفة والحكماء لما كانوا من سكان أهل الأرض!

(2)

لقد استطاع محمد صلى الله عليه وسلم بحكمته وحسن تدبيره المؤيد بالوحي أن ينشئ مجتمعا إنسانيا جديدا مبنيا على أسس الرحمة القلبية والحكمة العقلية يضرب به المثل بين العالمين إذ “أصبحوا قبلة الأنظار في العلوم والعرفان، ولم يمض قرن حتى استضاءت أطراف الأرض بعقولهم وعلومهم” توماس كارليل (1795-1881( فيلسوف إسكتلندي.

ويقول برنارد شو (1817-1902) فيلسوف وكاتب إيرلندي “إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات (أي استيعابها) خالدا خلود الأبد، وإن محمدا لو بعث اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجانا من القهوة” مأخوذ من كتاب أساليب نبوية في التربية والتعليم، لإبراهيم بن صالح الدحيم.

إن هؤلاء الحكماء لما درسوا شخصية محمد كإنسان لم يتمالكوا أنفسهم من الإعجاب بهذا الرجل العظيم والعبقري في زعمهم. أما نحن فنقول هو نور من الله أرسله رحمةً للعالمين ليكون قدوة بين الناس يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؛ لذلك فلا عجب عندنا لأنه رسول الله وكفى، فهو ترجمان الرحمان والمبلغ عنه، وهو خاتم الأنبياء والرسل، والختم لا يكون إلا بكامل عالمي، في حكمته وشرعته وإنسانيته وخلقه، ولذلك خصه الله بأفضل كتاب وأفضل سيرة. فأقسم الله بعمره -العامر بالخيرات والإنجازات- تنبيهاً وتنويها بقدره وشرفه “لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ“.

وخصه الله بانتشار دعوته في الآفاق فلا يصدها صاد ولا يحجبها حاجب ” فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ”، وقوله سبحانه “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا“. انظر إلى هذه الميزات الانسانية النبيلة التي أعطاها الله لنبيه الكريم ليكون هو القدوة الحسنة لكل من ينشد بلوغ الكمال البشري، فهو الشاهد بالحق، الحاضر بين الناس معلما ومربيا، وبانياً لمستقبلهم دنيا وأخرى، ومبشراً ميسرا لا منفرا، ونذيرا مذكرا واعظاً لمن حاد عن نهجه القويم، لا يفتر أن يدعوه، والدعوة حاله ومهنته، ولا دعوة ولا تبليغ ولا بناء ولا جهاد إلا بالسراج المنير يستضاء به إذا اشتد الظلماء وتوقف المسير.

طالع أيضا  الصحـبـة يـا رسـول الله

  (3)

فلا عجب إذاً إن عرفنا أن محمدا بُعث سراجا منيرا؛ اهتدت به البشرية شرقا وغربا، وكان له فضل كبير على الإنسانية جمعاء، في نشر قيم التسامح والتعايش والتعاون في بناء الإنسان والحضارة، ويحمل رسالة عالمية، تختزل الغاية من وجوده، كما عبر عن ذلك ربعي بن عامر رضي الله عنه مجيبا عن سؤال الملك رُسْتُمْ “ما الذي جاء بكم؟” فقال: “إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام” البداية والنهاية ج السابع، ص:40.

هي إذاً دعوة إسلامية إنسانية واضحة، لا إرهاب فيها، ولا إكراه. وفي ذلك يقول المفكر “لورد هدلي” (1855-1935) وقد وقف مندهشا عند معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى في معركة بدر الكبرى: “أفلا يدل هذا على أن محمدا لم يكن متصفا بالقسوة ولا متعطشا للدماء؟ كما يقول خصومه، بل كان دائما يعمل على حقن الدماء جهد المستطاع، وقد خضعت له بلاد العرب من أقصاها، وجاءه وفد نجران اليمنيون بقيادة البطريق، ولم يحاول قط أن يكرههم على الإسلام، بل أمنهم على أموالهم وأرواحهم وأمر بألا يتعرض لهم أحد في معتقداتهم وطقوسهم الدينية” من كتاب أساليب نبوية في التربية والتعليم لإبراهيم بن صالح الدحيم. لقد نظر هذا المفكر إلى تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأسرى فتمالكه السلوك النبوي الانساني الراقي، وشهد له شهادة الحق. وذلك لأن النبي الكريم لم يكن يسعى إلى إلحاق الضرر بالعباد قط، بل رسالته الدلالة على الله وإرشاد الناس إلى خالقهم. وليس كما يفعل دواعش العصر باسم الاسلام يقتلون ويسفكون الدماء ويفسدون في الأرض. فتعال الله عما يفعلون علوا كبيراً ومحمد رسول الله منهم بريئ. لأنه بُعث رحيماً ولم يبعث قتّالا “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ“.

  (4)

وهاك بعض النماذج من إنسانيته صلى الله عليه وسلم وسلوكه العظيم الذي يأسر القلوب:

في الكرم والعطاء وقطع الأنانيات:

عن أنس رضي الله عنه قال: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلِموا فإن محمداً يعطي عمن لا يخشى الفقر وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها“. رواه مسلم.

طالع أيضا  يَا أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ

في العفو والتسامح:

لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً وقف على باب الكعبة وقريش صفوف في المسجد ينتظرونه، وَقَالَ لَهُمْ: “مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟” قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ”.

في تقديم أولويات الإنسان عن الثأر:

لما أسلم ثمامة ابن أثال شن حربا اقتصادية على قريش مكة دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: “ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فلما أضّر بهم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم وتحض عليها، وإن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضر بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين ميرتنا فافعل، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أن خلّ بين قومي وبين ميرتهم“، ثم قدم ثمامة رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ثمامة، لا يثأر المسلم بالكافر، ولكن ارجع إلى قومك فادعهم إلى الإسلام” البداية والنهاية الجزء السابع، ص: 256

في الوقوف لجنازة يهودي تعظيما لها:

كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ –أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ– فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا. رواه البخاري.

وأمام هذه المشاهد من الإنسانية الرائقة التي دونها التاريخ بمداد من ذهب لا نملك إلا أن نقول:

إن العالم اليوم -وأمام تزايد خطابات وأساليب الكراهية والداعشية- لفي أمس الحاجة ليجثو على ركبه إلى أستاذ البشرية صلى الله عليه وسلم ليتلقى منه دروسا في معاني الإنسانية بما هي آداب مع الخلق واحترام لقانون التنوع والاختلاف المبثوث في الكون كله، وبما هي تسامح وتعايش في استقرار تام بين بني البشر. ولا يألو جهداً في طلب ذلك بحق وعزم لأن الحكمة ضالة صاحبها أينما وجدت أخذها. ونأمل أن يكون حدث وباء كورونا الذي فاجأ العالم وغير من حساباته سياسياً واجتماعياً واقتصادياً سبباً وعاملا حاسما في إعادة ترتيب الأولويات تحت شعار: “الإنسان أولا“.