بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه وبعد،

فشكرا جزيلا على إثارة مثل هذه المواضيع الحسّاسة خاصّة في هذه الآونة، وبخاصة ما يتعلّق بقضايا الشّباب وما تثيره مِن مشكلات بل مُعضلات، وما تضعه أمام الرّاعين المسؤولين على صعيد كل المستويات مِن عقبات وتحدّيات.

  • ما حدود العلاقة بين الجنسَيْن؟

لعلّك تقصِد بالتّحديد العلاقة بين الجنسين في دائرة الشباب، وإلاّ فالحديث عن هذه العلاقة مفتوحة على مصراعَيْها لا حدود لها، ولا يمكن أن يجرأ على الحديث عنها مِن خلال الإجابة عن أسئلة محدودة معدودة أحد إلاّ تطاولا يتجاوز وُسْعه، أو تجاهلا لما لا يعدّ ولا يحصى مِن المسائل والشؤون التي تُخجل مُستطاعه، وتحرج ما لديه مِن بضاعة. وهي- أي العلاقة بينهما في إطار الشباب – مِن التشعّب والتعقيد بحيث لا يفضي الخوض فيها بلا ضوابط وقيود إلاّ إلى مَتاهة لا مخرج منها. نعم هي علاقة طبيعية ضرورية لا محيد عنها، ولا يعني التعامل معها بنعامية المتجاهل المتغافل إلاّ انتظار السيّء المسيء، كما لا يؤدي التعامل معها بأَنْعامية حيوانية شهوانية مُنحلّة، أو عُدوانية مختلّة إلاّ إلى الأسْوَء الوَبيء.

لذا وجب فتح هذه العلاقة وسدّ بابها بضوابط الشرع لا الهوى، وحدوده، لا بمنطق العنف الذي لا يأتي بخير، أو منطق الضعف الذي يأتي بالشرّ.

فالشّباب بطبيعة جسمه المتنامي، وطاقته المتزايدة مصدر انجذاب، واشتهاء، واندفاع، وانفعال إن تركْتَ له الحبل على الغارِب، وإن فرضْتَ عليه الحجر والوصاية فهو إلى انكسار، وانزواء، وانطواء، وانكماش.. أو إلى تمرّد، وتنطّع، ومروق، وفسوق، وفجور. فلابد من التعامل معه -ذكراً كان أو أنثى- بحكمة التسديد والتقريب، وأن تضعه أمام خيارات لا قرارات. يقول الإمام المجدد رحمه الله: “لا تُمْلِ عليه (أي الشباب مِن صلبك أو رحمك، أو مِن صلب غيرك أو رحمه) فإنّك إن أملَيْتَ عليه ذهب معك مُنكسرا مقهورا، وهذا لا يبني شخصيّته، أو ردّ عليكَ أمرك، أو فرَّ منك إلى حضن دافئ لم يجده عندك“، وكم مِن حِضْن حارق لا مجرد دافئ ينتظر شبابنا إن لم يجد الدافئ عندنا، فإذا هو –ذكراً كان أم أنثى– يرتمي في أحضان تمدّه بدفء الرّماد الذي تحته حارقة، وترضعه لِبان السُمّ في دَسم الحِوار المطَعّم بطعم التغرير والإغواء والكفر والجحود والإلحاد والإنكار وغيرها مِن السّبل غير السوية بل المنحرفة المارقة. والمسؤولية تقع أول ما تقع على الوالدَيْن إهمالاً تحت يافطة الانشغال عنهم بالعمل، أو بالدعوة أو بغيرها من المبررات، فمُهَوِّدٌ للفِطرة أو مُمجِّس لها أو مُنصِّر، أو مُوغِل ومُغالٍ في الحِرْص عليهم، وإحصاء أنفاسهم وتتبع خطواتهم، والتجسّس على اتصالاتهم وصِلاتِهم، وحركاتهم وسكناتهم، في خلواتهم وجلواتهم فمُزعج ومحرج ومحوّج إياهم للتكتم، والتمرّد، والتدمّر. كما يتقاسم هذه المسؤولية كلّ الرّعاة الذين يمكن اعتبارهم شركاء مُتشاكسين مُراهنين على الشّباب وعلى رأسهم النّظام بمؤسّساته المصلحية النّفعية. ومنهم مَن هُم خارج النّظام بوضعهم هذه الشريحة المهمة مِن شرائح المجتمع خارج تغطية الاهتمام، ودائرة الإسهام في التنظير والتنوير مِن أجل التأطير فالتغيير، أو داخل تغطية قاصِرة مُرتجلة مُبتذَلة، ودائرة مُثقلة مملّة منفّرة غير مجدية ولا فعّالة.

  • كيف يمكن تأطير هذه العلاقة للوقوف أمام انحراف محتمل؟

 الانحراف واقع ما له مِن دافع إن غاب سياج الشرع وساد الهوى وسيطر، وللشيطان خطوات أولها يُفضي إلى آخرها، لأن مسلسل التّساهل والتّنازل لا نهاية له. فهو كُرَةٌ في مُنْحَدَر، وغاز ينتظر شُعلة عود ثقاب لينفجر ويدمّر.

والتأطير يبدأ بالتذكير “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ” ذكّرْهم بالذي يهدي للتي هي أقوم وأسلم وأغنم؛ بالقرآن الذي هو رحمة وهدى ونور، وفرقان وموعظة وشفاء لما في الصدور “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ“، وغالبية شبابنا مؤمن يحتاج إلى يد تنفض عن فِطرته الرّماد الجاثم عليها فإذا بجذوتها تتّقِد مِن جديد، وبعد التذكير إنذارٌ وتحذير “فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” وقد أعذر مَن أنذر، وبعد التذكير والإنذار والتحذير الذي قد ينوب مَنابك فيه غيرك ما دامت المعاشرة حجاباً إلا أن تكون صديقاً حميما شافعا، وناصحا أمينا، أو كبيرا سِنّاً وسِرّاً محترما مؤهّلا للتوجيه بفكر رشيد، وقول سديد، أو كتاب مفيد، أو شريط وَدود، أو أيٍّ مِن الوسائل والسّبل الوافية بالمقصود.

طالع أيضا  ذ. الخنوسي: الشباب المغربي لم يقبل سياسة الهامش وكسر حاجز الخوف

ما هي النصائح التي يمكن تقديمها لعلاج حالات بلغَت مستويات غير حميدة في العلاقة بين الجنسين؟

أخي الكريم قديما قيل: “الوقاية خير مِن العلاج” وهناك مقولة أخرى مِن نفس المشكاة: “لَأَنْ تَعْتَبِر بغيرك خير مِن أن تعتبر بنفسك” أو ما في هذا المعنى، فَلَأَن تتّقي المرض خير مِن أن تضطرّ لعلاجه؛ فقد يصعب علاجه، أو يطول، أو يُكلّفك ما لا طاقة لك به، وقد يتعدّاك المرض إلى غيرك فيوسّع مِن دائرة المصابين ببلواه أباً كان أو أمّا أو إخواناً أو أقارب أو أصدقاء وهلم جرّا.

فلذا لزم أن يعتبر الوالدان أساساً -وهما الرّاعيان المسؤولان أوّلا على فطرة الشاب ابناً وبنتاً- بغيرهما قبل أن يعتبرا بأنفسهما عندما تحلّ النازلة بمنزلهما وأبنائهما -لا قدّر الله- لهذا قلنا مِن باب الوقاية خير من العلاج: التذكير أولا ثم الإنذار والتحذير فالدعاء، وإن كان الدعاء هو وقاية وعلاج في الأول والآخر، وهل يغيّر القضاء إلاّ الدّعاء؟!. يقول الإمام المجدد رحمه الله في شأن معاملة الشباب عموما، ومعاملة أبنائنا منهم خصوصاً: “الرفق ثم الرفق ثم الرّفق، فالحوار الهادئ الهادف الباني، فالقدوة الحسنة، ثم رَبِّ أبناء الناس واحتضِنْهم يُقَيِّض الله لأبنائك مَن يُربّيهم ويحتضنهم، فالدّعاء ثم الدّعاء ثم الدّعاء؛ والدّعاء هو العبادة، والدعاء هو مخ العبادة“.

كما لزم أن تتمّ توعية الشباب بمخاطر العلائق السائبة والمائعة والمفتوحة على أكثر من خطوة من خطوات الشيطان: “نظرة فسلام فكلام فموعد فلقاء”؛ حيث اللقاء نزوة فشهوة فما لا يحمد عقباه في دنيا الشاب –وخاصة الشابة- وأُخراه.

وهنا لزم أن نضع نصب الاعتبار ما يَكْمُنُ في بعض العوامل والوسائل مِن أخطار وأضرار لأن الشارع الحكيم لم يقل “لا تزنوا” بل: “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا” ذلك أنّ القرب مِن الزّنا يؤدي إليه كالرّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه…، وعلى رأس هذه العوامل والوسائل المتاحة في زماننا بشكل كبير ومؤثّر ومُثير ومُبير:

أولاً: وسائل التواصل الاجتماعي التي دُسّت في بيوتنا بغفلة منا وسذاجة وعدم اكتراث أو لا مبالاة فَدَسَّت لِصّا يسرق مِنّا أبناءنا وبناتنا فإذا البيت جُزرٌ متفرقة، وذات جماعية متشظّية وممزَّقة، وعناصر متنطّعَة مارقة ومنغلقة غارقة في مستنقعات موبوءة، ومتاهات لا مخرج منها، كما دسَّت جاسوسا يحصي الأنفاس ويكشف العورات، ويثير النعرات، ويوقع العداوة والبغضاء بين الشباب من ذكور وإناث، أو يفتح باب الاحتمالات على مِصْراعَيْها ليكون المبتدأ مُعَبِّداً الطّريق نحو خبر مُدمّر، أو مُضِرّ أو لا يسرّ على أقل تقدير.

ثانياً: وسائل التواصل والفُرجة الجماعية داخل البيت (التلفاز مثلا) وخارجه (السينما جدلا)، والتلفاز أخطر وأدهى وأمرّ لأنّه في عقر الدّار ويجمعك مع الراعين المسؤولين عن رعيتهما وهما الوالدان، فإذا جلس الجميع ليتفرّجوا على المنكر، دون التناهي بل التآمر والتواطؤ كان ذلك مَدْعاة للتطبيع معه، ونزول لعنة المؤاكلة والمشاربة والمشاركة في الإثم على الجميع والعياذ بالله. فلا تعلم ما أُخفي لهذه الأسرة من مُنتظَر لا يُحمد لها، ومُتربّص بها لا ندري متى يفاجئها بمصيبة، أو يجرّها إلى أحوال كئيبة أو ظروف عصيبة، وأمام أعيننا مصارع القوم الذين هانوا فسهل الهوان عليهم، أو استهانوا واستكانوا فانتهى الوبال إليهم.

طالع أيضا  رغم الواقع الصعب.. عقول مغربية تسطع في سماء العالم

ثالثاً: الرّفقة السيّئة، وهي أحد أكبر الجسور للعبور نحو مختلف أنواع الفجور من زنا ولواط ومخدرات وهدر مدرسي، وتسيُّب وضياع وغيرها من المآسي ولا مَن يأسو ولا مَن يواسي. والمرء على دين خليله، فلينظر أحدنا مَن يُخالِل أبناءنا؛ فالرفقة الصالحة للخير هادية، والرفقة السيئة بالشرّ مُعدية.

رابعاً: الحوار غير الشرعي، وغير المتساوي الأطراف، مِن محاور متهوّر، أو غير كيّس ولا فطن ولا حذر، أو غير مؤهَّل للحوار والمناظرة إما في خلوة فاسدة مع شياطين الجن لقوله تعالى: “وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ”. والحوار مع أصحاب الأفكار الإلحادية والتشكيكية والعلمانية المنحلّة، والإرهابية العُنفية المختلّة، والسفسطائية الغوغائية العبثية المبتذلة، والجدلية المِرائِيَة المُعْتلَّة كلّ ذلك وغيره مما يجري مجراه ملوّثات شيطانية نفسية تستهدف الشباب بسِهام مَسمومة فتحيله شاكّا متشكِّكا، أو خائفا حزينا بائسا يائساً، أو مهزوما مهموما مغموماً، أو ضالاّ تائها مُكبّا على وجهه ضائعا مخذولا مُحْبَطا مُحَطَّماً لقوله صلى الله عليه وسلم: « ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلَّا أوتوا الجدَلَ» (رواه ابن ماجة في سننه)، هذا في الخلوة لأنّ الشيطان يصطاد في الماء العَكِر… ويستدرج أولياءه مخوِّفاً ومحزّنا ومغرِّرا وهو الغَرور، فإذا شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وكم من شاب وشابة كان في ذلك الحوار مصرعهما، وفي الحَوْم حول حِماه مرتعهما، وفي الدخول في أجوائه غير المعقمة، وبيئاته غير البريئة بل الموبوءة، وغير المسيّجة بل المفتوحة على مصراعيها بدعوى التعايش، والتواصل والتعارف والتعرّف على الغير ولو كان حراميا، وعلى المختلِف ولو كان حراماً، وما إلى ذلك من المبررات الواهية، والمعاذير النفسية المتخذة ذريعة ومِظلة، للدّخول في مَتاهات وتَفاهات وتَهافتات لا حصر لها ولا حدّ، ولا حلّ لها ولا صَدّ.

خامساً: هناك أمر لا بد أن نذكّر به، وأن نجعلّ كل طرق التفكير والتعبير والتنظير والتأطير تؤول إليه؛ وأعني به الحرص كل الحرص على أن يفهم شبابنا كليات الأصول التي بدونها لا قبول ولا وصول:

1-العبودية: تحت شعار “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” قال ابن عباس رضي الله عنه: “إلاّ لِيَعرفون“؛ تلك وسيلة وغاية لمن أراد أن يمضي سويّا على صراط مستقيم. والشاب الناشىء في عبادة الله حبيب الرحمن، ومن سبعة الظلّ يوم لا ظلّ إلاّ ظلّ الله.

2-الاتباع: فالحِرْصَ الحِرْصَ على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” وكل سُنّة نبوية تَفُكّ عنّا عقدة شيطانية؛ فإما هي عقد تقيّد شبّاننا وشابّاتنا أو سُنن تحرّرهم مِن دعوة بل دعوى أعداء السنّة أدعياء البدعة؛ فلا مَقالَ ولا مَقام عند من يحارب مَن قوله صواب فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى، ومَن أفعالُه وأحواله وتقريراته مفاتيح للخير، والمخالفة عنها مما يؤدي للفتنة والعذاب في دنيا العمل وغد الحساب، فلا مَنَّ ولا سلْوى.

3-الصحبة: فالصحبة مفتاح، «وإنّ مِن الناس مفاتيح للخير مغاليق للشرّ» (رواه ابن ماجة في سننه). “وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ” واستَهْدِ مولاك صراط “الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا” في الدنيا ويوم الدين؛ في دنيا الجهاد وآخرة المعاد. أُثِر عن الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّه كانَ يُقْبِلُ عَلَى الشَّابِّ فيَقُولُ لَهُ: “يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَسَلْنِي حَتَّى تَسْتَيْقِنَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَنْصَرِفْ عَلَى الْيَقِينِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَنْصَرِفَ عَلَى الشَّكِّ” (رواه البيهقي في شعب الإيمان). صدق سعيد رضي الله عنه. فالصحبة مَعينٌ للعلم والفهم والعزم، والذكر والصبر واليقين والشكر، ومُعين على إحكام أركان الإسلام أساس البنيان، وتقوية جدران الإيمان، وبلوغ سقف الإحسان.

طالع أيضا  د. الونخاري: الشباب ملزم بمقاومة مشاريع التخريب في مواجهة تخلي مؤسسات الدولة عن أدوارها

4-الجماعة: لا تدَع شابا أنجَبتهُ أو صاحَبْتَه إلاّ دعوته إلى الجماعة حضنا دافئاً، وحِصْنا قويّاً، وملاذا أمينا على حِفْظِه مما يتهدّد الغنم القاصية. فواجب لازم أن تصحبه إلى مجالس العِلم والإيمان وإلاّ احتضنَتْه الأيادي غير المتوضّئة، واحتوشته الشياطين المتربّصة، وأصبح فيئاً يُنتهب، وهدفاً يُرمى من قِبَل الأنظمة المستبدّة، والتنظيمات الفاسدة.

دُلَّ الشاب والشابّة على فكرة، ناولهما مشروعا، اشغلهما بعلم نافع، وعمل صالح في بيئة تنافسية شريفة وإلاّ فمن يُنافسنا على الشباب له مِن الأموال القارونية، والوسائل السّامِرية عديد ومتنوّع وفعّال، مُؤثِّر ومُغَيِّر بمختلِف اللغات، وفي مختلِف القنوات والفضائيات والفضاءات ما لا يحصيه إلاّ البصير بالعباد،  وما لا يَقينا شَرَّه ويَرُدُّ قَضاءَه إلاّ الدّعاء مع استغلال المتاح مِن الأسباب، وطَرْقِ المُمكِن من الأبواب، ولا شيء يستحيل على القادر الوهّاب؛ فـــ «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ»(رواه الطبراني رحمه الله). ومن جدّ وجد، ومن زرع حصد، ومَن فقد الله فما وجد، ومَن وجد الله فما فَقَد.

5- الإرادة: يقول الإمام المجدّد رحمه الله: “ثلاثة لا يُخطِئن في تمييز الرّجال مِن أشباه الرّجال -وبالضِّمْن مَن له قابلية للرّجولة، ومَن لا قابِلية له لنشدان وتشييد بُنيان-؛ الإرادةُ ولا يعرفها إلاّ ذو الفِراسة والنّور، والضّبط والإنجاز وهُما وَجْهان لعُمْلة حُسن تدبير الأمور، وحُسن الخُلُق وهو دليل إلى خيرات، ومُنجٍ مِن كثير مِن الشّرور“.

ولذا وَجَب أن يُعهد بتربية الشباب وتعليمهم إلى ذي فراسة ونور حتى يُميّز بين ذوي الإرادة الفأرية اللصيقة بالأرض وما تحتها، والإرادة الدّجاجية المحدودة المسقوف وُسْعها، والطيرية النحلية العالية والفسيح فضاؤها، والطيّب أُكلها وما يخرج منها، لا تَقِف على غصن نَخِرٍ إلا أظهرت خفّة ورفقا، ولا تلتمس إلاّ الطيّب رحيقا ورزقا، وهي في خليّة أي جماعة لها مصحوب أي يعسوب تتألف حوله القلوب، ولها شوكة تُدافع بها عن نفسها وخليتها وعَسلها الذي أنتجته بعد أن أكَلَت مِن متعدّد مِن الأشجار والأزهار والثّمار والأعشاب النافعة غير السامة وأخرَجَت مِن بَطْنِها الواحِدَ المُتَفرّد دليل إبداع لا تقليد ولا اجْتِرار ولا جمود، شرابا فيه لذّة وتنوع وشفاء، لهذا أوحى الله إليها ولم يُوحِ لسواها مِن الطّير، وجعل لها أزيزا يدلّ عليها، إعلاما وإشعاعا وصوتا مَهيبا مسموعا مرفوعا، وشبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بها، وحثَّ العارفون بالله أن يتشبه المؤمن بها:” كُنْ كالنّحلة في الطَّيْر“، وجعل منزلها في الجبال قوّة ومنعة، ومنزلتها في عروش النخل عُلُوّا ورِفعة، وجعل لها في القرآن سورة هي سورة النحل، وذكر فيها الحقّ سبحانه أجمع آية في القرآن كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان“.

جعل الله شبابنا مِمّن يأتمر بأمر الله عدلاً وإحسانا، ويؤتي ذا القربى حقه صدقا وبرهانا، وينهى مع مَن ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وعظاً وذكرى، وقومة وأَطْراً على الحقّ نصْراً لله، ونِضالا في سبيل الله والمستضعفين تلاميذ وطلابا، وشابات وشُبّانا، وبلاغا وبيانا، إعلاما وتعليما، وتكوينا وتأهيلا، تربية وتنظيما وزحفا، زرافات ووحدانا. 

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه ومَن صحب مَن صحِب، ورأى مَن رأى سلسلةً نورانية ذهبية لا ينقطع لها خبر ولا ينمحي لها أَثَر في الدنيا ويوم الدّين، والحمد لله رب العالمين.