بقلم: ثورية البوكيلي

إن طبيعة نمو الإنسان في مختلف جوانبه النفسية والفكرية والبدنية، وعلى تعدد مراحل عمره، ترتبط ارتباطا وطيداً بمحيطه، والإنسان يستأثر من بين المخلوقات بهذه الخاصية التي تتجلى في استعداده للتأثر. وتكاد تُجمع الدراسات الاجتماعية والنفسية على أن أخصب مراحل عمر الإنسان وأكثرها قابلية للتربية هي مرحلة الطفولة والشباب. ولئن كان الطفل منذ سن التمييز، يبدأ لديه الاستعداد للتعلم فإن الأبوين يضطلعان بالدور الأكبر في تربية أبنائهما التي تبقى آثارها أمداً طويلاً، ويفوق دورهما الأدوار الأخرى التي تناط بالمدرسة والمجتمع والبيئة كمّاً ونوعاً، مرات عديدة. ويمكن تلخيص مسؤولية الآباء تجاه الأولاد على ضوء حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟”.

 وعليه، إن الهدف الأسمى الذي يجب أن نسعى إلى تحقيقه هو تربية الطفل “لتكوين مواطن قوي في جسمه، مكتمل في عقله، مستقيم في سلوكه، نافع لنفسه ولمجتمعه”. ولإتمام العملية التربوية لابد من توافر مجموعة من العناصر التي تقوم فيما بينها علاقات تفاعلية، وكذلك لتهيئة جيل متعلم يساير ركب التطور العلمي والثقافي، قادراً على خدمة مجتمعه، وطامحاً إلى مستقبل زاهر مملوء بالإنجازات والنجاحات.

وأولى هذه العناصر: الكمال الوظيفي. يقول الإمام المجدد رحمه الله: فإن كمالَ المرأة الوظيفي وكمال الرجل، أبوَين مسؤولين مُرَبيين، هو غاية ما يراد منهما تحقيقه حفظا لفطرة الله، ونشراً لرسالة الله، وخدمة لِأمة رسول الله. ما يرفَع المرأة إلى القداسة إلا أمومتها، وما يرفع الرجل إلا أبوته، يُذْكَر حقهما بعد حق الله مباشرة في قوله تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً1.

كلام نفيس يلخص لنا معاني الأبوة والأمومة وشروط استحقاقهما. وهذا نداء قوي للوالدين للسعي للارتقاء بمهمتهما في تربية أبنائهما تحقيقا للكمال الذي يتطلب إتقان وظيفتهما. وهذا مقام من مقامات الإحسان، ولبلوغه لابد لهما أن يستوعبا أن من مسؤولياتهما الجسيمة:

–      حفظ الفطرة: الفطرة في القرآن والسنة معناها الاستقامة على الدين، وعلى الإخلاص لله عز وجل. الطفل في نشأته السليمة يعبد الله عز وجل ويسبح بحمده، فهو على الاستقامة الفطرية الأولى التي تعبر عنها الآية الكريمة في قوله عز وجل آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا”. ومن أعظم ودائع الفطرة، الإقرار بتوحيد الله سبحانه وتعالى وتفرده في الخلق والأمر. ومن هنا، كانت الفطرة تحتاج إلى الحفظ الدائم من طرف الوالدين لأن “الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يمال إليه، فإن عوِّد الخير نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عوِّد الشر وأًهْمِلَ إهمال البهائم، شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه2.

–      رعاية الجسد: يهتم الإسلام بتهيئة الطفل كي يكون في بدنه سليماً، وفي بنيته الصحية خالياً من الأمراض، حتى يكون قادرا على مواجهة أعباء الحياة ومشقاتها قوة وحيوية. وقد رسم الإسلام منهجا علميا في تربية الأبناء جسميا يتمثل في وجوب النفقة على الأهل والولد وإتباع القواعد الصحيحة في المأكل والمشرب والنوم وغير ذلك. ولعل أهم ما يجب رعايته حواس الطفل لأنها أثمن ما في جسمه، و”لأن بها يتصل بما حوله ومن حوله. وبواسطتها يكتسب المعرفة ويكون إنسانا فإذا كانت التربية الجسمية فإنما يجب أن تبدأ بالحواس. والحواس بحكم تركيبها ووظيفتها الدقيقة التي تؤديها سريعة العطب إن لم تجد العناية الكافية. وأول العناية النظافة3.

–      التأهيل العام: من أدوار الآباء الجوهرية صناعة الكثرة النوعية الفاعلة في المجتمع، وهذا يستلزم منهم الحرص على تنمية مهارات أطفالهم العقلية والنفسية منذ الصغر؛ التي تساعدهم على اتخاذ قرارات مدروسة بعناية، والتواصل بفعالية مع الآخرين، وتنمية مهارات التأقلم مع الظروف المحيطة بهم. لأن “من أهملَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنّما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدّينِ وَسُنَنَه، فأضاعوها صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَارا4.

طالع أيضا  استقراء آي القرآن الكريم قاطع بإلغاء العقلية الذكورية وإنصاف المرأة

أي تربية نريد؟ ولأي جيل؟

يحمل الآباء رسالةً وواجباً، واجب جمع الناشئة على الله، وتأصيل نية باعثة في نفوسها وعقولها وهممها، نية طلب وجه الله عز وجل، واجب مسك يد الطفل واستلامه برفق وحب ومسؤولية أخلاقية، واجب تدريب وتعليم اليافع وصقل قدراته العقلية ومهاراته ومواهبه، واجب احتضان الشاب وتحرير إرادته. لذا فهم مطالبون بإحكام وظيفتهم، خاصة وأن هذا الجيل ناشئ في فوضى التشتت والتميع واللامسؤولية.

وعليه، فإن من واجب الآباء ولزاما عليهم تربية أبناء أسوياء نفسيا قادرين على مواجهة المجتمع والتكيف معه، بل والاندماج فيه وتقديم الإنجازات. ولتحقيق هذا الأمر، فقد خطّ لنا الإسلام طريقاً قسم فيه أسس التربية على حسب المرحلة العمرية؛ فالطفل نفسه يختلف في سلوكه وتصرفاته في كل مرحلة ما يستدعي مرونة من الوالدين ووعي بكل مرحلة ومتطلباتها.

التعامل مع الاطفال … تلقين وتعليم

يتحدد المعنى اللغوي لمرحلة الطفولة بالفترة الزمنية بين ولادة الإنسان طفلاً حتى وصوله إلى مرحلة البلوغ. وتعد رعاية الطفل في هذه الفترة وتنشئتها استثمارا لحياته. كما أن أهمية هذه المرحلة تكمن في اعتبارها مرحلة تأسيسية تبنى عليها مراحل النمو الأخرى، ومن خلالها تنشأ القدرة على التعلم والتحكم في جوانب النمو المختلفة الجسمية، والعقلية، والنفسية. ومما يؤكد على أهميتها إشارة النصوص القرآنية إليها في قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا ُشيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْل وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مسمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ“. وتختلف أساليب تربية الأبناء حسب أطوار هذه المرحلة.

–      تلقين الطفل: في السنوات الأولى (من السنة الثالثة إلى السابعة) من عمر الطفل، يكون بحاجة إلى الحركة والاستطلاع ويكون لديه حس الفضول، مما يدفعه إلى الابتكار في الكثير من الأحيان. على الوالدين مساعدة الطفل على الحركة وتنمية مهاراته الاستكشافية والإبداعية وعدم كبتها حتى لا تؤثر على الطفل سلباً فيما بعد. وهو “في حاجة إلى الجو الذي ينمي فيه مواهبه، ويبرز شخصيته، في حاجة إلى اختبار قوته ومعرفة حدودها. وهذا الجو المناسب لنموه هو جو الحرية والانطلاق الجو الذي يقدر فيه الطفل على ممارسة الأعمال المشروعة التي تستفرغ نشاطه، بحيث يعبر عن نفسه تعبيرا حرا، ويتناول الأشياء ليركبها ويحللها كما يشاء5.

لكن عندما تتعارض هذه الحرية مع مصلحة العامة وتمس بحقوق الغير، كان لابد من سلطة تحد من حرية الطفل. ولا نقصد بالسلطة التسلط والسيطرة، لما لهم من آثار سلبية على الطفل. ويمكن تلخيص معالم هذه السلطة في أمرين إثنين: أولهما مخاطبة مشاعر الطفل لا عقله، لأنه عاطفي يتأثر بالمشاعر أكثر من الكلام العقلي المنطقي، لذا فإذا أردته أن ينفذ أمراً أو أن يبتعد عن شيء يؤذيه خاطب مشاعره بعناق أو بقبلة على جبينه مع الكلمات الطيبة. وثانيهما، تنمية خيال الطفل وقدراته الإبداعية باستخدام ألعاب الذكاء والوسائل التعليمية المختلفة التي لها دورها الكبير في تنشئة الطفل تنشئة مختلفة عما نشأنا نحن عليها. استخدام هذه الوسائل ينمي قدرات الفرد ومهاراته.

  –      تعليم الطفل: تعتبر هذه المرحلة (من السنة السابعة حتى الثانية عشر) أساسية في حياة الطفل، بحيث ينمو في عدة نواحي، بالإضافة إلى تميزها بدخول الطفل إلى المدرسة وبالتالي نمو وتطور الجانب الاجتماعي والنفسي له. لهذه الاعتبارات، فالطفل يحتاج في هذه الفترة إلى تقويم سلوكه لأنه الآن أصبح مدركا لتصرفاته، فيمكنك البدء في التوجيهات المطلوبة لهذه السن ونصحهم وإرشادهم، وحثهم على ما يجب فعله وما لا يجب فعله.  وعلى الوالدين أن يحرصوا على تقديم أنفسهم كنموذج يحتذى به لأبنائهم فلا يحثوهم على فعل الصالح ويفعلون هم عكس ذلك، لأن ذلك سيؤدي حتماً إلى عدم تصديقهم. وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: “ما نحل والدٌ ولدًا مِن نحْلٍ أفضلَ من أدبٍ حسنٍ“.

طالع أيضا  مقدمات في الرقي بالقيم التخاطبية.. نحو أسرة متواصلة

لهذا وجب على الوالدين تحبيب الطفل الأفعال الحسنة وتجنيبه الأفعال القبيحة، واتباع الأساليب المختلفة لتحقيق هذين الأمرين بالترغيب تارة والتحذير تارة أخرى، وبالثناء حيناً وبالتوبيخ حيناً آخر، وبالتودد تارة وبالإعراض عنه تارة أخرى، وعليهما أن يستخدما ذلك كل في مقامه. ويتحقق هذا الأمر عبر التعليم والتلقين، ونبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم قد اعتمد هذا الأسلوب كأصل في دعوته وتربية أصحابه. وهذا التعليم منه ما يكون مرتبطا بمناسبات تقتضيه، ومنه ما يكون مبدأ مستقلا عن المناسبات، ومن هذا التعليم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس لما كان راكباً معه على دابته: “يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ“.

  التعامل مع المراهق… احتضان وصحبة

تعد مرحلة المراهقة منحنى خطير في حياة الفرد، حيث ينتقل فيها الطفل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة جديدة، “يكون المراهق أثناءها كثير القابلية للانفعال، وشديد الإقبال على تدبر أمره وأمر الناس، حريصاً على أن يحدد نفسه بالنسبة للآخرين6. وتعد من أهم الفترات في حياته، فهي بمثابة ميلاد جديد، يشهد الفرد في هذه الفترة مرحلة انتقالية يساورها القلق والحرج، وتعد هذه الفترة من العمر مصدر قلق وإزعاج للآباء والأمهات، فتكثر بها المشكلات التي تعكر صفو الحياة، ولذا وجب على الآباء والأمهات أن يمتلكوا الحد المطلوب من العلم والمعرفة التربوية لكيفية التعامل مع مشكلات هذه المرحلة حتى تمر بسلام. لهذا وجب على الآباء: 

–      احتضان المراهق: ولتحقيق واجبات النمو وحاجات المراهق في هذه المرحلة، على الوالدين تهيئة ابنهم المراهق لدخول هذه المرحلة، وتجاوزها دون مشاكل، ويمكن أن يتم ذلك عبر إعلام المراهق أنه ينتقل من مرحلة إلى أخرى، فهو يخرج من مرحلة الطفولة إلى مرحلة جديدة، تعني أنه كبر وأصبح مسؤولا عن تصرفاته، وأنها تسمى مرحلة التكليف؛ لأن الإنسان يصبح محاسباً من قبل الله تعالى. وأيضا يجب إخباره أن هناك تغيرات جسدية، ونفسية، وعقلية، تحدث في بنائه، وأن ذلك نتيجة للانقلابات التي تطرأ على الطفل المراهق، لتهيئه وتنمي قابليات جديدة فيه، فهو لم يعد طفلا يلعب ويلهو، بل أصبح له دور في الحياة.

–      صحبة المراهق: تدعو الضرورة والحاجة إلى مصاحبة الولد كي يأخذ من والديه مكارم الأخلاق ويتعلم منهما كيفية التفاعل مع المجتمع. فيصبح الولد راشدا ناضجاً. وتتحقق هذه الصحبة عبر التفهم الكامل لما يعاني منه المراهق من قلق وعصبية وتمرد، وامتصاص غضبه؛ لأن هذه المرحلة هي مرحلة الإحساس المرهف، مما يجعل المراهق شخصا سهل الاستثارة والغضب، ولذلك على الأهل بث الأمان والاطمئنان في نفس ابنهم. ثم تأتي في المرتبة الثانية إشاعة روح الشورى في الأسرة؛ لأن تطبيقها يجعل المراهق يدرك أن هناك رأيا ورأيا آخر معتبراً لا بد أن يحترم، ويعلمه ذلك أيضاً كيفية عرض رأيه بصورة عقلانية منطقية، ويجعله يدرك أن هناك خطوط حمراء لا يمكن المساس بها، منها على سبيل المثال: الدين، والتماسك الأسري، والأخلاق والقيم.  

التعامل مع الشباب … حضور وإشراك

تبقى مرحلة الشباب متميزة ومستأثرة عن كل المراحل العمرية، ففيها يحس الشاب بأول لحظة للانطلاق في الحياة والانفتاح عليها، والتحرر التدريجي من سلطة الأسرة وتكوين شخصية مستقلة عنها، وتكوين العلاقات مع الآخرين. وأبرز ما في هذه المرحلة والتي توصف بالفترة الذهبية اكتمال النمو والنضج الفكري وتكامل النمو الجسمي. وبما أن الشباب هم عصب الأمة وموضع آمالها، فهم بحاجة إلى توجيه تربوي يقوم على دعائم البصيرة والوعي، والتمسك بآداب الدين والعلم والمعرفة.

–      حضور الشباب: ونقصد بحضور الشباب، التأكيد على دورهم الفعال في بناء الأسرة، جنبا إلى جنب مع آبائهم. وهذا لن يتأتى إلا إذا أفسحنا المجال أمامهم لتحمل المسؤولية، وذلك بالإيمان بمدى قدرتهم على التحكم فيما يواجههم من أحداث. وهذا الأمر يمكن الشاب من الإحساس بالفعالية والتأثير في ظروف الحياة المتنوعة، بدلاً من الاستسلام والشعور بالعجز عند مواجهة كوارث وطوارئ الحياة. وتربية الشباب على المسؤولية من أول الواجبات التربوية في البيت والمدرسة والمجتمع، والمسؤولية هي التي ترتقي بالشباب من عالم الغرائز إلى عالم المبادئ والقيم. وتنمية إحساس الشباب بمسؤولياته في الحياة يستمدها من خلال التنشئة التربوية التي مر بها، والمواقف التي استدعت منه دورا إيجابياً في حياته الخاصة والعامة. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أسامة بن زيد على يديه، ثم في سن السابعة عشرة يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وينفذ أبو بكر رضي الله عنه بعث أسامة فيتحمل المسؤولية ويمضي في مهمته ويعود منها محققا الغاية.

طالع أيضا  وقفات في عالم الطفولة مع الأستاذ عبد الله اسليكي

–      إشراك الشباب: إن امتلاك الشباب للكفاءات الخلاقة المبدعة، وما ينجم عـن إهمالهـا، وعـدم توجيهها ورعايتها بالشكل الصحيح، من هدر للإمكانيات، ومخاطر تهدد مستقبلنا، هو الذي يدعونا للتنقيب عن الطرق الناجحة لتأمين الظروف المناسبة لإتاحة الفرصة كاملة لأبنائنا الشباب للمشاركة في صنع القرار داخل الأسرة واتخاذه. وهذا الأمر الذي يهيئهم مستقبلاً للمساهمة الفعالة في نشاطات المجتمع المختلفة. وهذا يتحقق عبر الحوار البناء كأسلوب منطقي في حل المشكلات التي تواجه الأسرة، وتعطي هذه الطريقة الأبناء الشباب الحرية في طرح آرائهم ومقترحاتهم حول قضاياهم الشخصية والأمور المرتبطة بشؤون الأسرة وتتـيح لهـم المـشاركة فـي مناقشتها وفي اتخاذ القرار. 7.

ولنا في الحبيب المصطفى أفضل أسوة، حيث جلس عن يمينه يوماً الغلام عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وعن يساره أبو بكر فيشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يستأذن ابنَ عباس أن يناول الإناء الصديق يقدمه عليه فيرفض ابن عباس أن يؤثر بنصيبه من رسول الله أحدا، وإن كان يكبره في السن والفضل، فيتربى الغلام على الشجاعة الأدبية والجرأة في الحق، وهكذا حتى يصير حبر الأمة وترجمان القرآن.

وختاما  

مراحل عمر الإنسان تأتي متواترة. وكل مرحلة تعتمد على سابقتها استكمالا لما مضى وليست منفصلة بذاتها ولا مستقلة بأحداثها نتيجة لما يكتسبه الإنسان من خبرات وما يمر به من تجارب متنوعة. لهذا وجب على الآباء استثمار هذه المراحل إيجابيا، وذلك بتعميق إيمان أبنائهم بتعلقهم بالله عز وجل وبالدار الآخرة، حتى تتأصَّل في أكناف قلوبهم إرادة العمل الصالح، بناء العلاقات معهم بصيانة العدل وتغليب الإحسان الذي لا يكون العدل المطلوب معه سيفا يذبح، ولا سوء خلق يفضح، بل سماحة وتغاض عن العثرات، وكريم خلق يمدح. وأخيراً بناء الأمة بصناعة مستقبلها عبر تأهيلهم حتى يتقدموا بالدعوة قدماً، راسخا علمه بما هي المهمة، ثابتة أقدامه، متوكلا على ربه. وللنجاح في هذه العملية لابد أن يعي الآباء أن: “أجلُّ عملٍ وأعظم كسب ما عم نفعُه وامتد خيره ودامت إفاضاته. ويموت المرء والمرأة الصالحان فيبقى من كسبهما ما يُدِرّ البركات عليهما وعلى الناس، تطيب بغرسه حياتهما في الدار الآخرة، وتطيب بما زرعاه حياةُ الخلق هنا من بعدهما. ذلك إذا أنجبا ذرية صالحة موصولة الفطرة سليمةً حنيفةً بما رعَيا وربَّيَا8.


[1] تنوير المؤمنات ج:2، ص: 220.
[2] إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، ج 3، ص 70-71.
[3] عبد السلام ياسين، مذكرات في التربية، ص: 115.
[4] ابن القيم، تحفة المودود بأحكام المولود، ص: 229.
[5] مذكرات في التربية، ص: 90.
[6] عبد السلام ياسين، كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا، ص:47.
[7] ماجد ملحم أبو حمدان، طرائق التنشئة الاجتماعية الأسرية وعلاقتها بمدى مشاركة الشباب في اتخاذ القرار داخل الأسرة، مجلة جامعة دمشق–المجلد 27-العدد الثالث والرابع 2011.
[8] عبد السلام ياسين، العدل، ص: 308.