بقلم رجاء الحضري

يجد الباحث في تتبع تاريخ المرأة وتطور أوضاعها الاجتماعية عبر العصور الكثير من العقبات؛ باعتبار ما عمدت إليه المصادر من تعتيم أدوارها وتغييب تفاصيل حياتها، اشتركت جلها في منحى رام ذكر بعض نساء النخبة ممن انتمين إلى عالم الوجاهة أو العلم أو التصوف، دون الإشارة إلى نساء الهامش، اللائي يمثلن شريحة عريضة من المجتمع، كان لهن دور في حركية التاريخ باعتبارهن العمق المؤسس والمعبر عن الواقع الذي بهرج قشوره الإخباريون وجملوه برقوش كاذبة؛ سرعان ما تتصدع مع مقابلة معطياتها بما تطفح به الأجناس الفقهية؛ التي تسعف في إبراز حقيقة وضعية المرأة في مختلف المجالات، من خلال الإجابات الفقهية واجتهادات أعلامها المرتبطة بحوادث ووقائع عصرها.

ولعل أهم ما يستنبطه الباحث من تلك الأجناس صورة المرأة في الذهنية الفقهية، التي لا جدال في انعكاسها على ذهنية المجتمع بكل مكوناته، وهو أمر لا بد من الوقوف معه في ورقتنا هذه؛ بغية الفهم الرصين لما قدمته شخصية دراستنا.

صورة المرأة في ذهنية الفقيه

لا جدال  في أن الانكسارات التي شهدتها الأمة الإسلامية أحدثت شرخا عميقا على عدة مستويات، نذكر في هذا الصدد؛ ضياع الشخصية العلمية التي استقال عقلها وتفتتت علومها وانحصرت في فقه الفروع الجزئية؛ من خلال فتاوى دارت في حلقة ضيقة مقلدة [1]، أسهمت بشكل كبير في الحط من قيمة المرأة من خلال ترويج بعض النصوص وتأويلها في غير سياقها، والاعتقاد الراسخ بأنها معوجة “أصلا وفرعا” [2]، يجب الاحتراز من فتنتها ومنعها من ارتياد “مساجد الجمع والجماعات لأن ذلك مؤد إلى منكر يعظم خطره ويهيج شره؛ فيجب قطعه بما أمكن” [3]. وبعضهم لم يجد غضاضة من منع النساء الشابات من حضور مجالس الوعاظ خشية الفتنة “وسيما إن كان المسمع لهن شابا حسن الصوت طيب النغمة” [4].

طالع أيضا  دروس في فقه السنة النبوية.. المرأة بين القرار في البيت والمشاركة في تعبئة الأمة

واستنادا للقراءة السطحية لمجموعة من النصوص من مثيل قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله [5]، سرت النظرة المهينة للمرأة في الخطاب الفقهي النوازلي، معتبرا إياها عنصرا غير مكافئ للرجل وأقل شأنا منه مكانة وعقلا [6]، لذلك اعتبروا “تدمية المرأة على زوجها مائلة إلى الضعف، ولا يقام عليها القود بها لجواز ضربه لها للأدب لقوله تعالى: “واضربوهن”، وقد يأتي من الضرب ما يتصل بالموت فتسقط تدميتها، إذ قد يكون هذا مما أبيح له، إلا أن تكون قالت في تدميتها ضربني بسيف أو رمح أو سكين وبقي أثر الجرح شاهدا بذلك وتبين للشهود أنها لا يمكن الإنسان أن يفعلها بنفسه” [7]، وتكشف نوازل أخرى عن نساء “قتلن من غير موجب شرع” [8].

وعن اقتناع الفقهاء بجهل المرأة وسفهها ما تؤكده العديد من النوازل المنتصرة للرجل، دون اعتبار لحق المرأة أو إنصافها، من مثيل إفتاء أحدهم بقبول دعوى سفه زوجته التي أخذ أموالها غصبا؛ معللا رأيه “بجهالتهن فيما يرجع لصون الأموال وتنميتها، وأنهن لا يعرفن إلا سياسة البهائم، وتربية الأطفال، وصناعة الطعام” [9].

وعليه فإن تلك النظرة الدونية التي أسس لها الفقهاء، بناء على نصوص تم استقراؤها قراءة سطحية، لا ترقى في استكناه مغزاها وسياقها؛ انعكست بشكل تلقائي على عقلية المجتمع المغربي والإسلامي الذي تشبع بنفس التمثلات حول دونية المرأة.

في ظل هذا الواقع وبعيدا عما يشيد به بعضهم عن أدوار النخبة من النساء؛ باعتبار ما فرضه واقعهن الاجتماعي، نطرق أبواب الهامش الذي ظل مغيبا عن مؤرخي البلاط وإخبارييه، لنجول بين منعطفات تاريخ؛ رسمت المرأة المنسية حروفه بمداد من الألم والمعاناة.

طالع أيضا  «قضية المرأة في المنهاج النبوي».. محاضرة للقطاع النسائي بالدار البيضاء

وضعية المرأة القروية

إن لاذت الإسطوغرافيا الرسمية بالصمت عن وضعية المستضعفات من النساء، فإن الجنس الرحلي ومعه النوازلي يطفح بما يحتاج الحفر والاستنطاق الذكي وإعادة التحليل؛ لاستجلاء الصورة الحقيقية لما كانت عليه المرأة. وعطفا على ما وقفنا عليه في النصوص الآنفة؛ تشير أغلب الأجناس المصدرية أن المرأة البدوية كانت أهم مكون في الأسرة من ناحية الإنتاج، فهي إلى جانب عملها في البيت كانت تقوم بأشغال الزراعة والرعي خارجه [10]، فضلا عن حرصها على ترشيد وتدبير فاقتها المالية بنسج ملابس الأسرة، وصناعة الأواني الفخارية اللازمة [11]، بل وعلاوة على ذلك تقوم بأعمال الرجل من قبيل “بناء الفرن الطيني التقليدي لطهي الخبز وإعداد الأثافي لطهي الطعام، وفي بداية فصل الخريف، واستعدادا للتساقطات المطرية، تقوم النساء بإصلاح سقوف المنازل وذلك باستعمال الطين الذي يتميز بنفاذيته الضعيفة، ويقمن بتبليط الأرض، وصباغة الأسوار باستخدام التربة البيضاء” [12].

اطلع على بقية المقال في موقع مومنات.نت