اكتشاف الجينوم البشري

يعود بدء البحث في موضوع “الجينات” إلى سنة 1900، حين أعيد اكتشاف “قوانين ماندل” للوراثة. إلا أن العلماء أثبتوا وجود عوامل حاملة لتلك الصفات التي تحدث عنها ماندل؛ وهي “الجينات” التي تقوم بدور التوريث من جيل إلى آخر، سواء في الإنسان أو النبات أو الحيوان.

وقد اتضح للباحثين أن تلك الجينات محمولة على صبغيات داخل نواة الخلية. وتوالت الأبحاث لبيان علاقتها بالطب والأمراض في الإنسان. كما تطورت إلى البحث في صفات جديدة للإنسان واستبدالها بالأفكار الخيالية عند رجال الفكر مثل “السوبرمان” أو “الرجل الأخضر” أو غيرهما.

قال العالم “لانسوليت هوجين” سنة 1931: “إذا أمكننا أن نعثر على مثل هذه الواسمات الصريحة بكل كروموزوم، فسيتوفر لدينا طاقم من دلائل غير متحيزة يمكن بواسطتها أن نفهرس الجينوم البشري أو نرسم خريطة وراثية للإنسان بتعبير علماء الوراثة المحدثين”.

في الخمسينيات من القرن الماضي نشط البحث الوراثي على النبات والحيوان، ووصولا إلى الستينيات عرفت أعداد كبيرة من الجينات. وبدأ التفكير في دراسة الصبغيات في الخلية البشرية.

أما مشروع “الجينوم البشري” فقد بدأ في الثمانينيات على يد “روبرت سينسهايمر” و”تشارلز ليزي”. وفي منتصف العقد فاقت أعداد الجينات المرضية المكتشفة كل توقع. وتوالت الأعمال والنتائج حتى أعلنت الخريطة الجينية مع بداية القرن الـواحد والعشرين .

إن مستقبل علم الأحياء (البيولوجيا) مرتبط بقوة بالمعلوماتية البيولوجية. هذا المجال في الأبحاث يهدف إلى جمع مختلف أنواع المعطيات البيولوجية تحت أشكال رقمية في محاولة لفهم الكائنات الحية في مجملها واستخلاص العبر من ذلك. وستسمح هذه السياسة لعلماء البيولوجيا التجريبيين أن يتمموا ما توصلوا إليه من نتائج وأن يعيدوا ربطها بأعمال سائر الباحثين، عبر فتح المجال واسعا للحصول على المعطيات. ولكي يتمكن هذا المشروع – المثير على الصعيد العلمي والغني أيضا بالمقدمات الطبية من المضي قدما – يجب أن تكون المعطيات الأساسية في متناول الجميع لكي يتمكن كل واحد من تفسيرها وتعديلها ونقلها على غرار نموذج “المصادر المفتوحة” في مجال العقول الإلكترونية.

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي.. ما مفتاحه (6)

يعتبر اكتشاف الجينوم البشري من أهم الاكتشافات العلمية الحديثة التي أحدثت ثورة في عالمي البيولوجيا والطب، اللذين وظفا أحدث التقنيات التكنولوجية لاكتشاف خبايا الخلايا والجزيئات.

يضاف إلى الفوائد العلمية والتقنية العديدة لاكتشاف الجينوم البشري، البعد الإيماني الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن يدرك شيئا من عظمة الخالق العظيم، وإبداعه في صنعه في خلقه، لأن الخلية، وهي أصغر وحدة تركب الجسم، من أعظم دلائل القدرة الإلهية.

اشترك في إنجاز هذا المشروع أكثر من 1600 عالم من 16 دولة وهي أستراليا والبرازيل وكندا والصين والدانمارك والاتحاد الأوربي: فرنسا وألمانيا وإسرائيل وإيطاليا واليابان وكوريا والمكسيك وهولاندا والسويد وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ومن المثير للدهشة والاستغراب أن هذه الفرق الدولية لا تضم أي قطر عربي بينما يسجل حضور الفريق الإسرائيلي!

ولعل التصريح المشترك للرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” ورئيس الوزراء البريطاني “توني بلير” عن الانتهاء من فك رموز وجدولة كامل المخزون الوراثي البشري تقريبا، بتاريخ 26 يونيو 2000، يحمل أكثر من دلالة ذات أبعاد في الزمان والمكان:

البعد التاريخي؛ يتجلى في اختيار توقيت الإعلان (26يونيو 2000) بداية الألفية الثالثة.

البعد الاستراتيجي؛ يتجلى في تأسيس الشق الثقافي للنظام العالمي الجديد، المهيمن على عالم صنف “بالعالم الثالث” من طرف قطب متمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

وقد تم هذا الاكتشاف من خلال دراسات مكثفة وتعاون استمر عشر سنوات بين عشرة من أكبر المراكز العلمية في العالم. حيث تم التعرف على حوالي 97 في المائة من الشفرة الوراثية، بينما 3 في المائة المتبقية مشروع يمكن استكماله قريبا…

وصف العلماء هذا الاكتشاف بأنه أكثر أهمية من هبوط الإنسان على سطح القمر، وأنه الإنجاز العلمي الأضخم الذي يستقبل به العالم الألفية الجديدة، حيث أنفق عليه حوالي 350 مليون دولار.

سئل الدكتور أحمد مستجير رحمه الله؛ وهو أحد كبار العاملين في هذا المشروع العلمي، فقال:”لقد رقمنا صفحات كتاب – من حجم دليل الهاتف- ولا ندري حقيقة المكتوب فيها. فالمشروع هو إذن رسم خريطة مفصلة للجينوم البشري. ولو شبهنا هذا الجينوم بالكتاب، فإن هذا الكتاب عبارة عن 23 فصلا، وهذا العدد بمثل عدد الصبغيات البشرية. وكل فصل مكون من فقرات ثم كلمات تتكون جميعها من أبجدية محددة من أربعة حروف تتكرر وتتوالى في تتابع لتكون في النهاية ما يقرب من ألف مليون كلمة تحمل كل الصفات الوراثية للإنسان. وما حدث هو بمثابة وضع قاموس ضخم لتفسير وتحليل هذه الكلمات، وبالتالي فإن اكتشاف أي خلل في هذا التتابع يعني أن هناك مرضا ما سيصاب به هذا الإنسان في وقت ما… وبناء عليه يتم التعامل مع الشخص بشكل مسبق ومنفرد؛ وهو ما يطلق عليه “العلاج الجيني” .

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي.. ما مفتاحه (9)

إن استقراء الإنسان للكون لم يبدأ بالحروف فالكلمات فالجمل كما شبه بذلك د.مستجير ، لكن العملية سارت في الاتجاه المضاد.

فقد فتح الإنسان عينيه على الكون فوجده كتابا كاملا وإنجازا جاهزا لا يعرف أصله ولا يدري تفصيله، على المعنى الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم:( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) .

وعلى مدى تاريخ العلوم، كان التقدم يقاس بمدى قدرة العقل على أن يقوم بتفحص الأشياء و التسلسل إلى أصولها، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ مثلما فك علم الكيمياء الأجسام إلى الجزيئات فالذرات، ورد علم الطبيعة المادة إلى الطاقة، ورد علم الكون إلى نظرية الانفجار الأول العظيم (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ). وأصل كل شيء حي إلى الماء، فهو يسير من الكل إلى أجزائه، ومن المجمل إلى تفصيلاته، ومن المركب إلى مكوناته، ولم تشذ على ذلك دراسة للإنسان، فهو يعود بالإنسان كتابا (مظهرا خارجيا) إلى الإنسان حروفا (نمطا وراثيا). وبذلك استطاع مشروع الجينوم البشري الربط بين المظهر الخارجي و النمط الوراثي: إنها الثورة البيولوجية الحديثة.

أول ما عرف الإنسان عن نفسه صورة ظاهرة وبدنا ذكرا أو أنثى، وملامح تميزه على الآخرين ثم كانت الإصابة في السلم أو الحرب نافذة له على الأعضاء الداخلية، خصوصا عندما نشأت فكرة التحنيط بعد الموت. وزادت الدراسة تفصيلا عندما قام التشريح والتشريح المقارن. واخترع المجهر فبين أن أنسجة الجسم جميعها تتكون من خلايا، وفي كل خلية نواة هي المسؤولة عن بنية الخلية ووظائفها .

وتقدمت دراسات البيولوجية الخلوية إلى الحياءة الجزئية التي أبانت أن نواة كل خلية تشتمل على حصيلة وراثية يصطلح عليها بالمخطط الجيني انتهت بضبط الخريطة الجينية .

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي، ما مفتاحه؟ (3)

فعلى مدى أكثر من عقد من سنين عمل عدد من العلماء المدعومين بتمويل حكومي على فك رموز ما يسمى بالرسائل الكيميائية الحيوية التي يتطلبها بناء الجسم الإنساني. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، كان على العلماء أن يحددوا التسلسل الدقيق للجزئيات الكيميائية التي تشكل ظفيرة الحامض النووي ADN المزدوجة، والتي تتموضع داخل نوى معظم الخلايا.

وما تم إعلانه هو أن جميع سلاسل الجينوم مدرجة الآن ضمن قواعد المعلومات التي وضعها العلماء وفي مواقعها الصحيحة.

يعد اكتشاف المخطط الجيني الذي توصل إليه العلماء معلما بارزا في تاريخ العلم الحديث، يقف إلى جانب المنجزات العلمية الكبرى التي تحققت خلال المائة عام الماضية. لكن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد، إذ أن شفرات ADN تحتاج إلى عشرات أخرى من السنين تخصص للدراسة والبحث للتوصل إلى تحديد مضامينها الدقيقة. ومع ذلك، فإن العلماء واثقون من أن المعلومات التي توفرت حتى الآن ستكون بمثابة ثورة علمية، تمكن الأطباء من تشخيص الأمراض بأسرع مما كان عليه، وتعين مختبرات الأدوية على إنتاج جيل جديد من الأدوية الفعالة.

إلا أن النتائج الأخيرة المتوصل إليها تحققت قبل موعدها؛ بفضل تكنولوجيا المعلومات والمنافسة الشديدة بين المؤسسات العالمية للأبحاث العلمية التي تعتمد مناهج علمية مختلفة لتحديد سلاسل ADN.