بقلم: وفاء توفيق

شاءت حكمة الله تعالى أن تكون الأسرة هي نواة كل تجمع بشري؛ فهي مجال التقاء شطري النفس البشرية الواحدة، والمأوى الطبيعي لوجود الإنسان ونموه ومستقره في جميع مراحل حياته، ومحضن فطرته، ومصدر قيمه…

أيضا فالأسرة هي أس كل مجتمع وسنده؛ أحواله متداخلة بأحوالها، ومنزلته، علوا ورفعة أو انحدارا وانهيارا، رهينة بمدى تماسك هذه الأسرة واستقامة أمورها وقيامها بأدوارها البنائية الاستخلافية…

ولوجود هذه الأسرة، اقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق الناس من نفس واحدة، ويجعل الأزواج من الأنفس، ليكون الإنسان جنسين مختلفين متكاملين من نفس بشرية واحدة، يتقاسمان نفس الخصائص البشرية، فيحصل الميل والأنس والسكن والسكون بين شطري هذه النفس البشرية الواحدة: الذكر والأنثى.

وتلك آية من آيات الله تعالى العظمى التي تستدعي التأمل والتفكر، كما هي منة من مننه الكبرى التي تستوجب الشكر والحمد.

يقول الله جل وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم، 20).

ويقول سبحانه في آية أخرى: هوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا (الأعراف، 189).

لقد نصت الآيتان على أن المقصد الأول والأصلي من خلق الله تعالى الأزواج ذكرا وأنثى، والغاية من تشريع سنة الزواج بينهما، هو تحقيق السكن والسكون بينهما، لأن بحصول ذلك يتحقق الاستقرار الأسري فينبري كل من الزوجين إلى القيام بواجبه الاستخلافي في أمن وعلى أتم وجه.

وتعظيما لشأن هذه المؤسسة، شرع المولى الكريم لها منظومة متكاملة من التشريعات الناظمة والمنظمة لشؤونها، والمبينة لكل ما يتصل بتكوينها واستمراريتها ومهامها، والضابطة للعلاقات بين أفرادها عموما، وبين الزوجين على وجه الخصوص؛ لأجل أن يستتب أمن هذه الأسرة واستقرارها، وتصان من الاضطراب والتفكك، فتتحقق مقاصد وجودها وإنشائها، وتتمكن من أداء وظائفها الرسالية الاستخلافية؛ بدءا بإعداد الولد الصالح الباني المعمر، ومرورا بالإسهام في بناء المجتمع، ووصولا إلى التمكين للأمة، وإسعاد البشرية وتحقيق أمن الإنسان واستقراره فردا وشعوبا.

وباعتبار أن المقام لا يسمح بجرد كل تلك التشريعات والوقوف عندها وتبيين دورها في حصول استقرار وأمن الأسرة، سنقتصر على حكم واحد من هذه الأحكام، وهو التكامل الوظيفي بين الزوجين؛ والذي شرعه المولى عز وجل لتسلم سفينة الأسرة من عواصف تداخل المهام، وتنجو من أمواج الصراع على الوظائف، وتَتغلب على متاهات تداخل المهام والمسؤوليات، وتعصم من كوارث التباس التخصصات، وتنجو من اختلاط الحقوق بالواجبات… فترسو أولا ووسطا وانتهاء على بر الاستقرار والأمان والسعادة والهناء. 

طالع أيضا  التوافق الزواجي

قال الله تعالى: ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَٱلصَّلِحَتُ قَنِتَتٌ حَفِظَتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّه (النساء، من الآية 34).

لقد تضمنت الآية الشريفة حكما كليا وأصلا تشريعيا محوريا عليه تتأسس باقي أحكام الأسرة، كما أكد على ذلك الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى؛ ذلك أن في الآية توزيع للمهام وتعيين للمسؤوليات وتحديد للاختصاصات وتقسيم للواجبات بين قطبي الأسرة: الزوج والزوجة، وفق ما جبل الله تعالى عليه كل جنس منهما ووهبه واختصه به من استعدادات وقدرات جسمية وعقلية وعصبية، تجعله مهيّأً للقيام بأعباء ما كلف به ومُعانا على ذلك… وذاك منتهى العدل الإلهي وتمام الرحمة الإلهية.

وهكذا اقتضت حكمته عز وجل أن يكلف الرجل بمسؤولية القوامة، ويندب مسؤولية الحافظية للمرأة.

تكليف يقوم على أساس تكامل الأدوار، ومفاده تقسيم للمهام وتعاون على المشترك، تمكينا للأسرة من أداء المهام المناطة بها.

ومع الشرخ والانكسار والانحراف الذي حصل للأمة بسبب تدهور الحكم عما كان عليه في العصر النبوي والخلافة الراشدة وما يعنيه من عدل وشورى، وتحوله إلى استبداد سياسي وظلم اجتماعي، وما استتبع ذلك من تهميش دور العلماء، عرف المصطلحان القرآنيان تحولا كبيرا وانحرافا بينا في المفهوم والمقتضيات كما في الممارسة، ومن ثم نجد تباينا واضحا بين العلماء والمفسرين في مفهوم ومتطلبات هذين المصطلحين القرآنيين.

فبالنسبة للقوامة؛ فقد انحرف مفهومها وتضخم من اعتبارها مسؤولية قيادة رفيقة، ورعاية حكيمة كلف بها الرجل تثقيلا لميزانه بمثاقيل المسؤولية، ليقود سفينة أسرته بحنكة ودراية ومداراة… لتنقلب إلى عنوان تغلب وتحكم واستبداد…

ونفس الانحراف حصل لمصطلح الحافظية التي انكمش مدلولها وهزل بتحول اعتبارها حفظا لحقوق الله بتحمل المرأة وامتثالها تكاليف الشرع، بما به يتحقق حفظ كل الدين، وقيامها ومرابطتها على ثغر مهم وخطير وهو صناعة أجيال الأمة، ثم التعاون مع الرجل على إعمار الأرض عدلا وإحسانا وخيرا وصلاحا…  انحرف كل ذلك بتقلص مجال اشتغال المرأة بين جدران بيت الزوجية، واختزال مهامها في شغل البيوت وإرضاء الأزواج، حتى أمست بذلك المرأة كما مهملا.

طالع أيضا  أســــرتــــي جــنــتــي

إن الفكر المنهاجي المؤسس على نصوص الوحي والمستنير بنور الفهم عنهما يَعتبر تكليف القوامة والحافظية وظيفتين ضروريتين حتى تستقيم أحوال الأسرة وتؤتي أكلها مثمرا سائغا.

يعتبرهما وظيفتين متكاملتين حتى يحصل التوازن في حياة أفرادها.

يعتبرهما وظيفتين تخصصيتين حتى ينبري كل من الزوجين لأداء ما تستوجبه مهمته بقوة وأمانة.

يعتبرهما وظيفتين تشاركيتين لأهمية مشاركة كل شريك شريكه الآخر مهامه تهمما وتشاورا وتعاونا ومددا.

وتجدر الإشارة إلى أن لكل وظيفة من الوظيفتين مهام أصلية يختص بها كل جنس منهما، وجبهات خاصة عليه التصدي لها بقوة وأمانة، لكن ذاك لا يعني أن وظيفتي القوامة والحافظية منقطعة متباعدة مستقلة كل واحدة عن الأخرى، بل بين المهمتين تكامل وتقاطع؛ فللرجل من حافظية المرأة نصيب، ومن ثم عليه مشاركتها في مهام جبهتها الأصلية التي هي تربية وتأهيل الإنسان… فيكون لها مددا حتى يحصل التكامل والتوازن على مستوى هذه الجبهة. كما على المرأة – وهي تقوم بوظيفتها التربوية البنائية التغييرية لأجيال الأمة – أن تشارك الرجل في جبهاته الخارجية حضورا وتدافعا ومددا، لتكون في قلب الأحداث وعلى دراية تامة بالواقع الذي ينشأ فيه ولدها فتتقن صنعتها التربوية من جهة، ومن جهة أخرى تسهم في بناء الأمة، كما أسهمت في ذلك نساء السلف الصالح من أمهات المؤمنين وصحابيات وصالحات هذه الأمة.

وبما سبق من تعاون، يحصل التكامل بين مهمتين القوامة والحافظية، فيتحقق التوازن والاستقرار الأسريين.

ولكي يؤدي كل من الرجل والمرأة وظيفته التي أناطها الله تعالى به، لابد من توفر وإيجاد جملة من الشروط تكون بمثابة ضمانات ومحفزات على حسن القيام بهاتين المهمتين، والتي نجدها مبثوثة في باقي التشريعات الأسرية الأخرى – قرآنا وسنة – حيث هي منظومة متكاملة، فأي خلل أو تجزيء في الأخذ بها، يفقد هذه التشريعات كمالها ووظيفتها التشريعية. ومن أمثلة تلك التشريعات الضمانات، طبعا على سبيل المثال لا الحصر: المعاشرة بالمعروف – حصول وبروز الرحمة والمودة في التعامل الزوجي – اعتبار كل من الزوجين شقه الآخر لباسا به يحتمي من لأواء الحياة وتقلباتها، وبه يتجمل ويفرح – تحقق الإشباع العاطفي وعدم التواني عن التعبير عن جميل المشاعر برقيق العبارات – حسن التواصل وصدق الإصغاء – التعاون – الشورى وعدم الاستبداد بالرأي – الإيجابية – الاحترام والتقدير – الاعتراف بالجميل – حسن التفقد – الصبر – التضحية – التغافل – التفاني في خدمة الآخر…

طالع أيضا  أُسرتي جَنّتي.. أُسرتي جُنّتي

فبتحقق ما سبق وغيره مما في معناه من التشريعات الزوجية المساعدة على أداء المهام والضامنة تحققها على أحسن وجه، ينبري كل من الزوجين إلى أداء مهمته التي أوكل إليه الله تعالى القيام بها على مستوى جبهته الخاصة أصالة ووجوبا، وعلى مستوى جبهة زوجه الآخر مشاركة وتعاونا ومددا، بارتياح وهمة وإتقان وفي أمان… مما يكون له عظيم الأثر ووفير النفع على العلاقة الزوجية متانة واطمئنانا وأنسا ومودة ورحمة، وعلى تربية الأبناء صلاحا واستقامة وتوازنا وثقة في النفس وتعلما بالحال، كما على تأهيلهم إنتاجا وإبداعا وفاعلية وانخراطا إيجابيا مؤثرا لا متأثرا في المجتمع.

 وبالمقابل، فإن أي إعراض عن شرع الله وما ارتضاه لنا من تحديد للوظائف وتقسيم للمهام للزوجين، أو أي سوء فهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يخص هاتين الوظيفتين معنى وتمثلا، سيكون له الأثر الوخيم والخلل الفظيع على توازن واستقرار الأسرة، إن على مستوى العلاقة الزوجية صراعا وتشنجا، كما جفاء وسخطا… أو على مستوى الأبناء اضطرابا واختلاجا وضعفا في الشخصية وانحرافا وانزواء وسلبية وتقاعسا وتسكعا… وذاك محض ضنك الحياة وشقائها والعياذ بالله.   

جعلنا الله تعالى ممن يمن عليهم بتدبر آياته، ويؤتيهم حسن الفهم عن نبيه ورسوله عليه الصلاة والسلام، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.