بقلم: حفيظ زرزان

هل الأمة تسير سيرا نبويا أم هي متوقفة، أم في نكوص وهوان قصعة للآخرين يتآكلونها ويقتسمونها؟ وكيف هو حضورها في الأسواق؟ وفي الملتقيات والمنتديات العالمية؟ وفي كل مكان؟

هل تعدل؟ هل تجيد الإنتاج؟ وهل تجيد القسمة؟

حال الأمة يغني عن كل شرح وتفصيل. وحال المسلم كذلك.

حادت الأمة عن المنهاج النبوي وعن نهج رسول الله واستسلمت للغربنة، وصارت غريبة عن دينها متنكفة له. فهي أمة رسول الله منسوبة إليه، أمة المليار ونصف حسب آخر إحصاء أمريكي متتبع لتفاصيلنا عارف بخبايانا، لكنها متنكرة للهدي النبوي في ممارساتها ورؤيتها وتخطيطها وفعلها وأجهزتها ودويلاتها الموات والشتات.

وهي لازالت مرشحة وموعودة للعودة للسيادة والريادة، حاملة شعار العدل بمحسنين يجمعون ما تفرق منها، إن هي عادت بعدما حادت، لكن بأي مفاتيح وبأي رؤية وبأي منهاج؟ وأي مشروع مجتمعي؟ وكيف تنجمع على ذاتها ورسالتها الخالدة؟
كيف يمكن لآية “ويمشي في الأسواق” أن تشكل برنامجا للأمة اليوم فرديا وجماعيا؟ تربية وتنظيما ليتحقق هذا السير المنشود؟
ماهي المفاتيح العشر لهذا المشي؟ تؤطره وتطهره وتوجهه ليصبح نهضة وزحفا؟

يقول الله تعالى: ويمشي في الأسواق، وصف لسيدنا رسول الله من مخالفيه، وكما يقول المثل: “الحق ما شهدت به الأعداء”، وبقي النعت في القرآن العظيم يتلى إلى يوم القيامة، وقد كان هذا “المشي” دأب الأنبياء عليهم السلام من قبل، يقول الله عزوجل: ويمشون في الأسواق. رغم أن السياق هو تعيير وتنقيص من قبل الخصوم في زمنهم. لكنه من الأنبياء فعل وبرنامج وعمل ونشاط وحضور، وتتبع ومعاينة ورقابة وما شئتم من معان.

فما هي المعاني التي يمكن الوقوف عندها في هذه الآية تدبرا وتفكرا وتبصرا؟

نقارب الموضوع إن شاء الله تعالى من خلال التصميم التالي:

سياق الآية وأسباب النزول:

1-     المشي

2-     الأسواق

3-      فرديا

4-     جماعيا

5-     دعوة

6-     دولة

7-     تربية

8-     تنظيما

9-     بمنظار الخصال العشر

 

السياق: تقول الروايات الصحيحة الموثوقة إن قريشا قالت لسيدنا محمد: يا محمد! إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا; فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيروه بالأكل والمشي. لما رأوه بزمنهم من الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة، يترفعون عن المشي بأسواق الناس، ويتألهون.

إذن فبعد مرحلة الإغراء والإثراء، باستحضار نماذج غربية، تلاها الأذى بعد الرفض والثبات على المبدأ. وواصل سيدنا رسول الله المشي. أي السير نحول القصد. وشكل “المشي” برنامج عمل تربية وتنظيما.

فالمشي إلى غار حراء والتعبد فيه والخلوة كان تربية والمشي إلى المدينة هجرة، والمشي في صفوف المسلمين مهاجرين وأنصارا بقصد تنظيمهم كجماعة مؤمنة. المشي تنوع وتعدد وتمدد، في الغزوات والفتوحات، في الأسواق. وبين الفينة والأخرى، كان الأذى يطال هذا المشي كما وقع بالطائف.

المشي لغة هو السير، سار، ومضى، وذهب، ونقول انتقل من مكان إلى آخر بإرادته. وقد يكون مسرعا أو متثاقلا. ونقول مشى الجيش أي زحف وهذا يهمنا في المعنى الجماعي للأمة، ويقولون مشى أي سعى. والسعي مهم في عالم الأسباب والفعل والبرنامج.

الأسواق: لغة جمع سوق، وهو المكان الذي تجلب له السلع وتعرض للبيع أو الشراء، واصطلاحا حديثا هو المكان الحقيقي أو الافتراضي الذي تتم فيه عملية العرض والطلب.

وقد اشتهر المسلمون بحكم موقعهم الجغرافي بمركزية “سوقهم” في العالم في العهد النبوي، وكانوا يجوبون العالم بأسره، ويوجدون في نقطة استراتيجية بين الفرس والروم كحضارتين عريقتين قديما.

ليتطور بعدها المفهوم، وأصبحت “الأسواق” محط أطماع وأنظار الجميع اليوم، وتأسست لذلك منظمة التجارة العالمية، والبورصة ومفاهيم الاقتصاد بتشعباته وأرقامه.

واقتصاديا يعرف السوق بأنه مجموعة العلاقات المتبادلة بين البائعين والمشترين، الذين تتلاقى رغباتهم أو حاجاتهم في تبادل سلعة أو خدمة معينة ومحددة، ومنصات التواصل بما فيها الفيسبوك ومختلف الواجهات هي سوق افتراضية أو حقيقية تعرض فيها السلع والأفكار، وتنسج العلاقات المجتمعية. فكيف حضور المسلمين فيها وهل لهم ساحة رقمية كما تمتلك الصين وأمريكا اليوم ساحات افتراضية عملاقة، تجذب ملايير الناس من مختلف الجنسيات؟

معاني المشي:

أ‌-        فرديا:

لا يخفى على أحد أهمية المشي كرياضة على الأقل ساعة يوميا، لتجديد طاقة الجسم ونشاطه والحفاظ عليه، هذا المشي في معناه البسيط العام المشترك بين كل البشر على المستوى الفردي الجسدي، ولن نسهب في فوائده.
فقد يكون في الشاطئ أو الغابة أو الحي. وهناك المشي في الملتقيات والمنتديات أي الحضور والفعل والتأثير في الجمهور.
وهناك السير نحو الهدف المرسوم في التخطيط وهو كذلك مشترك بين كل الأدمغة. أو السير بدون وجهة “الله يحفظ”.
ب- جماعيا:

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام ياسين في رسولنا الكريم (3)

قطريا: المشي نحو دولة وطنية مستقلة عن الغزو الأجنبي، دولة الحق والقانون.

إقليميا: إيجاد صيغة تجمع هذه الدويلات بعد تحررها كما الجارة أوربا، أو عند جواب آخر بالساحة وأقصد الاشتراكية التي جعلت لنفسها أممية تضغط بها وتوحد مناصريها ومعتنقيها فروعها.

دوليا: الحضور كقوة دولية ترفع شعار العدل للإنسانية جمعاء، لتحررها وقد رأينا جميعا كيف يقتل الناس في أمريكا الحرية هذه الأيام.

المشي بالنسبة للمسلمين ليس ماديا، بل هو قلبي وروحي، سير حثيث نحو القصد الأخروي. ويوازيه سير وزحف لإقامة الخلافة على منهاج النبوة الموعودة كقوة دولية لها وزن سياسي، إذا رفعت شعار العدل أسمعت صوتها وإذا “مشت في الأسواق” كان لزئيرها رهبة، الخلافة وعد نبوي عظيم تتهيأ له الأمة إن شاء الله. وقد يتخذ شكلا من أشكال الجمع الحديثة، قد يكون وعاء لمفهوم الخلافة النبوية، وما يتخذه الناس اليوم من فدراليات واتحادات وأمميات وتحالفات وتكتلات وتجمعات.

1-      المشي دعوة:

كان مشي سيدنا رسول الله في الأسواق أو خارجها في حد ذاته دعوة إلى الله وللدعوة إلى الله. كان يعرض نفسه عليه الصلاة والسلام على الناس، ويدعوهم للخير والفلاح في الدنيا والآخرة، يدعوهم للنور والسرور والطهور ويحثهم، قولوا: “لا إله إلا الله تفلحوا”. فمشيه عليه الصلاة والسلام برنامج عمل وفعل بهدف وخطة.
إذن لم يك مشيا وسيرا عاديا أو نزهة. كان لفعله وسنته بكليتها عليه الصلاة والسلام قصد وغاية عميقة، محبة للإنسان. كان حضورا إيجابيا مسؤولا وجادا، وجب على الأمة تدبر السير النبوي والعودة إليه والاهتداء والاقتداء به، واستخراج كل المعاني الممكنة والمتاحة ومقاربتها من جميع الزوايا.

2-     المشي دولة:

كان سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بوصفه المسؤول وقتها عن المسلمين، يمشي فيهم، فمشيته بالأسواق اطلاع واقتراب من حالهم، لهذا لما اكتشف الغش قال: “من غشنا فليس منا”. فهو مشي بعين متفحصة وأذن منصتة متهممة بحال المسلمين ودودة لهم، تحمل بين ثناياها الإحسان في أعظم تجلياته، ولواء العدل والإنصاف.
فهو مثال لكل مسؤول كيفما كانت درجته ومستواه أن يمشي في الناس يتفقد أحوالهم. لجان مراقبة الأسعار والجودة صيغة حديثة لهذا المشي المسؤول في الواقع البسيط المحلي، أو الخازن العام أو المراقب المالي في قانون المالية، وهناك المشي الإقليمي في أسواقنا، والدولي في أسواق البورصة وتجارة العالم واقتصاده.
توسع ما شئت في هذا المشي القاصد، يجمع بين معاني الدعوة والدولة في كل تفاصيلهما ومستوياتهما وأبعادهما المختلفة.

فقد يبدأ من المسلم في حيه ويتوسع أن تمشي الأمة في المنتظم الدولي ومؤسساته المختلفة.

3-     تربية:

كان رسول الله عليه الصلاة والسلام مربيا ونموذجا، ليس من فوق، كما يفعل حكامنا ونخبنا، لم يك يخطب الجمعة عليه الصلاة والسلام ثم ينصرف إلى حاله، بل كان مشيه عليه الصلاة والسلام بين الناس يعطي المثال، ويسمي الاصطلاح المتداول هذا المعنى بالمثقف العضوي. كان عليه الصلاة والسلام عين التربية الفاحصة الموجهة الناضحة بالبشر والحب والأذن المتهممة، كان كله رحمة، فكانت كلمته وخطاباته الناصحة للمسلمين، الجامعة، النافعة، الرافعة التي تنفذ إلى أعماق النفوس والقلوب والأرواح كما يليق به عليه الصلاة والسلام.
وهناك المشي النبوي نحو الله تعالى بما خصه سبحانه من عطاء. سير فردي، وجماعي “أمتي أمتي”، وقد سبق وأشرنا لبعض معانيه.

4-     تنظيما:

مشيه عليه الصلاة والسلام في الحياة أو المسار والمسير والمصير، أو بالسوق، إذا رأيناه من هذه الزاوية، هناك تنظيم الباعة باصطلاح اليوم، في أبسط أشكاله، وهناك تنظيم المسلمين في تسوقهم أيضا وفي معاملاتهم، ولا تبع على بيع أخيك كما قال عليه الصلاة والسلام.

كان عليه الصلاة والسلام منظما في أدق التفاصيل، ليس في الجيش فقط، فلم يك مختالا، ولا كسلانا ولا عاجزا، بل كان مشيه عليه الصلاة والسلام قويا مجتمعا منجمعا على الله، متهمما بأمته.

وعليه الأمة يجب أن تنسج على المنوال، سير قوي منجمع غير مشتت وحثيث نحو الوعد النبوي.

كانت الأرض تطوى له. ولربما كانت المسافات والمقامات كذلك أو أعظم مما نتصوره.

كانت أحسن مشية، وأسكنها كما وصفها الصحابة رضوان الله عليهم.

والأمة بدون تربية ولا تنظيم في اتساع معانيهما لا يمكن أن تمشي في الأسواق، لا تسير، معطلة ميتة. فهي تحتاج المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا. والزحف من معاني المشي.

المشي بميزان الخصال العشر:

طالع أيضا  ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصحبة والجماعة: كان عنوان مشية رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحياة العامة والخاصة وفي الأسواق محبة الله عزوجل وإرادته، فلهذا عرض عليه خياران، ونحن نتحدث عن الأسواق، قوبل بجبل من ذهب فلم يلتفت إليه، واختار أن يكون عبدا لله. فكيف يمكن للأمة أن تختار العبودية لله على الدنيا، وتمشي اتباعا لرسول الله مفتاح نهضتها بدل تقليد الغرب ومشيته؟

عليها وعلينا “بمشية” سيدنا رسول الله إن هي ونحن أردنا الفلاح والنجاح.

عن أنس رضي الله عنه: “أنَّ رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، يهدي النَّبي صلى الله عليه وسلم الهديَّة من البادية، فيجهِّزه النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله: إنَّ زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرَّجل، فقال: أرسلني، مَنْ هذا؟ فالتفت، فعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يَأْلُو ما ألصق ظهره بصدر النَّبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن -عند الله- لست بكاسد. أو قال: لكن -عند الله- أنت غال.”

مشيه عليه الصلاة والسلام في السوق كان محبة وصحبة، فأخذ زاهرا ومازحه وضاحكه. لم يك صخابا ولا لعانا ولا جبارا ولا طاغية عليه الصلاة والسلام. بل كان في أعماقه إنسانا وفي ممارساته. في هذه القصة يتضح كيف كان سيدنا رسول الله يقدر الإنسان ويعتني به. وكيف يؤلف القلوب ويقربها إليه بل ويحتضنها، وكيف يذكر أصحابه ويفرح بهم ويعلي من شأنهم ولا يحب مساءتهم. “لا تؤذوني في أصحابي”.
العمق الإحساني العظيم الذي عبر عنه زاهر ولا شيئيته في عبارته: بل تجدني كاسدا، فرفع رسول الله عليه الصلاة والسلام لمحبته إياه من شأنه، وجبر انكساره وافتقاره، وقال له: بل أنت عند الله غال. حنو وعطف ومحبة وأبوة وتربية وجبر.

ودخل رسول الله على طفل يهودي يحتضر. فقال له قل لا إله إلا الله، فنظر الطفل لأبيه كأنه يستشيره. فقال الأب بحنو: أطع أبا القاسم. فقال الصبي كلمة التوحيد ثم مات. فخرج رسول الله عليه الصلاة والسلام فرحا أن أنقذ نفسا من النار. فلم تكن صحبته ورحمته للمسلمين فقط بل حتى لديانات أخرى، للإنسانية جمعاء منقذا وملاذا.
فهل الأمة اليوم تحب الله؟ متحابة؟ متآلفة؟ أم شتات مبهورة بالغرب؟ حكاما ومواطنين. كيف هي مع اتباع سيدنا رسول الله في مشيته صحبة وجماعة؟ كيف هي صحبتها للإنسانية إنقاذا وملاذا؟

الذكر: مشيه عليه الصلاة والسلام في الأسواق كان ذكرا، فشرع للمسلم أذكار للسوق عند الدخول. وكان بأخلاق رفيعة عالية والأخلاق تعادل من بات قائما صائما عابدا زاهدا. وكان مشيه العام وكل أحواله ذكر، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ”. وهناك المشي نحو المساجد والصلاة، وباقي أنواع المشي. وكان يقول في مشيه في الغزوات: “سبق المفردون” أي الذاكرون الله كثيرا.
فهل الأمة اليوم ذاكرة أم غافلة؟ لها برنامج على مستوى الأفراد؟ أم هي تائهة تافهة حائرة منقادة لبرامج الآخرين؟ ولأذكارهم بدل أذكار سيدنا رسول الله وذكره على كل الأحوال؟

الصدق: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يصدق في الحديث في الأسواق، ويؤتمن ولا يفجر ويفي بالوعود. ولكل مسلم أن يتوسع في معاني الصدق المنافية للنفاق في حياته أو في مشيه بين الناس، وفي الأسواق بكل معانيها المتعددة الحديثة اليوم أكانت افتراضية أو حقيقية.

في الحرب: وهم سائرون، التقوا خصما، وأرادوا الحصول منه على معلومة، فسألهم: من أين أنتم؟ فقال رسول الله: “من ماء”. فكان يقصد عليه الصلاة والسلام أن الخلق كل الخلق من ماء، وقال صدقا بينما ناقل المعلومة ظن أنهم آتون من الوادي. فلم يتح للعدو المعلومة المطلوبة عن مكانهم أو وجهتهم. فكان عليه الصلاة والسلام يقول صدقا بحسب نوازله ومستوياته وسياقه سلما وحربا دون أن يحتاج أن يكذب.

فكيف هو صدق الأمة اليوم في بواطنها وظواهرها؟ وهل هي تريد وجه الله أم تتسابق نحو الدنيا فرديا وجماعيا؟
البذل: كان سيدنا رسول الله يبذل البسمة ويطبب الجروح النفسية والقلبية للمسلمين، ويعطف على المسكين والبائس الفقير، ويطعم الجائع ويغيث الملهوف، وكان أشد ما يكون بذلا في شهر رمضان.

طالع أيضا  الربيع النبوي يحيينا.. القرب والأدب مع رسول الله

كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أعظم الناس بذلا وإحسانا وعطفا وإشفاقا ورحمة وحنانا. يقول عليه الصلاة والسلام: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته”.

كيف هو بذل الأمة اليوم ومساعدتها لبعضها فرديا وجماعيا؟

العلم: غاية المشي في الأسواق المعلومة المتاحة مباشرة، والاطلاع المباشر، والمشي عن علم كذلك مهم، والمشي علم في حد ذاته، وقد يكون المشي نحو العلم أيضا. فالمشي عموما بالأسواق قد يكون تحيينا للمعلومة، وتفكيرا في المراد وتقديرا وتخييرا وتغييرا وتدبيرا.

أين وصلت علوم الأمة؟ أمة لا تعلم لا يمكن أن تمشي. تتوقف وتصبح تابعة للآخرين تنقل منهم وتقلد أو تشتري وتستورد ولا تنتج هي.

العمل: المشي في الأسواق عمل دؤوب يومي بحسب دورية “السوق”، بما هو مكان تجمع الناس أو منتدياتهم وحيز تواجدهم، لم يك معزولا عليه الصلاة والسلام عن الناس وعن قومه. فمشيه عمل وللعمل وحضور دائم لا غياب.
إذن نحن أمام فعل، وأمام برنامج عمل وخطة، والأمة اليوم أين عملها في العالمين؟ أين فعلها على جميع المستويات وحضورها؟ أين مشيها في قضية فلسطين؟ وفي غيرها من قضايا أمتنا المنكوبة المستضعفة؟

السمت الحسن: كان مشيه عليه الصلاة والسلام شكلا ومضمونا وقارا وسكينة، بوجه وضاء صبوح بلحية منورة، بلباس يوافق عادات قومه، بأخلاق رفيعة. كان متميزا لم يذب في ممارسات قومه، بل كان يرفعهم للإسلام بكل خيراته وأنواره ولم يتنازل عن مبادئه.

أين سمت الأمة ووقارها ومضمونها وهويتها بين الأمم؟ هل هي موحدة الباطن كي يستوي الظاهر أيضا؟ أم هي لما أرادت تقليد مشية الآخرين لا أتقنت ولا ضبطت مشيتها؟

التؤدة: كان سيره عليه الصلاة والسلام صبرا، ونفسا طويلا ورفقا وتحملا للأذى، كان سهلا بين المؤمنين، شجاعا شديدا على رؤوس الكفر المجرمين.

كيف هي الأمة اليوم أمام اللاعبين الكبار؟ عزيزة أم ذليلة؟ مقدامة متقدمة أم ناكصة ذليلة متخلفة؟ هل هي رحمة في الإنسانية كما عليه الصلاة والسلام أمة وأفرادا؟

الاقتصاد: السوق أس من أسس الاقتصاد اليوم. لكن نعني بالاقتصاد هنا في مشي سيدنا رسول الله ذلك السير الحثيث نحو القصد الأخروي الإحساني، فهو توسط رفيق ومشي قاصد مقتصد.

لسنا ندري إلى أين تسير الأمة اليوم بدون منهاج نبوي. لربما هو نكوص، أحرى أن يكون توقفا لكان على الأقل بأدنى الخسائر.

الجهاد: كان مشي رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يطلع على أحوال المسلمين داعية ومسؤولا جهادا بكل أنواعه، جهاد بناء وعطاء ورجاء في الله، جهاد نظر في الأمة، جهاد جمع وتعبئة الجهود والنفوس لتأليف القلوب على الله، جهاد أموال وتربية وتعليم، جهاد كلمة وحجة، جهادا سياسيا وسط رؤوس قريش بكفرهم، جهاد تنفيذ مباشر بالمشي بين الناس، وكان جهاد النموذج الناجح الفالح الحي الذي يرونه بينهم نورا طهورا وفرحا بالله الكريم الوهاب.

وكان مشيه عليه الصلاة والسلام جهاد التوحيد: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”.

أين الأمة اليوم من المشي الجهادي النبوي بتربية وتنظيم؟ أين هي في التعليم؟ والبناء؟ وتعبئة الجهود؟ وتوحيدها؟ وتأليف القلوب بدل الكراهية والحقد والتقاتل والتدابر؟ أين هي في الجهاد السياسي والحريات وحقوق الإنسان؟ أين هي في التنفيذ والجهاد الدؤوب في كل مجالات التدافع؟ أين هو النموذج الناجح الحي في الأمة؟
الخلاصة:
لابد للأمة إن هي أرادت أن تعود لسيرها ونهضتها وقوتها، أن تقلد مشيه عليه الصلاة والسلام، سيره ونهجه ومنطقه ورؤيته في الأمور، على جناحي الخوف والرجاء في الله. واقعه عليه الصلاة والسلام لم يك مفرشا بالورود، والله تعالى لم يجهز الواقع للأنبياء ولسيدنا رسول الله، بل كانوا يسعون ضمن الأسباب بعمق معلق بالله تعالى عبودية وطلبا، وكانت بشريتهم حاضرة وسط الناس، يصبرون على الأذى، لكن بمنهاج واضح، وبتربية عالية إحسانية وبشكل منظم جماعي.

كان مشيه ومشيهم عليهم السلام جميعا درسا يتجدد ويتعدد في معانيه. كانوا بمصطلحات الناس اجتماعيين مخالطين للناس وكان لهم برنامج.

على المستوى الفردي عرفوا بقيام الليل، فهو سير قلبي في معارج القرب من الله تعالى، وكان لهم سير مادي بالنهار وسعي إن لك بالنهار سبحا طويلا.

وحدثني اليوم عن حكام المسلمين الذين اتخذوا الغرب وملوكه وقياصره وأباطرته نموذجا، أو بعض الناس ممن اتخذوا الغرب مسلكا. فتجد بينك وبينهم حبالا وجبالا وحرسا ومنظومة كاملة. فهل تعود الأمة لمشية سيدنا رسول الله أم تراها تبقى رهينة مقلدة لمشية الغرب؟