تَعْبُر الأمة الإسلامية من نفق خطير في آخر مرحلة تاريخية من زمن هيمنة الاستبداد القروني  الذي عمر طويلا في أرجائها وعطل فاعليتها وشتت شملها وجعلها لقمة سائغة لأعدائها. والذي يدرك هذه الحقيقة إدراكا يقينيا وواقعيا وعمليا هم أعداء الأمة وخصوم نهضتها، فهم لا يضيعون الفرصة ويسابقون الزمن ولا يتوقفون عن التخطيط والفعل لتعطيل عبورها بسلام من النفق وخروجها إلى آفاق عزتها وإمامتها للعالم. ويُسخِّر هؤلاء لمعركتهم تلك كل الامكانات المادية والغير مادية وفي مقدمتها ثروات المسلمين التي جعلها حكامهم المستبدون مباحة لأعدائهم. ومما يميز هذه المواجهة ليقظة الأمة وتحرر إرادتها أنها صارت من الوضوح والانكشاف بحيث لم يعد الأعداء يخفون أهدافهم واستراتيجيتهم وأدواتهم.
    في مقابل هجوم أعداء الإسلام على أمته واستهداف ملته تقف ثلة من الصادقين في خندق المقاومة حاملة لواء الجهاد ضد استأصال شأفة هذا الدين وثابتة في جبهة واحدة مناهضة للحرب على الأمة ومقدراتها. لكن المقاومين يظلون فئة قليلة تمثلها نخب وجموع محدودة العدد ومقموعة الارادة وممنوعة من امتلاك أدوات المنعة والقوة. فعلى قدر حرص خصوم نهضة الأمة ووحدتها على مشروعهم ومضائهم في عداوتهم، على قدر نكوص معظم أبنائها وانكفاء غالبية نخبها على ذواتهم وانكماش فاعليتهم وبروز العجز في سلوكهم والخور في همتهم والفتور في إرادتهم؛ ومن تجليات هذا الوضع انشغال الكثير منهم بسفاسف القضايا وإغراقهم في التعاطي معها والتنازع حولها وترك ميدان التدافع مع الباطل في أمهات القضايا للأعداء يمرحون ويسرحون فيه كما يشاءون ويخططون. 
    هذا الوضع المتردي يذكرنا بدعاء شهير للخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث تعوذ بالله من حالة غريبة تصيب الناس، خاصة أصحاب القضايا الكبرى فقال: “اللهم إني أعوذ بك من عجز الثقة وجلد الفاجر”. والفجار في زماننا صارت لهم صولة عظيمة وجرأة كيبرة على كل المحارم بسبب ما ابتلى الله به الانسان من تطور في وسائل التأثير في الرأي والذوق والسلوك. 
    فهل هذه وضعية قدرية حتمية أم أنها حالة مؤقتة وعابرة؟ 
    لاشك أنها وضعية عابرة ومتغيرة والتاريخ يقدم الكثير من الشواهد على قوة شكيمة الثلة الصادقة التي تحررت إرادتها وصار الحزم سمة غالبة على حالها وسيطر الجد على سلوكها فقلبت الأوضاع رغم اختلال الموازين المادية لصالح الفجار. وما النموذج النبوي إلا شاهد تاريخي قوي وصريح على هذا التحول. فقد أحدثت التربية النبوية الشاملة انقلابا جوهريا في الطبيعة النفسية والعقلية والسلوكية للصحابة وكشفت النقاب عن معادنهم الأصيلة وأطلقت بالفعل كوامن قدراتهم التي حيرت قوتها ومضاؤها العالم.
    فالحاجة ماسة إذن لتربية عميقة تعيد صياغة الشخصية المسلمة لتجعل قدمها راسخة في زمن الجد والجهاد وتنفض عنها العجز والكسل والهوان. تربية تنفذ إلى أعماق النفس البشرية فتثير كوامنها وتغير قناعاتها العميقة تجاه ذاتها وتجاه العالم وتحدث انقلابا في تقدير المسؤولية وتزرع الثقة في الله وما أودعه في هذه النفس من قدرات وقابليات تتجاوز بكثير ما يعتقده المرء في ذاته. تبدأ هذه التربية بالتوبة؛ والتوبة قلب دولة كما قال الرجل الصالح الشيخ عبد القادر الجيلاني أي تغيير باطني عميق في الاعتقاد والميول والذوق ثم تغيير ظاهري في السمت والسلوك والولاء. ثم تستمر التربية بالفاعلية والسيرورة المصاحبة للحياة في مجالاتها المتنوعة والمتعددة. تحرر هذه التربية الانسان من غثائيته وتفاهة اهتماماته وسطحية انشغالاته ومن كونه مجرد كم هامل على هامش الحياة وتحوله إلى كيان يختزن العالم داخله وإرادة منطلقة بانية لا تهدر الزمن والطاقة في العبث. إنسان نافع يتمثل بالإيجاب نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا قامت قيامة أحدكم وفي يده فسيلة فليزرعها”.  
    الأمة في مرحلة التحديات الوجودية وتخوض، رغما عنها، معركة حياة أو موت والزمن زمن التعبئة العامة لكل القدرات وجميع الامكانات والثقة في نصر الله الذي وعد ووعده حق أن العاقبة للمتقين. ولا سعة في الوقت إلا للعمل الجاد والصادق، والبشائر تترى مُطمئِنة ومُعضِّدة، “فمن تحت هذه الأجيال الغثائية يبعث الله جلت عظمته أجيالا شابة تريد أن تعاهد الله فتصدق ما عاهدته عليه” .