بقلم: عبد الخالق بوزيان

يعاني العالم منذ عقود أزمةَ مياهٍ متزايدةٍ بسبب الاضطرابات البيئية للكوكب وتزايد الطلب على هذه المادة الحيوية. ويصنَّف المغرب ضمن الدول المهددة بآثارٍ وخيمة للجفاف على مستقبلِ التنمية البشرية. لكن الأزمة، حسب الخبراء، ليست حول قلّة المياه فحسب، بل هي أساسا أزمةُ تدبيرٍ وحكامة. فقد أشار تقريرٌ لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة على أن ضعف إدارة المياه في المغرب، يمكن أن يتحول إلى محركٍ أساسي في تفاقم التوترات الاجتماعية خاصة مع تنامي الطلب والمتغيرات المناخية 1

كما حذر التقرير من أن أي تجاهل مستقبلي، سيكلف المغرب خسائر اقتصادية تقدر بـ 6 إلى 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050. فرغم توفر المغرب على بنية تحتية مائية محترمة، خاصة السدود، لكنها لم تعُد تستطيع مواكبة التزايد العمراني والاقتصادي.

وقبل تشخيص عناصر هذه الأزمة واستشراف سُبلِ الخروج منها، لنتعرف أولا على مفهوم الأمن المائي.

مفهوم الأمن المائي

تعرف الأمم المتحدة الأمن المائي على أنه “قدرة السكان على ضمان الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه ذات الجودة المقبولة من أجل الحفاظ على سبل العيش ورفاهية الإنسان والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وضمان الحماية ضد التلوث، الذي تنتقل عن طريق المياه والكوارث ذات الصلة بالمياه، والحفاظ على النظم الإيكولوجية في مناخِ سلامٍ واستقرارٍ سياسي” 2.

وحسب الميثاق العالمي لحقوق الإنسان يعد الحصول على المياه من الحقوق الأساسية، كما أن الدستور المغربي ينص في فصله الـ 31 على “حق جميع المواطنين في الولوج إلى الماء وإلى بيئة نظيفة ومستدامة وعلى واجب الدولة (…) لتسهيل ولوجٍ متساوٍ للمواطنات والمواطنين” وهو حقٌ تعززه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب.

فما هو يا ترى وضع المياه بوطننا في سياقه التاريخي وواقعه الميداني؟

الوضع المائي ببلادنا

يعد ضعف التساقطات وعدم انتظامها زمنيا ومكانيا أهمّ إكراه يواجهه المغرب، لذا فقد ارتكزت السياسة المائية للدولة المغربية بعد الاستقلال على دعامتين أساسيتين: أولا تدبير العرض عن طريق إنشاء السدود وشبكات التوزيع لتسهيل الولوج للساكنة والفلاحين والمنشآت الصناعية والسياحية. وثانيا تطوير شبكات الصرف الصحي في الوسط الحضري. إلا أن النمو الديموغرافي والتغيُّر المناخي أضافا تحديات جديدة تمثّلت في تراجع الطاقة الاستيعابية للسدود بسبب تراكم الأوحال وهي الظاهرة التي لم تحشد لها السلطات أية جهود ذات بال، إضافة لتناقص الأمطار وازدياد وتيرة الفيضانات، بالتزامن مع استغلالٍ مفرط أضحى يهدد عددا من الفُرَشِ المائية بالنضوب، مع تراخٍ كبير للمؤسسات المعنية بمراقبة استعمال المياه في مختلف القطاعات، لا سيما القطاع الفلاحي الذي يستهلك حوالي 70 بالمائة من المخزون المائي.

ناهيك عن تردي جودة المياه الجوفية والسطحية بسبب التلوث، الذي لم تتخذ فيه الدولة نهجا واضحا يتم من خلاله إشراك جميع القطاعات المسؤولة عن تفاقمه لوقف هذا النزيف، كما أن المؤسسات المعنية بتثمين الموارد المائية المعبأة، لم تُفلح في هذا المضمار خاصة في الميدان الفلاحي، فضلا عن الضعف الذي عرفه تطوير التطهير والتعامل مع النفايات المنزلية، بيد أن العديد من دول العالم أحرزت تقدما كبيرا في هذا المجال للحفاظ على ثرواتها المائية، في حين أننا نشهد غيابا شبه كاملٍ لوسائل الاستعمال المقنَّن للأسمدة والمبيدات الكيماوية ببلادنا، مما يطرح تساؤلات جَمّة عن جدوى إنشاء العديد من المؤسسات التي لا يظهر لها أثر معتبر للحفاظ على البيئة المائية. وإن المجال لا يتسع في هذا السياق للحديث عن هذه المؤسسات والخوض في طبيعة مهامها.

و لقد حاولت الدولة مطلع هذا القرن أن تنهج سياسة ركزت على تدبير الطلب، من خلال الاقتصاد في استعمال المياه بالتحول أساسا للسقي المُركّز وحماية الأحواض النهرية والحماية من التلوث والفيضانات. كما بذلت جهودا في المجال المؤسساتي، سعيا لتحقيق تدبيرٍ مندمج لقطاع الماء وتعبئة الموارد المائية عن طريق إنشاء 135 سد و13 نظام نقل للمياه السطحية، ومحاولة تعميمٍ شبه كاملٍ للولوج للماء الشروب، وتحلية مياه البحر بالعيون وبوجدور وأخفنير 3.

إن هذه المجهودات لا يمكنها إخفاء الانخفاض المتواصل لمستوى أغلب الفرشات المائية المغربية، ولا اتساع ظاهرة تلوث المياه السطحية والجوفية، وكذا الصعوبات في تعميم الماء الصالح للشرب والتطهير على الخصوص للساكنة القروية، وضياع كميات كبيرة من المياه بسبب تسربات في شبكات الماء الشروب، ناهيك عن غياب أجرأة القوانين المتعلقة بالأمن المائي. مما يجعل التساؤل مشروعا عن مدى فعالية السياسات المتبعة، ومدى دقة البرامج المسطرة وكذا نجاعة الوسائل الموظّفة.

من جهة أخرى فقد نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في بلاغ له السنة الماضية على أن وضعية ندرة المياه في المغرب مقلقة، لأن مواردها المائية تقدر حاليا بأقل من 650 متر مكعب للفرد سنويا، مقابل 2500 متر مكعب في سنة 1960، وستنخفض عن 500 متر مكعب بحلول سنة 2030، مضيفا أن الدراسات الدولية تشير إلى أن التغيرات المناخية يمكن أن تتسبب في اختفاء 80 في المائة من موارد المياه المتاحة في المملكة خلال الـخمسة والعشرين سنة القادمة. وأشار إلى أنه على الرغم من الخطورة البالغة للوضعية، فإن الإفراط في استغلال الموارد المائية، وخاصة المياه الجوفية، يزداد دون الاكتراث بالتراخيص التي يفرضها القانون، في حين أن السلطات العمومية غير قادرة على وضع وسائل مراقبة فعالة.

فهل من سبيل لحكامةٍ مائية أكثرَ نجاعةً، وأجرأةِ آلياتٍ فعّالةٍ تضمن بيئةً مائية مستدامة؟

معالم الاستراتيجية المائية

إن ضرورات التنمية تفرض بإلحاح حكامة مائية تستجيب، بشكل مستدام، للحاجيات المتزايدة للساكنة من جهة ولمتطلبات القطاعات الإنتاجية من جهة أخرى. وإن التنافس والتضارب بين هذه الحاجيات، يجعل تخطيط وتفعيل تدبير المياه، أمرا معقدا تزيد من تعقيده جوانب القصور المتعددة في السياسات المتبعة، والتي أثبتتها مختلف الدراسات المنجزة على مدى السنوات الماضية، خاصة افتقاد تخطيطها الاستراتيجي للشمولية والفعالية والإجرائية، مما يضيّع ثرواتنا المائية في الحاضر ويزيد من صعوبة تدبيرنا لمستقبلها المجهول. لذا فإن الحاجةَ ملحةٌ للتدخل بشكل عاجل وفعّال ومعقلن من أجل ضمان الأمن المائي في البلاد، خاصة أن ندرة الموارد المائية في المغرب أصبحت أمرا واقعا لا يمكن تفاديه، بل إنها ستتفاقم إذا لم تُتّخذ التدابير اللازمة أو إذا كانت الإصلاحات المعلنة بطيئة التنفيذ.

إن الدراسات الوطنية مكنت من تشخيص شامل للوضعية المائية التي يعيشها المغرب. كما أن تقارير المؤسسات الدولية والتجارب الناجحة للعديد من الدول، من شأنها أن تساعد على رسم المعالم الكبرى لاستراتيجية تمكن من تحقيق الأهداف المنشودة، عن طريق إشراك مختلف القطاعات المتدخلة في استعمال هذه المادة الحيوية لبناء حكامةٍ مندمجةٍ يتحمل فيها الكل مسؤولياته، سواء القطاع العام أو القطاع الخاص أو حتى مؤسسات المجتمع المدني. ويمكن إجمال هذه المعالم فيما يلي:

·        تحقيق الانسجام بين مختلف المؤسسات المعنية بتدبير الماء وطنيا وجهويا ومحليا.

·        تجديد وأجرأة الجهاز التشريعي والتنظيمي لقطاع الماء.

·        تنويع وسائل تعبئة الموارد المائية دون إهمال صيانتها.

·        وضع برامج لتدبير الطلب لتيسير اقتصاد الماء وتثمينه.

·        تحويل فائض المياه من الأحواض الغنية إلى الأحواض الجافة.

·        تفعيل التشريعات التي تحمي الموارد المائية من التلوث مع تعميم التطهير والتدوير.

·        دعم البحث العلمي في مجال الماء وملاءمة برامج التربية والتكوين لتحديات القطاع.

·        إيلاء أهمية كبرى للجانب الإعلامي والتحسيسي ودور المجتمع المدني.

خلاصة

يكتسي موضوع تدبير الماء الأهميةَ ذاتَها التي يكتسيها تدبير الحياة برمّتها. لأن نُضوبَ الماء يعني نهايةَ الحياة على كوكبنا. كما أن نقصَه أو تلوثَه يعني حياةً ضنكاً الموتُ أهونُ من تجرّعِ آلامها. ولعل الوعي بهذه الحقيقة قد ينبه الناس لإعادة النظر في طريقة تعاملهم مع هذه المادة التي خلق الله نصف أجسادهم منها. ولا غرو أن ما بلغه الإنسان من “تحضُّر” لم يوازِه حسنُ تعاملٍ مع محيطِه، إذ لم “يوقر” أرضا ولا سماء ولم يحفظ برا ولا ماء، فاختل توازن الكون وانقرضت أنواع، وأخرى في طريقها للانقراض، وأصبحت حياة الإنسان نفسه مهددة وأضحى مستقبله مجهولا.

ألا إن لحظةَ الحقيقةِ قد لاحت وإن ساعة الصفر قد دقّت، كيف وثلث سكان العالم يعيشون دون مصدر آمن للماء الصالح للشرب وثلثاه بدون شبكات تطهير” 4. كيف ومنسوب المياه الجوفية العالمي ينخفض بـ 1 بالمائة كل سنة؟ كيف وقد تضاعفت النزاعات بين الناس بسبب الماء ثلاثة أضعاف في العقدين الأخيرين؟

وما بلدنا عن كل هذا ببعيد، ما لم يتم سد الثغرات التي تم تشخيصها، ورص صفوف كل المؤسسات المتدخلة والمتداخلة في تدبير شؤون الماء لتحقيق انسجامها واندماجها، في إطار سياسة موحدة وواضحة المعالم مع العزم والحزم اللازمين لتحمل كلٍّ مسؤولياته، لوقف التبذير وترسيخ الحَكامة وحسن التدبير.


[1] Water management In fragile systems, Food And Agriculture Organization Of The United Nations Cairo, 2018 (P : Ix ; 12)
[2] Water Security & the Global Water Agenda, © United Nations University, 2013 (P : 1).
[3] تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الحكامة عن طريق التدبير المندمج للموارد المائية في المغرب (ص: 20-35) بتصرف.
[4] Qui sont les exclus de l’eau ?”, Article de l’UNESCO pour le compte de l’ONU publié le 19/03/2019.