بقلم: أنس السبطي

ذكرى مؤلمة تلك التي تُطلّ علينا مطلع يونيو من كل عام والتي تذكرنا بواحدة من جرائم المخزن بحق هذا الشعب المكلوم، حين طالت أيادي آثمة ابنا من أبنائه البررة لا لذنب اقترفه سوى أنه قرر أن يرفع صوته عاليا رفضا لاستعباد المغاربة وحكرتهم ليكون جزاؤه حفلة تعذيب ميداني وحشية، لفظ على إثرها أنفاسه الطاهرة شهيدا مغدورا بعد مشاركته في مسيرة سلمية.

الشهيد كمال عماري أيقونة 20 فبراير والحركة الاحتجاجية المغربية، لم يكن بدعا من الأحرار، فقبله ضحايا بالآلاف وبعده كذلك ولما يتوقف هذا النزيف ما دام سيف الظلم مسلطا على الرقاب، واستحضاره في ذكراه التاسعة والاحتفاء به بمعية باقي شهداء الكرامة تذكير بضحايا التركة الثقيلة التي خلفها النظام المغربي التي لا يجب أن تُقْبَرَ وتُنْسَى.

السلطة المغربية لم تتحمّل مسؤوليتها تجاه كمال عماري وهي ما زالت تتهرب لحد الساعة من تلك الجريمة الفادحة التي ارتكبتها عناصرها في وضح النهار، وهو أمر متوقع منها على كل حال، فليس واردا في حساباتها أن تقدم على متابعة أي عنصر من عناصرها مهما تدنت رتبته ومهما بلغت فداحة جرمه من أجل إعادة الاعتبار لأي مواطن حيث تعتبر ذلك جرحا لها وانتقاصا من هيبتها، فلأجهزتها الحرية المطلقة فيما تفعل وإن اكتنفت ممارساتها انتهاكات جسيمة.

 أما إن اضطرت إلى الالتفات لضحاياها تحت ضغط ظرفية طارئة فهي تقيد جرائمها بحقهم ضد مجهول كما صنعت سابقا مع هيئة الإنصاف والمصالحة، وقتها كان على الضحية أن تلعق جراحاتها وتكتم عذاباتها النفسية وهي تتحدث عن مأساتها في جلسات التفريغ التي عقدها لها جلادها الذي تقمص دور المعالج النفسي لها مرتديا ثوبا حقوقيا ناعما مجملا به صورته البشعة راميا إليها بشيء من الفتات.

طالع أيضا  كمال لم يمت... وقضيته لن تُنسى

لذلك فإن الاقتصار على الزاوية الحقوقية الصرفة في مقاربة ملف كمال عماري، على أهميتها، قد يقود إلى ذات النتيجة السابقة، فالنقاش القانوني البارد يفقد القضية زخمها إن لم يوازيه قوة ميدانية ضاغطة وإن اقتصر على تجزيء القضية وجعلها مجرد معركة مع عناصر شرطية محلية وليس مع نهج قمعي ثابت عند الدولة المغربية اكتوت به مختلف المدن التي شملتها نشاطات حركة 20 فبراير وغيرها من الحركات الاحتجاجية التي تلتها بدليل سقوط شهداء آخرين بنفس الكيفية التي استشهد بها عماري.

 كشف الحقيقة في موضوع قتل عماري غير كاف، فكمال ليس إنسانا عاديا قضى بالخطإ في احتكاك عابر مع بعض العناصر “الأمنية”، كمال عماري مناضل دفع ثمن مطالب ناضل من أجلها، وإنصافه لن يتحقق إلا باقتفاء أثره في مواجهة الفساد والاستبداد وفي تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في ربوع هذا الوطن.

لكمال عماري دين يجب أن يسدده شركاؤه في النضال، فالحراك الفبرايري لم يكن نزهة يمكن طي صفحتها سريعا والعودة إلى الحياة الروتينية كأن شيئا لم يقع، للحراك كلفته الباهظة التي دفعت من أرواح الشهداء وإدارة الظهر لما بذلوا خذلان وأي خذلان.