بقلم: سعيدة رامضي

توطئة

أثل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى فكرا تجديديا اصطلح عليه بنظرية المنهاج النبوي. وهو اجتهاد بشري علمي عملي مستوحى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يروم تغيير واقع الأمة المفتون لتنهض من حضيض غثائيتها، مسترشدا بقول الله عز وجل لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا (المائدة، 48)، ومستلهما من السيرة النبوية نبراسا وسراجا، وقد فسر سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما الشرعة بأنها ما جاء به القرآن، والمنهاج ما جاءت به السنة.

هذا النموذج لن يتكرر إلا بتربية جيل قرآني رباني على مستوى المسؤولية التاريخية، وإحياء الربانية في أمة رسول الله رجالا ونساء، ونيل المرأة، مثل أخيها الرجل الحظ الوافر من هذه التربية بما يلائم طبيعتها ويراعي خصوصيتها.  

فما هي معالم هذه التربية القرآنية الحكيمة؟ وكيف كان لها الأثر البالغ في بناء شخصية المرأة على أساس الإيمان، ورفع همتها لتتشوف إلى بلوغ درجات الإحسان؟ وهل استطاعت أن توظف كمالها الإيمانية الإحساني، في تربية جيل صالح، صانع لمستقبل أمته؟ وما هو أثر هذه التربية القرآنية، في تأهيل المرأة المؤمنة للإسهام في بناء مجتمعها؟

لقد عالج الفكر المنهاجي هذه الإشكالات وأجاب عن هذه التساؤلات، واتخذ من القرآن الكريم محورا للتنظير لتربية المؤمنة حافظة الفطرة وصانعة المستقبل. وهو ما سأحاول تلمس بعض جوانبه من خلال المباحث التالية: مركزية القرآن في تربية المؤمنة على طلب الكمالات، ودوره في تربية المؤمنة على تحقيق الاستقرار الأسري من خلال وظيفة الحافظية، لأخلص إلى إبراز أثر القرآن الكريم في تربية المرأة المؤمنة وتأهيلها للمشاركة الفعالة في بناء المجتمع.

المبحث الأول: القرآن الكريم وتربية المؤمنة على طلب الكمالات

اتخذ الإمام رحمه الله من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أساسا للفكر المنهاجي عامة، وللأساس التربوي بصفة خاصة. ومن الآيات التي استند إليها في تأصيل مفهوم السلوك الإيماني الإحساني، قول الله تعالى أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (يونس، 62-64). كما استند إلى أحاديث نبوية شريفة، من أهمها حديث سيدنا جبريل عليه السلام الذي بين فيه مراتب الدين وضرورة التدرج من إسلام لإيمان لإحسان وإيقان. كما رفع همة المؤمنة لتتجاوز هامة الزمان وتطلب مقام الكمال وتفوز بالبشارة في الدارين، قدوتها في ذلك سيرة الصحابيات والصالحات ممن سبقونا بإحسان، يقول الإمام رحمه الله: “إلى النماذج الكاملة من بنات البشر تشرئب أعناق المؤمنات، وإلى جهاد يلحقهن بهن على درجة الكمال يتعبأن ويعبئن أجيالا، باحتذاء النماذج الأكمل وهم الرسل عليهم السلام، وبصحبتهم والاتصال بهم أمهات وزوجات وبنات نالت مريم وآسية وخديجة وفاطمة وعائشة كمالهن” (1).

طالع أيضا  نظرات في قضية المرأة في عيدها الأممي.. آفات وآليات ووظائف

بالتربية الإيمانية القرآنية تكسب المؤمنة درجة رفيعة من حسن الخلق، تأسيا بسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي “كان خلقه القرآن”، والذي جعل من كمال الأخلاق دليلا على كمال الإيمان، في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله”، كما روت عنه أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها. ولا يستثنى من هذا الحق في طلب الكمال رجل أو امرأة. و أشار رحمه الله إلى لطيفة، أن ليس عبثا أن تكون المرأة، في شخص أمنا عائشة رضي الله عنها، هي من تروي أحاديث حسن الخلق وأحاديث الرحمة والرفق. وهو ما تحتاجه الأمة في عصر شحت فيه النفوس وانسدت قنوات القلوب عن بذل المحبة والمودة والمرحمة، ويزداد الأمر أهمية عند المؤمنة إن كانت من أهل الدعوة إلى الله، مسهمة في بناء مجتمع العمران الأخوي.

لا يمكن أن نتكلم عن الكمال القلبي والخلقي لبناء شخصية المؤمنة المتوازنة قلبا وخلقا وعقلا في الفكر المنهاجي بمعزل عن كمالها العلمي، خاصة أن القرآن الكريم افتتحت آياته بكلمة “اقرأ”، حسب ما جاء في بعض التفاسير، في أول ما نزل من القرآن. إن جهاد العلم وتوطينه في بلداننا المتخلفة العالة المعدمة في سوق إنتاج العلوم، لمن أسبق الأولويات، وبصفة أخص لمن حباهن الله بذهن وقاد، لكن يظل العلم بالله وبوحيه وسنة رسوله من أساسيات الفقه الذي ينبغي أن تتنافس في نواله المؤمنات، “الكمال العلمي تعلم القرآن وتعليمه وتفريع كل علم سواه عنه من علوم الدين والدنيا. “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” (2).

لكن المطمح في سلوك المؤمنة المحسنة أن يوازي حفظها لكتاب الله، حفظ حدوده بتدبر آياته والخشوع في تلاوته. وهذا الأثر القلبي لا يحصل إلا بتوافر شروط التربية الثلاث التي لخصها المنهاج النبوي في “الصحبة والجماعة، الذكر، والصدق”. وتتمثل في صحبة ربانية وارثة، وبيئة إيمانية حانية، وذكر يشمل الفرض قبل النفل، يسبقه ويجليه صدق المؤمنة واستعدادها النفسي لطلب وجه الله، والفوز بمحبته، فيشملها قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء (البقرة، 124).

التربية في التصور المنهاجي جامعة شاملة لجميع مناحي الحياة، تستوعب احتياجات الفرد والأسرة والمجتمع. فما هو الدور الذي خص به المرأة في استقرار الأسرة من خلال ما رشفته من تربية إيمانية قرآنية؟

المبحث الثاني: دور القرآن الكريم في تربية المؤمنة على تحقيق الاستقرار الأسري من خلال وظيفة الحافظية

يتميز الفكر المنهاجي بصبغة التجديد في استنباط بعض المفاهيم القرآنية والنبوية، بما يلائم تنزيلها وفق مطالب عصرنا وإشكالياته المتعددة. من أبرزها مفهومي القوامة والحافظية. قال الله تعالى في محكم كتابه الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ (النساء، 34). القوامة هي مسؤولية الرجل الزوج في الأسرة، تقابلها الحافظية وهي مسؤولية المرأة الزوج، ضمانا من الشارع لتحقيق الأمن والاستقرار الأسري، إن كان مع الزوجين زاد من التقوى.

طالع أيضا  ذة. حمداوي: نسعى لإحياء المعاني التي رفعت المرأة إلى حيث رفعتها النبوة

تتحمل الزوج المؤمنة أمانة عظيمة، في حفظ الذرية وصلاحها من خلال وظيفتها، وهي مسؤولية تتطلب قدرا كبيرا من الخبرة، والصبر، والإيمان، وتشكل واسطة عقد كمالها. “ما يكون لكمالها العلمي والخلقي وتقواها إلا زينة عقيمة إن أفادتها إفادة فهي فائدة محدودة، ينقطع بعد الموت عملها إن لم تخلف ذرية صالحة، إن لم تساهم في بناء الأمة إن لم توظف كمالها العلمي والخلقي والقلبي في صنع مستقبل أمتها، واكتفت بكونها معبرا لبروز الذرية، ومحطة   لمرورها” (3).

يستشهد الإمام رحمه الله بحديث نبوي لفهم شامل وعميق لمدلول الحافظية، روى ابن جرير الطبري بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خير النساء امرأة إذا نظرت إليها أسرتك وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك”. فيتجلى معنى الاستقرار حين ينظر الزوج لزوجه فتقر عينه بها للمحبة والود الذي يجمعهما، وإذا غاب حفظته في نفسها وماله. فالمقصد من الزواج باعتباره رابطة مقدسة، حصانة الزوج الذكر، وحفظ عرض الزوج الأنثى، مما يسهم في حفظ النسل، ويحافظ على نسيج الأمة، أمة الرسالة الخالدة، وليس ما يدعو إليه دعاة الإباحية، والتحلل من كل القيم والأخلاق، بما جدوا من تسميته بالعلاقات الرضائية. وهذا ما أكد عليه الأستاذ ياسين رحمه الله قائلا: “أنفس ما تحفظه نساء الأمة أنساب الأمة، لأن لفيفا من اللقطاء لا يسمى أمة، إذ لا جامع بين مخلوقات فيه منفصمة الروابط. لهذا استحق اللعنة وحرمت عليه الجنة من استهان بحرمة النسب” (4)، كما تحفظ الزوجة مال زوجها بالأمانة وحسن التدبير، فتكون بذلك حافظة لكليات الدين.

إن إيمان المؤمنة عامل حاسم وجوهري في حفظ كليات الدين مما يليها، بتربية الأبناء تربية حسنة، ترضعهم ألبان الإيمان وتسقيهم من جداول محبة الله ورسوله، وهي جبهة أساسية وثغر شاغر لا يسده غيرها، في ظل هجمة غير مسبوقة على مقوماتنا الأصيلة، ازدادت شراسة بفعل العولمة والتطور المذهل  لوسائل الإعلام والاتصال مع ما تحمله من قيم منحلة.

ويؤكد الإمام رحمه الله على محورية القرآن الكريم في العملية التربوية؛ “ثم يكون القرآن محور العملية التربوية ومورد العلم وجامع العلوم. لاسيما في السنوات التسع الأولى حين يتكون النسيجُ الأساسي للشخصية. هل يستوي في فرص علوق الإيمان بالقلب مَن غذَّينه بالأغاني رضيعا ومن ألقمنهُ مع ثدي اللبن ثدي التغني بالقرآن؟ قلت: فُرص العلوق. وإلا فالهداية الإلهية والرحمة تصيب من شاء الله كما يشاء الله” (5). وإنها لمسؤولية يجب أن يتعاون على حملها كل من الرجل والمرأة بل المجتمع بأكمله. ويعتقد علماء النفس والتربية “أن تأثير الأسرة في تربية الطفل يفوق بآثاره بقية المؤسسات المجتمعية الأخرى، بل إن نجاح المؤسسات الأخرى يتوقف على الأسرة” (6).

طالع أيضا  فرشاشي: سيرة الصحابية أم ورقة بنت نوفل نموذج لمكانة المرأة في صدر الإسلام

المبحث الثالث: أثر التربية الإيمانية في مشاركة المؤمنة في تعبئة المجتمع

من خصائص التربية المنهاجية جمعها بين المطلب العدلي والمطلب الإحساني بعد الانفصام النكد الذي وقع بين الدين والدولة بسبب الانكسار التاريخي والخلاف حول الحكم، يتجلى هذا الربط جليا في قوله  تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” (النحل، 90)، وعليه فالمؤمنة ليست معنية فقط بالسعي لخلاصها الفردي وخلاص أسرتها، وإنما كذلك بمصير أمتها، جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل، بمقتضى الولاية العامة. قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة، 71).

ويبسط الإمام بين أيدينا حديثا نبويا شريفا يحدد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤولية أفراد المجتمع حاكما ومحكوما؛ “روى الشيخان والترمذي وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع ومسؤول عن رعيته”، يؤكد من خلاله على الأمانة الملقاة على المرأة في بيتها، لكنها لا تتنافى مع مسؤوليتها وحضورها الفاعل في المجتمع بمقتضى القرآن؛ “ما هنا لكُنّ معشرَ المؤمنات من دليل يُقيلكن ويعفيكن من المسؤولية السياسية. إن كانت السنة المطهرة خصصت لكن مجالكن الحيوي حيث تزاولن أمانة الحافظية صالحاتٍ قانتات، فعموم القرآن أهاب بكن إلى تعبئة شاملة تدْعَمْنها بما يفيض من وقتكن وجهدكن بعد أداء واجبكن التربوي الأساسي. وليست تربية الأجْيال إِلا ترسيخا للمعروف وإبادة للمنكر” (7)، ولنا في نماذج الصحابيات خير قدوة؛ فمنهن العالمة المفتية والمجاهدة الفذة والمسعفة والحاسبة والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر. ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

هذه بعض ملامح التربية الإيمانية في الفكر المنهاجي المستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تؤطر سلوك المؤمنة لترتقي في مدارج الإحسان وتكسبها وسائل عملية للتحلي بشعب الإيمان.

فهل من همم تقتحم العقبات، وتشحذ العزائم لاستكمال الإيمان والترقي في مقامات الإحسان؟

ومسك الختام، أزكى الصلاة والسلام على خير ولد عدنان.


الهوامش:

(1) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 255.

(2) رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه.

(3) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 194.

(4) نفسه، ص 83.

(5) نفسه، ص 232.

(6) مصطفى مبارك إيدوز، التغيير في نظرية المنهاج النبوي.

(7) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص 270.

المصدر: موقع mouminate.net