اعتبر الدكتور محمد سلمي، مسؤول الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان وعضو أمانتها العامة، أن القضاء الكفء والنزيه والمستقل ركن أساسي في بناء الدول، وأشار إلى أنه في تاريخ الأمة لا يتولى القضاء إلا نخبة النخبة وصفوة الصفوة، وكان كبار العلماء يتجنبون تولي منصبا من مناصب القضاء في ظروف الاستبداد مخافة أن يوظفوا من قبل السلطة ضد خصومها ومعارضيها أو ضد المستضعفين.
ورفض، في الندوة الحقوقية عشية الجمعة 29 ماي 2020 بمناسبة الذكرى التاسعة لاستشهاد كمال عماري، بشدة أن يتكرر توظيف القضاء لتصفية الحسابات مع الخصوم، كما رفض القضاء الفاسد الذي يوظفه أصحاب الجاه والمال والنفوذ والسلطة ضد المستضعفين.
وذهب سلمي في كلمته إلى أن الإفلات من العقاب فيه تكريس للجريمة وتشجيع على إعادتها لذلك فلا ينبغي تكراره، وأضاف: “لا نريد أن تتكرر التحقيقات الصورية ولا التحقيقات التي لا تفضي إلى الحقيقة أو تسعى إلى طمسها”، مشيرا في هذا الصدد إلى التحقيقات التي فتحت في قضايا خطيرة ببلادنا لكنها لحد الآن لم تفضي نتائجها إلى شيء مقنع، إن ظهرت هذه النتائج أصلا.
سلمي، الذي كان يتحدث في ندوة “كمال العماري وسؤال الحقيقة والإنصاف” التي نظمتها جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري، أوضح أن القوة العمومية “سلطة يخولها الشعب للدولة في إطار تعاقد مجتمعي لتستعملها في حماية أمن المواطنين وسلامتهم وكرامتهم ومصالحهم”. ووصف هذه المهمة بـ “الشريفة” موضحا أن العيش في بلد ينعدم فيه الأمن لا يطاق.
وعلى هذا الأساس يقول “لا ينبغي أن يتكرر توظيف هذه المهمة الشريفة بشكل سادي انتقامي عدواني، فكل تدخل للسلطة أو القوة العمومية يكون مرفقا بعنف زائد عما تفرضه الحكمة في ضبط الأمن أو يكون مرفقا بعبارات السب والشتم والإهانة والتهديد، ينم عن عقلية مريضة تحتاج إلى علاج وتنتج عنها سلوكات عدوانية، فلا ينبغي أن يتكرر أو يمر دون اتخاذ الإجراءات اللازمة”.
وبالرغم من أن سلمي في كلمته لفت إلى أن أحداث الاعتداءات المفضية إلى الوفاة مسألة لازمت البشرية منذ أن قتل قابيل هابيل إلى اليوم، مذكرا بحدث قتل الشرطي الأمريكي لمواطن أمريكي من أصل إفريقي وسط زملائه من ضباط الشرطة الذين كانوا يمنعون المارة من التدخل قبل يومين، إلا أنه شدد في المقابل على ضرورة الفصل بين أحداث ناجمة عن انفعال وتوتر أو مرض نفسي يعاني منه الذي يكون في موقع القوة أو يمتلك السلطة، وبين سياق تمر فيه مثل هاته الجريمة دون أن يكشف عن تفاصيلها أو يعلم بما جرى حقيقة أو يعاقب الذي ارتكب الجرم مع أن النصوص القانونية موجودة وواضحة.
وأوضح أن الدستور المغربي في المادة 20 و22 ينص على هذا الحق ويجعله مقدسا، والتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان تؤكد هذا الحق وتجعل الدولة أمام مسؤوليتها، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 3 والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية كذلك، هذه القوانين يقول سلمي؛ تلزم الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة للكشف عن الحقيقة ومعاقبة المتورطين في الحدث، لكن هذا لم يقع وللأسف.
واعتبر سلمي قرار قاضي التحقيق بتاريخ 24 مارس 2016 بعد قرابة خمس سنوات على الحدث القاضي بعدم المتابعة في هذا الملف؛ ضربا في مصداقية المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أكد في تقريره ربط المسؤولية المباشرة في الحدث بتدخل القوات العمومية، وطعنا في جدوى وجود هذه المؤسسة مادامت تقاريرها غير ذات معنى، موضحا أن المجلس بدوره يتحمل مسؤولية التفاعل مع هذا القرار وهو ما لم يتم إلى حد الآن.
ورفض بشدة تجاهل الجهود التي يبذلها المجتمع المدني لبناء دولة الحق والقانون، أو تصنف هذه الجهود ضمن خانة المزعجات، مشيرا في ذلك إلى ما أصدره المرصد المغربي للحريات العامة ومنظمة الوسيط لأجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في تقرير يحمل المسؤولية مباشرة للقوات العمومية في مقتل الشهيد كمال عماري.

طالع أيضا  كيف ننصف الشهيد كمال عماري؟