نظمت جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري رحمه الله، ندوة حقوقية عن بعد بمناسبة الذكرى التاسعة لاستشهاده تحت عنوان: “كمال عماري وسؤال الحقيقة والإنصاف“ يوم الجمعة 29 ماي 2020، في إطار فعاليات أسبوع الشهيد رحمه الله الذي تعرض لاعتداء مميت في نفس يوم الندوة من سنة 2011 بعد مشاركته في تظاهرة لحركة 20 فبراير.

وقد أطر الندوة، التي سيرها الإعلامي عمر أيت لقتيب، فاعلون بارزون هم الدكتوران محمد الزهاري ومحمد سلمي والمحامي محمد أغناج، والناشطة الحقوقية البارزة خديجة الرياضي، عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي قاربت قضية الشهيد رحمه الله على ضوء الآليات الوطنية والدولية لحماية حقوق الإنسان من خلال المآل والمأمول، خاتمة مداخلتها بخلاصات استشرافية.

في بداية مداخلتها، شكرت الناشطة الحقوقية جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد، واعتبرت “ذكراه عزيزة”، يتم من خلالها التأكيد على مواصلة السير على خطى الشهيد كمال رحمه الله، ومن أجل الأهداف النبيلة التي ضحى في سبيلها والتي ناضلت حركة 20 فبراير لتحقيقها وهي أساسا مناهضة الفساد والاستبداد الجاثمين على رقاب شعبنا المغربي. كما اعتبرت شهر ماي بالذات شهرا للشهداء قضى فيه مصطفى الحمزاوي (16 ماي 1993)، وكمال عماري (29 ماي 2011)، ثم الشهيد عبد الله حجلي (27 ماي 2019) رحمهم الله، شهداء على عنف السلطة والإفلات من العقاب اللذين لم يتوقفا قبل وبعد الإنصاف والمصالحة، قبل وبعد دستور 2011، بل تحولا إلى سياسة ممنهجة وخيارا ترفض الدولة التخلي عنهما إلى يوم الناس هذا.

في الشق الأول من مداخلتها استعرضت المناضلة الحقوقية مسار قضية الشهيد كمال عماري على ضوء الآليات الوطنية والدولية لحماية حقوق الإنسان.

تحدثت الرياضي عن الآليات الوطنية من خلال ثلاثة مسارات:

1-  المسار القضائي: حيث سجلت لعائلة الشهيد ولدفاعها استماتتهما في الدفاع عن الملف وطرق كل الأبواب وتحميل الجميع مسؤوليته، بل وصمود العائلة أمام كل محاولات الإقبار والتعتيم من طرف السلطة.

وهكذا تابعت العائلة، بحسب المتحدثة، المسار القضائي إلى نهايته، واصطدمت بجهاز قضائي لا يزال، كما في الماضي، وسيلة لتكريس الإفلات من العقاب، حيث قررت المحكمة الاستئنافية عدم المتابعة وحفظ الملف إلى حين ظهور عناصر جديدة رغم عدم استعمال قاضي التحقيق، حسبها دائما، لكل صلاحياته للبحث في القضية والتعرف على الجناة، لتكون الخاتمة قرار محكمة النقض في نهاية 2017 رفض طلب دفاع العائلة المطالب بنقض قرار هذه المحكمة.

طالع أيضا  كمال لم يمت... وقضيته لن تُنسى

2-  المسار الحقوقي الرسمي: حيث بت المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتباره مؤسسة دستورية رسمية، ورغم أن ما قام به هذا المجلس، في منظور الرياضي، لم يتجاوز الإقرار بأن هناك انتهاك في الحق في الحياة وعزاه إلى استخدام مفرط للقوة العمومية، لكنه يعتبر سندا قويا للعائلة للمطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة، لكون المؤسسة ذات طابع رسمي.

3-  المسار الحقوقي المدني: في هذا الصدد أشارت المناضلة الحقوقية إلى مختلف تقارير الجمعيات والمنظمات الحقوقية التي تبنت ملف الشهيد كمال عماري رحمه الله، وعلى رأسها تقرير المرصد المغربي للحريات العامة ومؤسسة الوسيط الذي اعتبر وفاة كمال عماري ناتجة عن الإفراط في استعمال القوة وتردي الخدمات الصحية في المستشفى الذي لجأ إليه.

ومن بين تلك التقارير أيضا، أحالت الناشطة الحقوقية إلى التقرير الموازي للتقرير الحكومي حول إعمال اتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 2011، الذي أعدته الجمعية المغربية والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان بتنسيق مع المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، وعلى إثره طالبت اللجنة الأممية المعنية من الحكومة المغربية التحقيق في جميع حالات التعذيب وسوء المعاملة المفضية للموت، ضمنها حالة الشهيد كمال، والتي لم يتم إعمال العدالة فيها.

أما على المستوى الدولي، فوقفت عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان عند أهم الآليات التي سلكتها قضية الشهيد كما عماري رحمه الله. حيث أشارت إلى التقرير الذي سبق أن قدمه المقرر الخاص بمناهضة التعذيب في 04 مارس 2013 بجنيف، الذي اعتبر الشهيد كمال عماري ضحية استعمال مفرط للقوة من قبل القوات الأمنية، مطالبا الدولة المغربية بالقيام بتحقيقات محايدة ومعمقة في هذه القضية وفي كل قضايا التعذيب وسوء المعاملة الحاطة والمهينة للكرامة.

وفي نفس السياق الدولي، استعرضت الرياضي بعض تقارير المنظمات الدولية التي تبنت قضية الشهيد وطرحتها سواء من منطلق انتهاك الحق في الحياة أو من منطلق الإفلات من العقاب، حيث أوردت ثلاثة نماذج على سبيل المثال وهي:

1-  منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) التي قالت في أحد تقاريرها أن كمال عماري تعرض لاعتداء من قبل لقوات الأمن أثناء مشاركته في مسيرة سلمية.

طالع أيضا  الرياضي: الجميع يطالب بالحد من الإفلات من العقاب .. والسالمي: القضاء يكرسه رغم وضوح التقارير

2-  الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان: التي أثارت قضية الشهيد عماري في تقريرها حول إصلاح العدالة بالمغرب سنة 2015.

3-  منظمة العفو الدولية التي ضمنت ذات القضية في تقريرها السنوي العالمي لسنة 2012، كما أشارت ذات المنظمة، بحسب الرياضي، إلى هذه القضية في تقريرها الموازي في إطار المراجعة الدولية الشاملة الخاصة بالمغرب سنة 2013.

بعد هذا الاستعراض لهاته الآليات الوطنية والدولية تساءلت المناضلة الحقوقية عن ماذا يمكن أن يضاف على مستوى هذه الآليات بعد الذي تقدم؟

وجوابا عن هذا السؤال رصدت الرياضي في الشق الثاني من مداخلتها، أهم ما يمكن إضافته على مستوى هذه الآليات وطنيا ودوليا:

1- على المستوى الوطني: عدّدت المتحدثة عددا من المداخل المهمة للدفع بقضية الشهيد كمال عماري رحمه الله في طريق الوصول للحقيقة وجبر الضرر ومنها:

·        استثمار الفجوة التي تركها قرار محكمة النقض بعدم الإغلاق النهائي للملف، وهذا مسار متروك لهيئة دفاع عائلة الشهيد.

·        إعادة طرح الملف على المجلس الوطني لحقوق الإنسان لمساءلته عن إعمال خلاصاته المتعلقة بالإقرار بالاستعمال المفرط للقوة العمومية المؤدية لانتهاك الحق في الحياة، باعتبار هذا المجلس ليس مهمته فقط الإقرار بوجود الانتهاكات، بل أيضا العمل على رفع تلك الانتهاكات وإنصاف الضحايا.

·        أهمية استعادة القضية لأولويتها لدى الحركة الحقوقية المغربية، خاصة تلك التي تتقاسم التضحيات مع ما ضحى الشهيد من أجله، والتي تناهض الإفلات من العقاب في جميع القضايا.

2- على المستوى الدولي: رصدت الحقوقية البارزة مجموعة من الإمكانيات الكثيرة في هذا الصدد بالنظر إلى التراكم المهم والحضور القوي لقضية الشهيد في تقارير مختلف المنظمات الدولية، لعل من أهم هذه الإمكانيات بحسبها:

·        اللجوء إلى المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاء، التي تقوم بالتحقيق في أي ادعاءات جوهرية تحال إليها في هذا الصدد وتتخذ عدة إجراءات بعد القيام بحوار مع الحكومات المعنية، وهذه الآلية مهمة بالنظر إلى أن قضية الشهيد كمال عماري لم يلتزم فيها القضاء بالاستقلالية والحياد الضروريين من أجل قضاء فعال ونزيه.

·        اللجوء إلى المقرر الخاص بالإعدام خارج القانون، الذي يهتم بكل أشكال انتهاك الحق في الحياة التي تكون أجهزة السلطة متورطة فيها، حيث يدخل ضمن ولاية هذا المقرر التدخل في حالات انتهاك الحق في الحياة الناتج عن استعمال القوة العمومية بشكل لا يتماشى مع معايير الضرورة والتناسب، كما يحقق هذا المقرر في حالات الإفلات من العقاب باعتباره السبب الرئيسي في استمرار حالات الإعدام خارج القانون. وفي كلتا الحالتين فقضية كمال عماري، في رأيها، تندرج في هذا الإطار.

طالع أيضا  ليلة الوفاء للشهيد كمال عماري رحمه الله.. في ذكرى اغتياله التاسعة (فيديو)

·        ومن جانب ثالث، ونظرا لعدم تقادم جرائم المس بالحق في الحياة، طالبت المتحدثة، الحركة الحقوقية التي تقدم تقارير الظل أو التقارير الموازية سواء في مجال إعمال اتفاقية مناهضة التعذيب أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أو في إطار المراجعة الدولية الشاملة، مواصلة استحضار قضية الشهيد كمال عماري.

وبعد عرضها لهذه المسارات الجديدة، أكدت الخبيرة الحقوقية، ترابط المسارات الوطنية والدولية لكون إحداها تؤثر على الأخرى مما ينبغي معه الاشتغال عليهما بشكل متواز.

وفي ختام مداخلتها القيّمة، شدّدت الرياضي على أهمية الآليات النضالية على المستوى المحلي وذلك بخلق حركة مناهضة لعنف السلطة ولمواجهة تغول أجهزتها الأمنية وفضح القضاء المسيّس الذي يبيض انتهاكات السلطة، والنضال ضد الإفلات من العقاب الذي يغطي على تلك الانتهاكات ويحمي مرتكبيها.

وفي هذا الصدد دعت الناشطة الحقوقية إلى الاشتغال على كل الحالات التي تم فيها انتهاك الحق في الحياة من طرف الأجهزة الأمنية صونا للذاكرة وعدم نسيان من قضوا جراء التدخل العنيف لمختلف هذه الأجهزة من جهة أولى، ثم من جهة ثانية لخلق قوة ضاغطة تضع حدا للإفلات من العقاب الذي يتمتع به مرتكبوه، والذي هو أصل المشكل، في نظر الحقوقية البارزة، لأنه هو الذي يشجع على استمرار هذا العنف وتزايده.

وأدرجت ذات المتحدثة هذه الحركة ضمن نضال أعم في اتجاه علاقة جديدة بين السلطة والمواطن، والتي كانت وعودا من السلطة نفسها في توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة والتي أخلفتها للأسف، خاصة تلك التي تدعو إلى حكامة أمنية وإستراتيجية جديدة لعدم الإفلات من العقاب.

وربطت الأستاذة الرياضي نجاح هذه الحركة باستماتة عائلات الضحايا، على غرار عائلة الشهيد كمال عماري رحمه الله، ثم بانخراط قوي لكل القوى المناضلة من أجل مغرب الكرامة والعدالة والمساواة وكل القيم التي ضحى من أجلها الشهيد كمال عماري وكل الشهداء.