تخليدا للذكرى التاسعة لاستشهاده، نظمت جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري ندوة حقوقية عن بعد، تدخل فيها الناشط الحقوقي والمحامي البارز محمد أغناج، بصفته عضو هيئة الدفاع في ملف الشهيد، وذلك للحديث عن ملف الشهيد والتقييم القانوني للمسار القضائي ومآلاته.

أغناج تطرق لثلاثة محاور، أولها التذكير بالمسار القانوني القضائي الذي عرفه الملف، وثانيها الحديث عن الاختلالات التي عرفها هذا المسار القانوني والقضائي، وأخيراً تطرق للخلاصات والآفاق التي لا زالت أمام هذا الملف.

المتحدث بدأ بالتذكير بما تميزت به سنة 2011 من حراك اجتماعي سياسي، عرف تحت شعار: حركة 20 فبراير من أجل المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وكان المرحوم الشهيد كمال عماري ممن التحقوا بهذا الحراك بمدينة آسفي، بحيث كان يحضر بصفة منتظمة، أنشطة ومسيرات هذه الحركة. وفي يوم 29 ماي 2011 قررت حركة 20 فبراير بمدينة آسفي تنظيم مسيرة احتجاجية في أحد الأحياء الشعبية، بتوقيت صلاة العصر، التحق الشهيد بالمسيرة، وبدأت المسيرة هادئة بحضور رجال السلطة، ثم تدخلت قوات الأمن على مستوى أحد الشوارع، من أجل تفريق المتظاهرين، واستعملت من أجل ذلك العنف بغية قمع وتفريق هذه المظاهرة. مما أدى في النهاية إلى تفريق المظاهرة، لكن قوات الأمن استمرت في ملاحقة المناضلين على مستوى الحواري والشوارع.

وكان من المستهدفين بهذا التتبع عماري، الذي سجل عدة شهود على أنه تم تعقبه على مستوى أحد الأزقة، حيث تم إيقافه من طرف عناصر الأمن الدراجين ما بين خمس وعشر عناصر، وتم إسقاط الشهيد أرضاً، وتعريضه للضرب بواسطة العصي، في عدة نواحي من جسمه، مما أدى إلى إصابته بعدة رضوض وإصابات مختلفة الخطورة، وتمكن بعدها من النهوض والإفلات، وتم تتبعه للمرة الثانية، والقبض عليه من جديد، وإسقاطه أرضاً مرة أخرى وضربه من جديد.

وبعد ذلك ترك أرضا بعد تعريضه للضرب المبرح، وغادر المعتدون مكان الاعتداء، وتمكن الشهيد كمال عماري من النهوض مرةً ثانية، والتحق بعد ذلك بمنزله.

لكن آثار الضرب، يواصل أغناج استرجاع الحدث، بدأت تظهر عليه في تلك الليلة، ليلة الأحد 29 ماي، ويوم الاثنين قام باستشارة أحد الأطباء والحصول على بعض العلاجات، لكن حالته استمرت في التفاقم، يومي الثلاثاء والأربعاء، وصارت حالته سيئة جداً، فتم نقله يوم الخميس إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس بمدينة آسفي، وفارق الحياة رحمه الله بهذا المستشفى.

مباشرة بعد وفاته، أُشعرت النيابة العامة، وأوفد الوكيل العام نائبين من أجل معاينة الجثة رفقة الطاقم الطبي، وأمر بإجراء تشريح طبي كلّف به مركز الطب الشرعي بمدينة الدار البيضاء، الذين انتقل أطباء منه إلى مدينة آسفي، وعاينوا الجثة خلال ليلة الخميس والجمعة، وأجرى الأطباء تشريحا طبياً، وأنجزوا تقريرا مفصلاً مرفقاً بالصور، لوضعية المرحوم الشهيد.

ويوم الجمعة تقدمت هيأة الدفاع بشكاية إلى الوكيل العام للملك، من أجل الضرب الذي تعرض له كمال والذي أدى إلى وفاته.

طالع أيضا  كيف ننصف الشهيد كمال عماري؟

وتلقى الوكيل العام تقريراً إخبارياً من الشرطة القضائية بمدينة آسفي، التي زعمت أن المرحوم بعد واقعة الاعتداء الذي تعرض له، سبق أن اتصل بأحد رؤسائه في عمله، باعتباره يعمل مداوماً بالحراسة في ميناء آسفي ليلاً، وتوصلت الشرطة بإفادة من أحد رؤسائه أنه اتصل به هاتفياً، وأخبره بأنه تعرض لحادثة سير.

وبتاريخ 11 يونيو 2011 أصدر الوكيل العام بلاغاً يخبر فيه بأنه كلّف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لإجراء بحث حول واقعة وفاة المرحوم الشهيد كمال عماري. وفعلاً، يقول المحامي بهيئة الدار البيضاء، انتقلت عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لمدينة آسفي، واستمعت إلى عائلة الشهيد، وإلى الفريق الطبي الذي تلقى الشهيد كمال عماري سواء يوم الاثنين أو يوم الأربعاء أو يوم الخميس. واستمعت كذلك إلى بعض الشهود، خصوصاً في مكان عمل الشهيد عماري، وأنجزت تقريرها الذي سلمته للوكيل العام في يوليوز 2011.

ومباشرة بعد تلقي هذا التقرير، أصدر الوكيل العام ملتمساً إلى قاضي التحقيق بالغرفة الأولى بمحكمة الاستئناف بآسفي من أجل فتح تحقيق ضد مجهول، من أجل جناية العنف العمدي المؤدي إلى الموت دون نية القتل والعنف العمدي، طبقاً للمواد 403 و400 من القانون الجنائي.

هذا الملتمس الذي فتح له ملف تحقيق عدد 280/11 الغرفة الأولى. ثم تلقى الوكيل العام يوم 21 نونبر 2011 تقريراً أنجزته لجنة التحقيق والتحري بشأن أحداث 29 ماي ووفاة كمال عماري، وشكلت هذه اللجنة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان. والتي حررت تقريرها بتاريخ 14 يونيو 2011، ووجهته إلى النيابة العامة، وقامت الإدارة بإيداعه ضمن ملف التحقيق، وقام كذلك بإيداع تقرير التشريح الطبي الذي أنجز من طرف الفريق الطبي، الذي عاين المرحوم.

قاضي التحقيق خلال عمله أعاد الاستماع لجميع الأشخاص، الذين استمعت لهم الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، خصوصاً الأطر الطبية وعائلة الشهيد كمال عماري، ثم بتاريخ 16 يناير 2015 أصدر أمراً بالاطلاع باعتباره يهيئ الملف لانتهاء التحقيق، لعدم التعرف على الشخص المتسبب في الفعل.

فتقدمت النيابة العامة بملتمس رامٍ إلى الاستماع إلى مجموعة من الشهود الذين ذكروا في وثائق الملف، لكن قاضي التحقيق أصدر قراراً بعدم التوسع في التحقيق، وبانتهاء البحث بتاريخ 20 يناير 2015.

استأنف هذا القرار أمام الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف، التي ألغت قرار قاضي التحقيق بعدم التوسع في التحقيق، وصرحت بمواصلة إجراءات التحقيق وفق ملتمسات النيابة العامة، وأعطي الأمر باستدعاء الشهود والاستماع إليهم.

وبعد هذا القرار الصادر بتاريخ 2 فبراير 2015، أرجع الملف إلى قاضي التحقيق من جديد، والذي واصل إجراءات التحقيق، لكنه لم يستمع إلى الأشخاص المطلوبين، فأصدرت النيابة العامة بتاريخ 15 مارس 2016 ملتمساً جديداً تلتمس فيه من السيد قاضي التحقيق الأمر بحفظ القضية مؤقتاً، إلى حين ظهور عناصر جديدة، من شأنها ثبوت التهمة في حق الشخص أو الأشخاص المعلومين، وهذا ما استجاب له قاضي التحقيق بتاريخ 24 مارس 2016، فأصدر قراراً بعدم المتابعة، وبالحفظ المؤقت للقضية، إلى حين ظهور عناصر جديدة.

طالع أيضا  قضية عماري.. عنوان بارز لظاهرة الإفلات من العقاب

هذا الأمر، يضيف المتحدث، استأنفناه نحن كطرف مدني، وأيدته الغرفة الجنحية، وطعنّا فيه بالنقض، ورفضت محكمة النقض القرار.

نلاحظ من خلال هذا المسار، يقول أغناج، أنه في البداية كان يراد لهذا الملف أن يرسم له مسار الواقعة العادية، المتعلق بحادثة السير، لكن متابعة النيابة العامة ركزت على أن المرحوم كان ضحية عنف، أدى إلى وفاة.

ثم ثانياً هناك عناصر كثيرة جداً مضمنةٌ في التقارير المدلى بها في الملف، خصوصاً في التقرير المنجز من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وكذلك في التقرير الذي أنجز من طرف جمعيات موازية لعمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وبطلب من هذا الأخير. والتي استمعت إلى مجموعة من النشطاء بالحراك الشعبي، الذين أكدوا واقعة الاعتداء، سواء عن طريق المشاهدة المباشرة، أو عن طريق المحيط العام الذي وقع.

قاضي التحقيق لم يستمع إلى أي من ممثلي الإدارة الترابية أو ممثلي الأجهزة الأمنية على مستوى مدينة آسفي، على عكس ما قام به المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بحيث أن قاضي التحقيق اكتفى بإعادة الاستماع للأشخاص الذين استمعت إليهم الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وكان مطلب الحق المدني هو تعيين شخص أو أشخاص يشتبه فيهم بأنهم ارتكبوا تلك الأفعال والاستماع إليهم.

قاضي التحقيق كذلك لم يتعامل بالجدية اللازمة مع تقرير التشريح الطبي، الذي أظهر آثار الفعل الذي تعرض له الشهيد كمال عماري على مستوى جسده، خصوصاً وأنه كان مبيناً بالصور المرفقة بتقرير التشريح الطبي.

وقاضي التحقيق كذلك، يستكمل أغناج، لم يتعامل مع الملف في سياقه الذي ارتبط بعملية القمع الذي تعرضت له حركة 20 فبراير في مسيرتها يوم 29 ماي، حيث أن قاضي التحقيق تعامل مع الواقعة كأنها واقعة معزولة، لا علاقة لها بالوقائع الأخرى التي سطرت في العديد من التقارير والبلاغات والبيانات الرسمية حول هذه الواقعة.

المتحدث يضيف بقوله إنهم سجلوا كدفاع التعامل السلبي الذي تعاملت به النيابة العامة مع هذا الملف، رغم توفر المعطيات لديها من خلال مصادرها المتعددة حول ارتباط عملية الاعتداء على الشهيد بعملية فض أو قمع مسيرة، لأن هناك تقريراً إخبارياً قدمته كذلك الشرطة القضائية على مستوى مدينة آسفي حول المسيرة التي عرفتها آسفي يوم 29 ماي 2011.

كذلك سجلنا، يواصل، التعامل المحايد وغير المبرر للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي اكتفى بإنجاز تقرير وإرساله إلى النيابة العامة، واحتفظ به ولم ينشره نشراً رسمياً إلى حدود الآن، ورغم وجود تصريحات من مجموعة من المسؤولين على مستوى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، التي تؤكد بوضوح على أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلص إلى أن الدولة هي التي تتحمل مسؤولية وفاة الشهيد كمال عماري، إلا أنه لم يقم بالمهام القانونية والدستورية المنوطة به في هذا الموضوع.

طالع أيضا  كمال عماري شهيد شاهد على الاستبداد

ويتابع أغناج بالقول إنهم لاحظوا كذلك أن الدولة فضّلت أن تتحمل مسؤولية الوقائع والأحداث، وأن تحمي الفاعلين الفرادى؛ بمعنى أن وجود متابعة من طرف النيابة العامة من أجل الضرب المفضي إلى الموت، ووجود تقارير وتصريحات تنسب هذا الفعل إلى جهاز الأمن ككل، وإلى التدخل الأمني الذي وقع يوم 29 ماي، يجعل مسؤولية الدولة ثابتة، وسبق التصريح بها في مناسبات عديدة، وفي مواقع عديدة، سواء على مستوى المؤسسات الرسمية مثل البرلمان، أو مثل الندوات والتقارير التي تصدرها هذه الهيئات الرسمية.

وفضلت الدولة بقاء الأمر هكذا، بدل البحث عن المسؤولية الفردية للأشخاص، حماية منها للأشخاص مرتكبي الاعتداء. وهذا فيه تكريس لقاعدة الإفلات من العقاب، التي تتخذه الدولة كسياسة لها في تعاملها مع الانزلاقات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، يقول محامي عائلة الشهيد.

فمسؤولية الدولة ومسؤولية جهاز الأمن كمؤسسة هي قائمة من خلال الوقائع، ولا يعفيها قرار عدم المتابعة المنبني على عدم قيام المسؤولية الفردية لشخص أو أشخاص محددين، ينتمون إلى جهاز ما، من أجهزة الأمن.

ثم إن المسار القضائي يكشف كذلك عن أن آلية التحقيق عموما، وخصوصا في مثل هذه الملفات تبقى آلية عاجزة، رغم أن التحقيق يقوم به جهاز قضائي، لكن هذه الآلية في الحقيقة تقوم دائما بتكرار الأعمال التي قامت بها الشرطة القضائية، ولا تأتي بأي جديد في الموضوع، رغم أن القانون يمنح لقاضي التحقيق عدة صلاحيات وسلطات من أجل البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة.

طبعاً كما قلت، يؤكد اغناج، الحقيقة واضحة، المسؤولية تتحملها أجهزة أمنية قامت بقمع مظاهرة 20 فبراير، وهذه المسؤولية كذلك ليست فقط حادثة عرضية، لأن التقرير الذي قامت به مجموعة من المنظمات الحقوقية والتقرير كذلك الذي قام به المجلس الوطني لحقوق الإنسان يبين على أن هذا المنع وهذا القمع وهذا التتبع للمناضلين كان أمراً منهجياً ومؤسسياً وليس فقط عملاً فردياً، وهذا الأمر تأكد طبعاً لأن القمع شمل جميع مظاهرات حركة 20 فبراير وطنياً، وإن كان القمع الشديد الذي عرفته مدينة آسفي وتتبع المناضلين خارج مسار المسيرة، وتعنيفهم ونقلهم إلى أماكن أخرى يجعل للأمر خصوصية بمدينة آسفي.

طبعاً قرار قاضي التحقيق هو حفظ مؤقت، في انتظار وجود عناصر جديدة، يؤكد.

وأخيراً ختم مداخلته بالقول: إنهم كدفاع لعائلة الشهيد كمال عماري لا زلنا نطالب السلطة القضائية بالقيام بمهامها، لا زلنا نطالب النيابة العامة بإعادة فتح الملف وإعادة البحث في الوقائع والاستماع إلى ممثلي المؤسسات الأمنية التي كانت حاضرة بعين المكان، والاستماع إلى إفادتها من أجل معرفة الحقيقة كاملةً.