كلما فتحت عالم الواتساب والفيسبوك والقنوات الإعلامية، إلا وجدته يرصد الخبر تحليلا عن آلام أمة وحصار غزة، ومحاولات الكيان الصهيوني ضم الضفة الغربية، ومحاولة اقتحام المسجد الأقصى، وتكالب على اليمن وسوريا، ومحاولات الانقلاب على باقي ثورات شعوب صمدت، خبر في خبر عن تكالب في تكالب، يزداد وينمو ويتصاعد في شلة استكبارية استبدادية، لكن في المقابل من سيحدثنا رصدا حقيقيا، عن مشاهد الخير والانتصار والأمل في الأمة والشعب الفلسطيني، من يحدثنا بعمق عن آثار انتصارات المقاومة و”أربعين دقيقة”، ومعركة الأسباط، والرحمة وصلاة الفجر، بل من يرصد فينا وجود بناء وعمل وإعداد وبركة في الأمة تستعد…

من يدلنا على خير باق في الأمة وهو من نعم الله، من يحدثنا عن بشارات نبوية لا زالت تحف أطراف هذه الأمة، وتبشرها بالخيرية، وعودة قوتها وإمامتها رغم القراءات السوداء المجحفة…
فهل نعلم ماذا حدث في الأمة يوم الجمعة الماضية في المغرب وماذا حقق الشعب المغربي صحبة الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة وصحبة العلماء في ظاهرة مباركة؟

حاولت الكتابة في هذا الحدث، لأنه وبدون تهويل هو عمل مشرف، لكن ربما قد تقلل منه الآلة الإعلامية إن غابت عن تحليله ورصده، لإنه حدث يحتاج إلى رصد وتحليل لنفسية وتركيبة شعب مغربي ناصر الشعب الفلسطيني، وتحليل لثمار هذا العمل، هو فعل ملفت قد لا نفقه ثماره ونتائجه الآن، لكن المراصد الصهيونية ترصد بقوة كل حركة شعبية في الأمة مع فلسطين والمقاومة. فتعالوا نحكي لكم ما القصة وما الحدث؟

القصة مع الرصد

 كان هناك جزء من الأمة في أقصىاها يشع فيه النور والبركة والنصرة، وتتأجج منه معاني المحبة والعشق المقدسي، وتنمو فيه مساعي ومعالي تحرير باب المغاربة وتحرير حي المغاربة المحتل المغتصب وتحرير فلسطين…

أين نجد هذا الخير، وكيف تحركت أنوار النصرة في البيوت مع أنوار العشر الأواخر، وكورونا حاصرت الناس وهم في صبر وجلد من أمرهم…؟

يوم الجمعة وفي المرحلة التي تتصاعد فيها الآلة الصهيونية التطبيعية لتهميش وتخوين الشعب الفلسطيني من خلال دراما التطبيع، ومسلسلات “أم هارون”، فقد أبدع المغاربة إبداعا يضرب جهود التطبيع ويطوع من الرواية الصهيونية، عمل مبدع تفرح له السماء، وتطرب له نفوس الشعب الفلسطيني، وقد يغيض هذا الفعل العدو الصهيوني بطريقة مبدعة… كيف ولماذا؟

لم يخرج المغاربة في مسيرات حاشدة مليونية كما العادة، ولا وقفات مسجدية، لم يخرجوا إلى الشارع، بل انتقلوا من النصرة في الشارع إلى النصرة في البيوت كيف؟

ليست النصرة هذه المرة من الخارج بل من الداخل، من داخل العمق المغربي الأسري نصروا القضية الفلسطينية وبيت المقدس، ونصروا الله أولا…

مغاربة شكلوا موائد مغربية باسم إفطار مقدسي، وأكلات وتراث فلسطيني مع العوائل والأبناء والأحياء والأسر رغم الوباء وأحواله.

يوم الجمعة كان المغاربة في أرض بيت المقدس والمسجد الأقصى، لكن بروحهم ومهجهم ميممة إلى القبلة الأولى أرض الإسراء والمعراج، كانوا همما قاصدة لله بموائد الذكر والقيام والقرآن، والرحمة والرحمان صحبة موائد نصرة وإفطار جمة شعبية مناصرة، موشحة بغناء فلسطيني، وكوفية فلسطينية في أعناق الأطفال والجدات، وفي الجانب الآخر هناك، طرف طافح بأكلات وحلويات فلسطينية…

هو تراث، لكن الصهيونية تعلم جيدا خطورة النصرة بالتراث الذي يتصف عند الأنثروبولوجيين، بالشعبية وسرعة الانتشار الكمي، لأنه شعبي مقبول يصل إلى الجميع، بل واسأل كيف كان الاحتلال الفرنسي يخترق قبل الحملة العسكرية الشعوب المغربية والجزائرية من بوابة التراث وعلم الإناسة والشعوب والقبائل.

الإفطار مغربي مقدسي هو عمل بسيط ولطيف ماتع، لكن ما هي رسالة المغاربة، ورسالة من حضر من رجال ورواد وفعاليات في مهرجان مقدسي مغربي، مثل الشاعر الداعية منير ركراكي وعائشة المصلوحي المغربية الفلسطينية والشيخ كمال الخطيب والأستاذ عبد الصمد فتحي وخديجة عويص وغيرهم من الفعاليات؟

الرسالة الأولى: أن فلسطين ليست أرضا بل هي أمة، هي المغرب والجزائر وتونس وليبيا ولبنان والشام والأردن ومصر واليمن …

الرسالة الثانية: أن الشعب الفلسطيني ليس فقط شعبا، بل هو في عمق الأمة رغم كل جهود فصلنا عن هذا الشعب الفريد كي لا نقتبس منه، ولا يظن أحد أن الشعوب تخلت عنه، فقط هو حصار وسوف ينكسر قريبا.

الرسالة الثالثة: أن المغاربة والأمة مستعدة لمناصرة الشعب الفلسطيني رغم كل تصعيد في صفقة أو تطبيع بمسلسلات “أم هارون ومخرج 7″، لماذا؟ لأن فلسطين أرض الأنبياء والرسل وأرض المسلمين…

طالع أيضا  مدينة الجديدة تتضامن مع المسجد الاقصى

الرسالة الرابعة: رسالة الشعب المغربي أن الأمة واحدة، وهمها واحد، رغم جهود مائة سنة لصناعة عقل يؤمن بحدود “سايس بيكو” والحدود القومية…

الرسالة الخامسة: وهي الرسالة القوية وسميتها، الرسالة الأدبية الخالدة…

فلسطين كانت في ضيافة المغاربة يوم الجمعة، دخلت إلى كل بيت مغربي، ففرح المغاربة بالضيف المقدسي، وقالوا في حوار ماتع:

المغاربة: أهلا بالمسجد الأقصى والضيف الرجل الفلسطيني، أهلا بالقبة الصخرة، أهلا بباب المغاربة، وحائط البراق والمغاربة، وأهلا بحي المغاربة الذي هدمه الاحتلال 67، أهلا برجال الأنفاق القسام، أهلا بالمرابطين والمرابطات، أهلا بالأسرى، أهلا بصلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وبمغاربة مقدسيين عاشوا لسبعة قرون في بيت المقدس، وصحبوا في الجهاد أخاهم صلاح الدين الأيوبي لهزيمة الصليبيين، فأسكنهم أرضا مقدسية قرب حائط البراق أمانة وحراسة، أهلا بالشهداء والأسرى في إفطار مقدسي، أهلا بباسل الأعرج، أهلا بناجي علي، أهلا بعز الدين القسام، أهلا بصلاح شحادة، والعلمي وضرغام ورزان النجار، رحمة الله عليهم جميعا.
في المقابل صرح الضيف وهو المسجد الأقصى والرجل المقدسي فقالا: 

المسجد الأقصى والرجل المقدسي: وأنتم أيها المغاربة لكم ثلاث فرحات:

فرحة الإفطار…

فرحة لقاء الله، وقد حدث النبي صلى الله عليه بذلك…

وفرحة ثالثة؛ نصرتكم للمؤمنين والفلسطينيين، والتقاء الشقيقين المسجد الأقصى والمغرب الأقصى، وإن غاب عنهما أسطول صلاح الدين الذي جمعهما يوما، في:

ـ هم واحد.

ـ وبوصلة واحدة.

ـ ووجهة واحدة، الهم هو التغيير، والبوصلة بيت المقدس، والوجهة الله.

المغاربة: نعم الوجهة هي.

قال الضيف المسجد الأقصى والمقدسي: وأعظم الفرحة أيها المغاربة حين نسمع حديثا نبويا لا يقلل من شأن أي حركة لنصرة المستضعفين، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود”. أخرجه ابن حبان وغيره، وقال الألباني رحمهم الله جميعا في السلسة الصحيحة: هذا إسناد صحيح.

النبوة فقيهة بأي معروف تعملونه، وما هو أثره في البناء، ولو نصرة صغير من خلال موقف لساعة عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقول جميل لطيف “موقف ساعة في سبيل الله خير”، فما أدراك بأجر وجزاء من الله لمواقف لساعات من الرباط والاعتكاف والنصرة والمعرفة والميدان.

هو النبي صلى الله سلم يعلم لماذا قال لها، ويعلم العدو أثر أي حركة ولو من إفطار، ويفقه ثمارها وهو ما لا يستوعبه بعض أرباب فهم منفصم أخدج، لا يفقه معنى البناء وقوته لبنة لبنة بتؤدة وتدرج، قال الله سبحانه : وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ، تدبروا {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ} أي الإنفاق ولو من شيء بسيط، ليس بالضرورة كمال الشيء للنصرة وإن كان الكمال مطلبا، في المقابل هناك من يوفي هو الله. انتهى حديث الضيف، المسجد الأقصى والرجل المقدسي في الإفطار المقدسي…

وأجاب المغربي المضيف المزور: ولنا “ثلاث فرحات” ولكم منا رباطان، رباط إيمان ورباط جهاد…
– رباط في المغرب يسمى الاعتكاف، ونبشر الجميع أن المغاربة لهم سنة وعادة كل سنة، يعتكفون ويحيون السنة بنية وجه الله والعبادة وإعداد النفس لمستقبل قريب للتحرير…

– ورباط نصرة الأقصى وإسراجه بقناديل الأكلات المغربية الشعبية السوسية، والصحراوية والفاسية، والمكناسية، والشرقية، والغربية، والشمالية، ولو من زيت مائدة، ولو من زيت طبخة، ولو من زيت غناء مقدسي، أو دعاء من عجوز من مكناس أو فاس، رحم الله ميمونة بنت سعد صاحبة السعد وحديث الزيت، روى الإمام أحمد من حديث مَيْمُونَةَ، مَوْلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: “أَرْضُ الْمَنْشَرِ، وَالْمَحْشَرِ، ائتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ”، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ، أَوْ يَأْتِيَهُ قَالَ: “فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى لَهُ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيه”.

وأعظم الفرحة لما يقف المغاربة بين إيمان وصيام لرمضان، ونصرة للإخوان في وجه علو كيان…

طالع أيضا  مدينة الجديدة تتضامن مع المسجد الاقصى

المسجد الأقصى والمقدسي الضيف: سبحان الله وكأنكم أيها المغاربة جمعتم بين تحريين {من فعل يتحرى أي يتلمس}، تحريتم ليلة القدر في العشر الأواخر بتعبد واعتكاف، وتحريتم نصرة الشعب الفلسطيني بالوقوف في سبيل الله مع إخوانكم في فلسطين نصرة بإفطار ودعم، تربية وجهاد، إيمان وعمل…

لكن ما عناصر الإفطار المقدسي المغربي؟

ما عناصر الإفطار المقدسي المغربي وكيف أبدعوا في النصرة؟

منذ شهور كتبت مقالا عن “عودة حنظلة” وحذف بسبب مخالفته للتطبيع والصهيونية، كتبته حين رفعت الجماهير المغربية الكروية شعار “ثورة حتى النصر” ورسموا “حنظلة” نصرة للشعب الفلسطيني، وكان لذلك تبعات على الجمهور الرجاوي بحصاره ونسج فخاخ تطبيعية له…
لكن إذا كان المغاربة في الأمس أهل رباط في “ملاعب ثغور الرياضة”، للصدع بأهازيج “رجاوي فلسطيني وعودة حنظلة وفي بلادي ظلموني” فاليوم الثغر مختلف، على ثغور المأدبة وإكرام الضيف كان المغاربة يثغرون، والإكرام من شعب الإيمان.

جعلوا من بيوتهم ثغورا وسواحل النصرة بشكل آخر، لإعداد جيل الاقتحام والنصر، ليقولوا إن المسجد الأقصى عقيدة وإيمان، وجزء من الدين، “ليست مجرد أرض”.

رغم فخاخ التطبيع والفن، فإن هذا الأخير قد فشل حين يصدم بقناعة وإيمان الشعوب وفطرتهم، وكأن المغاربة ضجروا يأسا من هذه الفخاخ الصهيونية، والمقالب المتكررة لإقناع الشعوب، بدولة مزيفة عبرية مجرمة، قتلت المغاربة في حي اسمه حارة المغاربة بالجرافات الصهيونية سنة 1967 ثم يقولون لنا اعترفوا وتعايشوا، نحن شعب مسالم…

الكيان العظيم، المقلوبة المقبولة

هو إفطار شكله مقدسي ممزوج بالمغربي و”الحريرة” والقهوة والشاي والحلويات الفاسية، لكن وسط المائدة كيان عظيم وأكلة شعبية فلسطينية، اسمها “المقلوبة المقدسية”، قلبت المفاهيم وصححت الخطأ الذي يقول إن الطبخ لا ينفع في المقاومة والنصرة، بل أظن أن التراث بوابة مناصرة قوية شعبية لأنها تعيد حقيقة التاريخ ليصل إلى أكبر عدد وسواد. التراثية الشعبية ترتبط بالمخيل الشعبي وهي مقبولة محفزة ميسرة بسيطة، وقد نسجت سابقا في ذلك دراسة بحثية ترصد “آثار التراث في الحفاظ على الهوية وتطور الإستراتيجية الصهيونية للاهتمام بالتراث العبري وربطه بتراث الشعوب العربية لتزيين تراثها المزور”.

وقد يتساءل البعض هل هذا الإفطار وهذه الأشكال تفيد؟

وأقدم هنا أدلة على أن هذا الإفطار له قوة وثمار في الأرض ويبغض العدو، وله تأثير في نفوس وهمة الشعب المغربي، وأثر في نفسية الشعب الفلسطيني، ويضرب الرواية الصهيونية، التي تروج أن الشعب الفلسطيني لن ينصره أحد، لأن قضيته أصبحت جانبية، فضلا عن ذلك فإن الصهيونية ترصد كل حركة في المغرب والجزائر وتونس، ونعلم اهتمامها بأي حركة مغاربية تنصر القضية، خصوصا بعد آخر تعليق لهم عن آخر مسيرة مليونية مغربية ضد الإعلان الرسمي عن صفقة القرن، بل جعلوا هذه المسيرة مدار نقاش وتحليل في الإعلام الصهيوني…

وهنا أرصد أدلة على أهمية حدث الإفطار:

الدليل الأول: هذه الإفطارات وأشكال النصرة هي على بساطتها وشعبيتها، لكن لها أهمية في الذود عن القضية وإحيائها في النفوس والبيوت. وإن بدا لك الأمر بسيطا، فإن النبوة بينت لنا في الحديث السابق، أهمية الوقوف في سبيل الله، ونضيف عن أَبي ذرٍّ قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ رواه مسلم… فكيف لو تلقينا ضيوف الشعب الفلسطيني بمائدة مبتسمة لها وجه طليق، وأكلات شعبية مغربية ومقدسية، ونفس تواقة لتحرير باب المغاربة والرباط في رباط حي المغاربة، لاستكمال وصية صلاح الدين الخاصة بالمغاربة{والله لن أستأمن على المسجد الأقصى إلا من يثبتون في البحر ويقتحمون في البر}؟

الدليل الثاني: أكلة “المقلوبة” التي تزينت بها موائد المغاربة هي أكلة فلسطينية شعبية وطباختها “هنادي الحلواني” ومرابطات الأقصى، واسألوهن كم مرة اعتقلن من قبل القوات الصهيونية لأنهم جهزن للمرابطات أكلة لها تاريخ، منذ عهد صلاح الدين الأيوبي اسمها “المقلوبة”، وكانت تسمى “الباذنجانية” بسبب استخدام الباذنجان فيها كمكون رئيسي، لعل أكثر السرديات الشعبية عنها، أنه حينما فتح القائد صلاح الدين الأيوبي وجنوده القدس، دخلوا المدينة المقدسة فاحتفل الناس بهذا النصر، وقدموا لهم “الباذنجانية” التي أعجبته كثيراً، فسأل عن اسمها واصفا إياها بالطبخة المقلوبة، ذلك لأن هذه الطبخة تقلب في صواني التقديم أمام الضيف.
واسألوا الاحتلال، لماذا كان يمنع الأكلة من دخولها إلى المسجد الأقصى، ويمنع هنادي من الدخول وفي يدها المقلوبة دون دخول بسلاح…؟ أليس من أسباب منع هذه الأكلة أنها توثق في الأذهان أعلام التحرير والتغيير، وتعيد تاريخ بيت المقدس وأننا حاضرون منذ قرون رغم التزوير والتصحيف.

طالع أيضا  مدينة الجديدة تتضامن مع المسجد الاقصى

الدليل الثالث: الاحتلال يفقه آثار هذه النصرة المبدعة المتنوعة من مختلف المشارب أكثر من الذي يشكك في ثمار مسيرات ووقفات، وموائد وإفطارات، وتواصل وهاشتاج، يقوض من الرواية الصهيونية ويهددها…

حين كانت تدخل هنادي “بالمقلوبة” إلى المسجد الأقصى وكان رائد صلاح يزرع شجر زيتون، وكانت الجدة تحكي القصص، والأم تحيك السجاد، تصرح قوات الاحتلال: (أنتم تهدمون جهود مائة سنة من تزويرنا لتاريخكم والتراث الفلسطيني، نحن صهاينة كرسنا أموالا لتزييف التاريخ الفلسطيني، وطبعنا مع أنظمة وعقدنا صفقات، وخططنا خططا كي نزيف الحضارة الإسلامية المقدسية، لتصبح الحجارة الفلسطينية حجارة إسرائيلية، والأكلة الفلسطينية منسية وعبرية مع تقدم الزمن، ثم بعد سنين وعقود يأتي جيل فلسطيني ثم نخبره نحن الصهاينة أن: لا وجود لشيء اسمه فلسطين في هذه الأرض، لكن هذه الأيام، أنتم تفسدون كل شيء، تأتون بالتراث الشعبي وبطبخة اسمها “مقلوبة” تقلب الموازين، لتؤكدوا أن هذه الأكلة، قديمة وفلسطينية، ولها جذور تدل على وجود شعب له قرون، له هوية، وله تراث شعبي وتاريخ وحضور لمغاربة، والخطير أن تنتقل هذه الأكلة لينسخها المغاربة في إفطار… فصدم الصهيوني وأكمل حديثه: {وكنا نظن أن المشكلة والمعضلة فقط مع مقلوبة فلسطين، فإذا بها تظهر مقالب ومقلوبات في المغرب، في أحياء وأسر وبيوت مغربية في فاس مكناس، وفي سوس والصحراء، والريف والشرق والدار البيضاء…}

خلاصة قد يعتقلون الإنسان أما المقلوبة فهي مقبولة عابرة لا تعتقل…

الدليل الرابع: دليل آخر على أن الطبخ التراثي له وقع مثله مثل سلاح المقاومة أو مسيرات ووقفات حاشدة مناصرة، أن الاحتلال كان يمنع “المقلوبة” من دخولها إلى المسجد الأقصى، بل كان يحذف أي أثر لوثيقة تاريخية ويهدم أي آثار فلسطينية، أو يقطع شجرة زيتون أو يستهدف صاحب شعر، أو زجل، أو يزور من عادات وتقاليد فلسطينية، أو يطمس رسومات أو أكلات أو لباسا فلسطينيا، كل ذلك يزوره وينسبه لنفسه وأنه أصل وتراث عبري، بل وينسب الفلفل الفلسطيني أنه يهودي الأصل، وكلما زارهم أمريكي أو أجنبي يهدون له الفلفل في طبق بعد نزوله من الطائرة، ويقولون له: هذا أصله عبري..

الدليل الخامس: ولمن يدعي أن هذا الإفطار لا ينفع ودون جدوى، فقط اسألوا لماذا “أفخاي أدرعي” ناطق الجيش الصهيوني، في كل رمضان وغيره، يخرج وينظم حلقات عن الأكلات المغربية والشامية واللبنانية ويقول هذه أصولها يهودية، {ورصدت ذلك بروية “لحركة التطبيع المطبخي” في محاضرة}؟

لماذا كل هذا الكذب؟ لأنهم سارقون، لأن الذي ليست له حضارة، ولا عادات ولا أكلات، أو تاريخ، فلا أصل له أو وجود، وسيسرق حضارة أخرى وأكلات وعادات وتراث فينسبها لنفسه ليظهر أنه صاحب الأرض…

بين المائدتين …

في الوقت الذي يتجمع فيه تجار صفقات القرن لبيع فلسطين تحت الموائد، تأتي الأمة المغربية كي تبرز عظمة القضية من مائدة أخرى هي مائدة الإفطار، والفرق كبير بين المائدتين، وأعظم الموائد مائدة الرحمان، فهي أعظم جبهة لبناء جيل التربية والعلم والتغيير.

وللإشارة، فالنصرة لم تبدأ من إفطار بل من صناعة فعل وأفكار وأنشطة قبلية، ومسار عمل، وبرامج طول السنة، نابعة من وعي، بل ومن قلب وفطرة وفكرة تؤمن بالنصرة وولاية المؤمنين والمظلومين بصفة عامة.

ولم تبدأ الوقفة الإفطارية التضامنية المنصورة المناصرة زمن أذان المغرب، بل وقبيل الإفطار، حين كان الزوج المغربي ينشد أهازيج القسام وغزة ويعين في مطبخ الإفطار، وزوجته والبنات يجهزن جميعا طبخات “المقلوبة” قبل الإفطار بساعات وإعداد بنشاط…

هذه الوصفة الشهيرة لم تعد فلسطينية، بل هي عابرة القارات إلى المغرب، والأعظم أن المغاربة لن يتحولوا فقط إلى مناصرين لأرض، بل ناسخين لكل أنواع الحياة في فلسطين، وهذا صعب على الصهيونية، لأن النفس {بالفتحة} سيصير واحدا…

ونلتقي قريبا بفضل مائدة الرحمان والعبودية الجامعة صفا مع عباد الله، في أرض عباد الله، بوعد الله، فقط كن أنت ذاك الرجل، ذاك العبد لله، الله مولانا وهم لا مولى لهم.