في غرة يوم الإثنين وبالضبط الساعة الثالثة صباحا من الرابع والعشرين شهر غشت لسنة واحد وثمانين وتسعمائة وألف، اِزدان فراش الحاج عبد الرحمن بن بوشعيب بن المحجوب، والشريفة لالة فاطمة بنت البشير الحراري، بمولود ذكر اختارا له اسم “كمال” أو كما كان يحلو للحاج أن يلقبه.

في كنف والديه وأحضان أسرته الصغيرة، تربى الوليد وترعرع بدوار أهل الدراع التابع لجماعة ازكان بسبت جزولة إقليم آسفي، وبها درس المرحلة الابتدائية، لينتقل بعدها اضطرارا إلى مدينة آسفي لمتابعة دراسته الإعدادية والثانوية.

بعد حصوله على شهادة البكالوريا سنة 2001 شد الرحال إلى مدينة الجديدة لمتابعة الدراسة الجامعية بكلية العلوم بجامعة شعيب الدكالي، وفيها تعرف على “شبيبة العدل والإحسان” وانخرط في أنشطتها.

وبعد افتتاح الكلية المتعددة التخصصات بآسفي عاد لإنهاء دراسته بها.

وعلى غرار شباب المغرب انخرط “كمال” بكل عفوية وقوة في “حركة فبراير” إبان الربيع العربي المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى أن اغتالته أيادي الغدر والظلام ويرتقي شهيدا في الثاني من يونيو 2011.

في هذه المقالة وبمناسبة ذكراه التاسعة سنقف على تفاصيل مثيرة، ولطائف عجيبة من حياة الشهيد من الولادة إلى الشهادة.

1-      ولادة يسيرة ولا ألم في المخاض

على عكس إخوته الثمانية الذين سبقوه بالولادة، الذين ولدوا كلهم بالبيت، لم تجد الأم أي ألم في فترة المخاض الأخيرة مما جعلها تعتقد بحدوث مكروه للجنين. هنا تقرر نقل الحاجة إلى قسم الولادة بالمستشفى الإقليمي بمدينة آسفي؛ حيث كانت الصرخة الأولى للوليد “كمال” في تمام الساعة الثالثة من صبيحة يوم الإثنين 24 غشت سنة1981 فكانت الولادة يسيرة ودون آلام للمخاض، كما تروي الحاجة فاطمة بنفسها.

2-       قصة التسمية.. الاسم الهدية والهدية الاسم

لم يكن اسم “كمال” اختيارا من الأب أو الأم أو حتى من أحد الأقارب، فقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يصاحب الاختيار طرفة غريبة وقصة عجيبة، يحكيها أخوه الأكبر بكثير من التعجب والاستغراب، كان العم سي عبد السلام القاطن بمدينة آسفي من أول المبشرين والمهنئين بالمولود الجديد، حيث أرسل هدية هي عبارة عن لباس مكتوب على غلافها “كمال” في إشارة إلى المصدر المنتج للألبسة، لكن الحاج عبد الرحمن اعتقد أن أخاه يقترح عليه هذا الاسم، فقرر دون تردد إقراره وتبنيه تقديرا للمحبة التي يكنها لأخيه.

طالع أيضا  غالي وزهاري: تواتر حالات القتل "تغول" ولا يمكن شرعنة سياسة "الإفلات" من العقاب

3-      الطفولة.. تأخر في النطق وارتباط قوي بالأب

بدوار أهل الدراع الواقع في الجنوب الشرقي لمدينة آسفي، الذي يتميز بهضاب واسعة تتخللها بعض السهول، تستغل غالبا للفلاحة المعاشية (في هذه المنطقة)، عاش الشهيد “كمال” طفولته، تروي والدته بأنه تأخر كثيرا في النطق حيث انتظرت العائلة أربع سنوات لتسمع الكلمات الأولى للوليد كمال.

في هذه المرحلة كان الشهيد رحمه الله شديد الارتباط بأبيه، الحاج عبد الرحمن حيث لا ينام إلا بجانبه، وكان في بعض الأحيان لا يطيق تأخره في المسجد بعد صلاة العشاء فيخرج رغم صغره قاصدا المسجد لطلب أبيه، وكانت كلمة السر بينهما للتعبير عن الرغبة في النوم هي (اح) بينما كان يسمي البرد (دي) والبعبع ب (اوع).

ومن أبرز ما يذكر عن مرحلة طفولة الشهيد كما يحكي أخوه محمد هو أنه كان نشيطا بين أقرانه، كان هو (مول الكرة) يجمع الفريق وينظم المباريات.

إلى جانب نشاطه الرياضي كان “لكمال” حضور قوي داخل المسجد، يسابق المؤذن أحيانا لرفع الأذان ويتقن قراءة قصار السور ويواظب على الصلاة.

أما في المدرسة فكان هو ممثل التلاميذ في المطعم، وهو من يساعد مي ميلودة رحمهما الله في توزيع الوجبات.

بكثير من الإعجاب تحكي أخته مبشرة برؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يبشره بالتعافي من مرض ألم به في الصغر.

4-      المسار الدراسي.. تفوق مستمر وإصرار على إتمام المشوار

بمدرسة سيدي “سعيد أجانا” تلقى الشهيد “كمال عماري” تعليمه الأولي الابتدائي، ونال شهادته بتفوق لينتقل إلى مدينة آسفي، حيث تابع دراسته الإعدادية والتأهيلية بإعدادية “الإمام علي” وثانوية “الهداية الإسلامية”.

بعد حصوله على شهادة البكالوريا سنة 2001، توجه الشهيد “كمال” إلى مدينة الجديدة لاستكمال الدراسة الجامعية، حيث تسجل بكلية العلوم بجامعة شعيب الدكالي شعبة الفيزياء كيمياء، المعروفة اختصارا بـ  (PC)، قضى بها ثلاث سنوات ليعود مرة أخرى إلى مدينة آسفي، للالتحاق بالكلية المتعددة التخصصات بعد افتتاحها حيث أكمل دراسته الجامعية.

طالع أيضا  بدماء الشهداء تنمو شجرة الحرية

5-      الانتماء والحضور الوازن في المجتمع

خلال المرحلة الجامعية التحق “الشهيد كمال عماري” بشبيبة العدل والإحسان. ومن الوهلة الأولى انخرط بقوة في كل أنشطتها وساهم في مجالات اشتغالاتها، ساعده في ذلك طيبوبته وقدرته الكبيرة في التواصل ومخالطة المجتمع.

كان حاضرا ومساهما بقوة في نقابة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” من خلال الفصيل الطلابي لجماعة العدل والإحسان، سواء بجامعة شعيب الدكالي أو الكلية المتعددة التخصصات بآسفي، كما انخرط أيضا في العمل الجمعوي، وكانت له أياد بيضاء على ساكنة الأحياء المهمشة، من خلال مساهمته في المبادرات الاجتماعية، ومساندتهم في المناسبات المختلفة، وكذا من خلال التطوع لتقديم دروس الدعم والتقوية لأبنائهم مجانا.

عمله الحركي الدؤوب لم يحل بينه وبين الانضباط الكبير، والحضور الدائم للمجالس التربوية للجماعة، وقد من الله عليه بحضور أربعة رباطات أربعينية قبل استشهاده.

6-      الانخراط في حركة 20 فبراير

مع انطلاق موجة الربيع العربي، انخرط “الشهيد كمال” بكل قوة في “حركة 20 فبراير” فرع آسفي. وحضر كل فعالياتها وأنشطتها المطالبة بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، فتقدم الصفوف وعبأ وساهم في خدمة المتظاهرين دون كلل ولا ملل رغم عمله كحارس أمن خاص بميناء آسفي ليلا.

وفي يوم الأحد الأسود 29 ماي 2011؛ أقدمت السلطات القمعية على تفريق مسيرة الحركة بالقوة والاعتداء الوحشي على المتظاهرين…

وبعد تفريق المسيرة استفرد بالشهيد سبعة من عناصر الأمن، وهو يقود دراجته النارية وقاموا باختطافه إلى زقاق ضيق من أزقة دار بوعودة، ثم انهالوا عليه بالضرب والرفس بالأرجل والهراوات في جميع جسده، بلا رحمة ولا شفقة ثم تركوا “الشهيد” طريحا بالمكان لمدة ليست باليسيرة، وهو يتألم ويحاول الوقوف، إلى أن حمله بعض المناضلين إلى البيت مكسر العظام ومهشم الرأس، ولأن المستشفى كان مطوقا بالعناصر المخزنية، اضطرت العائلة إلى نقله لطبيب عام وصف له بعض المسكنات لكنها لم تجد شيئا، ليتم نقله في اليوم الموالي إلى طبيب عظام أزال له كمية من الدم المتختر من ركبته وجبر رجله كاملة.

طالع أيضا  جمعية الشهيد كمال عماري تحيي ذكرى استشهاده الثامنة

7-      المستشفى الإقليمي آسفي.. فيه كانت الولادة وفيه كانت الشهادة

 في الثاني من يونيو 2011 تدهورت الحالة الصحية “للشهيد كمال” بشكل كبير، وأصبح يتقيأ الدم حيث نقل لقسم المستعجلات بالمستشفى الإقليمي السيئ الصيت، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في تمام الساعة الثانية وعشر دقائق من زوال اليوم نفسه.

رحم الله “الشهيد كمال عماري” شهيد الحرية والكرامة وتقبله عنده في الشهداء والصالحين. رحم الله شهداء هذا الوطن.