عادة ما نقابل مجتمعاتنا العربية أو المسلمة بالغرب “المتقدم”، ونغوص في طرح التساؤلات عن سر تقدمهم وأسباب تأخرنا، ونبحث عن الخلل عندنا ونتلمس الحل لديهم.

الغرب بتاريخه وحضارته وثقافته، كان نتيجة مسارات تاريخية أنتجت هذا المستوى المتمايز مع بلاد العرب والمسلمين.

أمام واقعين متمايزين ومختلفين حد التضاد، نطرح السؤال القديم-الجديد: هل ينظر الغرب إلينا بنفس نظرتنا إليه، وهل يقيّم حضارتنا وثقافتنا بنفس المعايير التي نقيمه نحن بها؟

وهل له نفس أهدافنا من التقييم ذاته؟ وهل حقا نظرته تعكس ما نحن عليه إذا حصل وأخضعنا لمعايير “العلمية” والحضارية؟

بالتأكيد مراياه منكسرة ومتشظية، ولا يعكس واقعه واقعنا، حيث كون المجتمعات الغربية تقيّمنا على مستويات الاقتصاد، والسياسة، والأخلاق، والديموقراطية، والفن والسينما وغيرها، فيحصل أمام تقارير تصاغ وفق محدداته ومعاييره، أن تبرز علّاتنا على مستوى ميادين تعليمنا وتنميتنا واقتصاداتنا وسياسات تسييرنا لشؤون بلداننا الضعيفة المتطلعة إلى النمو، الطامحة لمناطحة غيرها من الأوطان التي نالت تقدمها واستراحت في حياتها الرغيدة الهانئة، فتنكشف عورات لا يسترها سوى ثوب رقيع!

معادلة اجتماعية ومسار تاريخي موسوم بفعلة استعمارية قاسية ومتوحشة، أنتجت شعوبا تغط في سبات انحطاطها. تخلى عنهم النصر لما أخلوا بشروط النصر والتنمية والتقدم، ووكلتنا يد القدر إلى قوانين يفرضها منطق الغلبة، إذ لا مستقبل لأمة تأكل مما لا تحرث، تشتري ولا تبيع!

 كل هذا مقابل أمة غربية ترفل في عنفوان قوتها ومجدها الصناعي الاقتصادي، سندها في ذلك كفاية الاقتصاد، وقوة التصنيع وتطوره، وتوفير التمويل والتغطية والرعاية الاجتماعيين لشعوبها.

 فهل لنا مشروع مثل هذا، يكون مصاحبا للإنسان رفيقا به، يخرجه من حمى التسابق اللاهث تسوقه الرأسمالية المتوحشة إلى الحتف البشري!

النمط الرأسمالي الغربي يبعثر القيم الإنسانية الجميلة، ويخضعها لإيقاع فوق إنسانية الإنسان، فيخضع الضعيف ليكون أداة ذات صرير في معمل البؤس البشري هذا.

طالع أيضا  الشعوب العربية ورهان حقوق الإنسان لدى المنتظم الدولي

إذا عدنا للغرب نفسه وجدنا أن ديموقراطيته مثلا ليست كما يُصوّر، وأخلاقه الحداثوية أو ما بعد الحداثية، التي أنتجتها ثوراته وسياقات بنائه لتاريخه وحضارته لاوجود لها الآن، إذ لا صوت يعلو في الغرب سوى صوت السرعة المقيتة والاستهلاك اللاواعي المحموم ، إلا ما كان من خطابات موغلة في التاريخانية، ومصحوبة بالإيديولوجيات المغرضة المحقرة للجوهر الإنساني، أو نجد ذلك في قنوات فضائية أو على جرائد مأجورة محسوبة على تيارات استئصالية مقيتة، لم تعد تخفي نفسها كما اعتادت منذ أن أشعلت الكنيسة الناقمة الحروب الصليبية، أو تروج لبرامج أو لأفلام سينمائية ذات نزعة أحادية إقصائية، تبغي تضخيم الغرب وتقديمه لنا كـ”ملاذ أخلاقي” وحضاري وحيد وأوحد، ونموذج يُحتذى في كل شيء، ولا مفر لنا من أن نرضع حليب كل شيء من ثديي الحضارة الكريمة، وليس أمامنا سوى مدرسته يمكننا أن نتعلم على يد دهاقنتها كيف نحيى وكيف نموت ونحن أصحاب الرسالة الواضحة التي تسمو بمصائرنا نحو الله!

على كل المستويات يبقى الغرب في “مأزق” حضاري – أخلاقي حقيقي، حين تتعارض مبادئه التاريخية والحداثية والعلمانية مع واقعه الحالي؛ فكثيرا ما نسمع عن ظواهر سياسية مضادة للجنة ديموقراطية، كتزوير الانتخابات وتوجيهها بالمال القذر، أو نسمع عن فضائح أخلاقية أبطالها سياسيون أو رؤساء أو مثقفون، أو رجال أعمال أو أفراد أسر تاريخية تحتكر تاريخ تلك البلدان العجوزة، وكثيرا ما نقرأ ونشاهد ظواهر مجتمعية غريبة في السلوك الغربي، تأصلت في تلك المجتمعات الغربية وأضحت واقعا لا مناص منه كالشذوذ الجنسي، وانحراف مؤسسة الزواج التقليدي، الذي تقره الكنيسة أو الدين، ليصبح مؤسسة لا ملامح لها غير المسخ والدعر، وانحراف الفطرة والغلو، والغرق في عبودية اللذة والشهوة، وغيرها كثير من ظواهر تعكس وجه الغرب البئيس من جهة.

طالع أيضا  قد نخطئ في التحليل ولكن ينبغي ألا نتيه

لكن ما موقعنا نحن من كل هذا؟

هل تجنّينا على الغرب حسدا من عند أنفسنا، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تقابلا طبيعيا بين سياقين تاريخيين فشلنا نحن في استكمال مسيرة تاريخنا العظيمة حتى النهاية، واستمر الغرب فيه برِجل عرجاء وعين تقييمية واحدة اتجاهنا، فكانت الصورة التي عكستها مراياها مكسرة ومشوهة أمامنا؟

أم أن الأمر يحتاج إلى أن نثبّت المرايا، ونعيد استصلاح زجاجها كي تتضح الصورة، وتبرز الحقيقة التي لا لبس فيها.