بقلم عبد الرحمن بنحمد

مما لا شك فيه أن غزوة بدر الكبرى شكلت حدثا تاريخيا ولحظة مفصلية في حياة المسلمين، بل والإنسانية جمعاء، ولذاك خلدها القرآن الكريم موقعة فرق الله بها بين قيم الخير والإسلام، وبين قيم الجاهلية والكفر. ومع كل ذكرى لهذا الحدث تتجدد معها أسرار ومعاني ما خص به الله جل في علاه هذه المعركة الفاصلة، التي جعلت النبي صلى الله عليه ويسلم يضرع فيها لربه ضراعة مضطر ومستهتر، خائف أن تهلك عصابته فلا يعبد بعدها الله تعالى، وهذا كله من تواضعه صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى وعده النصر وهو موقن به، فما العبرة من إلحاحه في الدعاء حتى يشفق عليه أصحابه رضى الله عنهم؟

 تتخذ هذه المقالة، هذا الموقف النبوي الشريف الذي بدأت به موقعة غزوة الكبرى، للوقوف على الأبعاد القيمية التي أطرت مواقف وسلوك الصحابة الكرام، امتثالا لتوجيهات نبيهم وقائدهم عليه الصلاة والسلام.

غزوة بدر الكبرى دارت رحاها على قاعدة القيم الإيمانية

إن القيم تصبح غير ذات جدوى، ولا معنى لها ما لم تتجسد مواقف وسلوكات عند من يؤمن بها، ومن هذا المنطلق، يحق لنا القول إن غزوة بدر أسست للمسلمين المبادئ القيمية التي ينبغي أن يتخلقوا بها في الظروف الاستثنائية، وبالأحرى في الظروف العادية، فالأخلاق الإسلامية تنبني على قاعدة الإيمان كقيمة مركزية، وعليها تتأسس باقي القيم الأخرى، إن قيمة الإيمان باعتبارها تجرد من كل حول وتعلق بحول الله تعالى تجعل المؤمن في ترق دائم في مراقي القيم، امتثالا لأمر الله ابتداء وطلبا لله انتهاء، نكتشف ذلك في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم حين رفع يديه بالدعاء لله تعالى طالبا إياه ورجاء فيه، أن ينجز له وعده الذي وعده، ومعلما أصحابه رضي الله تعالى عنهم أن قيم الإيمان بكل معانيها، وأعظمها قيمة التوكل عليه سبحان والإخلاص له جل في علاه، هي العاصمة لهم من الزلل الجالبة لهم النصر، فإن قل عددهم فإن الإيمان يجلب لهم المدد الإلاهي، وإن ضعفت عدتم فإن النصر من عند الله تعالى. ومن تمام التوكل على الله تعالى الأخذ بالأسباب، بالإعداد المادي والاستعداد القلبي وكمال الإخلاص لله تعالى، حتى لا يبْطل العمل، ومن قيم الإيمان في غزوة بدر الكبرى كما في غيرها من الغزوات بالإضافة إلى قيمة التوجه لله تعالى بالدعاء؛ قيمة ذكر الله، قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا ليقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 1 فإذا كان الدعاء رجاء فإن الذكر توكل وإخلاص وكلاهما قيمتان من مقتضيات الإيمان بالله تعالى.

غزوة بدر الكبرى والقيم الغائية

إذا كان الإيمان يمثل قاعدة القيم التي شكلت الأرضية الصلبة التي ثبت الله تعالى بها أقدام الصحابة في معركة بدر الكبرى، فإن قيمتي العدل والإحسان تمثلان قيمها الغائية، وهما قيمتان ترسمان أفق هذه المعركة وأفق الحضارة الإسلامية عبر الأزمان.

 غزوة بدر الكبرى ومظاهر قيم العدل

 إن الغاية من معركة بدر الكبرى من جهة المسلمين؛ هي تحقيق قيمة العدل وما يتعلق بها من قيم الحرية، وحفظ الحقوق، ولعل أسبابها تدل على ذلك:

–        هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قبله الصحابة الكرام إلى المدينة المنورة كانت هجرة اضطرار، لأن قريشا اضطهدتهم في قيمة حرية التدين وقاتلتهم على ذلك، وهمت بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، باعتبار دعوته حرية تشمل حتى حرية العبادة قال الله تعالى ” لا إكراه في الدين “. 2

–        اعتراض قافلة أبي سفيان كان من أجل استرداد بعض مما نهبته قريش من ممتلكات المهاجرين، التي خلفوها وراءهم فرارا بدينهم، وقد عادوا أدراجهم إلى المدينة بعدما أمّن أبو سفيان القافلة، إلا قريشا أرادت الحرب، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن يستشير الصحابة في أمر المواجهة، فقال عليه الصلاة السلام “أشيروا علي يا قوم”، وهنا يظهر لنا أول تجلٍّ قيمي من تجليات العدل، ألا وهو قيمة الشورى بما هي إشراك ومسؤولية في اتخاذ القرار، قال الله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإن عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين 3وقد تعددت صور قيمة العدل في غزوة بدر الكبرى نذكر منها على سبيل العد لا الحصر:

–        قيمة المشورة أو النصيحة من الجند للقائد: ظهرت في نصيحة الحباب بن المنذر رضي الله عنه، في مسألة نزول جيش المسلمين في العدوة القصوى، قال رضي الله عنه سائلا الرسول صلى الله عليه وسلم “يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس أن نتقدم فيه ولا نتأخر عنه، أم هي الحرب والمكيدة؟ قال عليه الصلاة والسلام: بل هي الحرب والرأي والمكيدة فقال: فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فنهض رسول الله تعالى وتحول إلى المكان والرأي الذيْن أشار بهما الحباب بن المنذر رضي الله تعالى عنه”. 4.

طالع أيضا  زكاة الفطر طُـهرة للصائم... وطُـعمة للمسكين

ذكر الدكتور سعيد رمضان البوطي إجماع المسلمين على أن “الشورى في كل مالم يثبت فيه نص ملزم من كتاب أو سنة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله… وأما ما ثبت فيه نص من الكتاب أو الحديث… فلا شأن للشورى فيه”. 5.

–        قيمة الإنصاف والقصاص وربط المسؤولية بالمحاسبة: تجلت هذه القيمة سلوكا في قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابي الجليل سواد بن غزية، حليف بني عدي بن النجار، كان خارجا عن الصف، فحركه النبي صلى الله عليه وسلم بقضيب من سواك قائلا له: “استو يا سواد بن غزية” فطلب الصحابي القصاص بأدب جم لحاجة في نفسه فقال: “آه أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق فأقدني، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: “استقد، اقتص يا سواد، حينها انكب سواد فاعتنق النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطنه الشريف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ما حملك على هذا يا سواد؟” قال رضي الله عنه: “يا رسول الله، حضر ما ترى فلم آمن القتل فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك”. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم.

إن القيم في الإسلام قائمة على مبدأ المساواة في الحقوق، والكل سواء أمام القانون، ولذك نجد القرآن الكريم يقر بالعدل ولو على النفس، لما في ذلك من أهمية في بناء الدولة وتماسك المجتمع، وحماية كرامة الأفراد وصياتها.

–        قيمة احترام العهود والمواثيق: ذالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بأمر قريش وخروجهم للقتال بعد أن سلمت أموالهم، استشار أصحابه فتكلم المهاجرون رضي الله عنهم وأحسنوا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عاد يطلب الاستشارة رغم سماعه مقالة المهاجرين، فقال له سعد بن معاد وهو سيد الأنصار: “والله لكأنك تريدنا يا رسول الله” قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أجل” فقال معاد بن جبل مقالة، سر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن المعاهدة التي تمت بموجبها بيعة العقبة الثانية تضمنت بنودا واضحة، لعل أهمها الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم داخل المدينة ليس خارجها، وغزوة بدر ستدور رحاها خارج المدينة، وهي معركة المهاجرين بالدرجة الأولى، فالنبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يحترم ما نصت عليه المعاهدة، بل ما نصت عليه البيعة، في إشارة واضحة إلى أن الحاكم تربطه بالمواطنين اتفاقات سياسية – طبعا النبي له خصوصية الوحي والنبوة- ليس من حق أي طرف خرقها تحت طائلة بطلان عقد الاتفاقية.

–        قيم حماية كرامة الإنسان حتى في حالة الحرب

إن الحالة النفسية للجند في ساحة الحرب لا تستقر على حال، فهي بين دفع للموت الذي يحيط بها من كل جانب، وبين تحقيق النصر وتحقيق الغلبة، وغالبا ما يكون ذلك بزهق أرواح أبرياء، وحرق للأخضر واليابس، فأكثر المعارك عبر التاريخ خلفت أخطاء ومآسي، أكثر مما يمكن أن يتصور أنه ربح وانتصار، في غير السيرة النبوية فأنه لا قيم ولا أخلاق في الحرب، لكن غزوة بدر استثناء من هذه القاعدة العامة، لأنها أسست لأخلاقيات الحرب، حيث ينبغي مراعاة حرمة الإنسان حيا إذا أصبح أعزلا، ومراعاة حرمته إذا فارقت روحه الحياة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن موتى قريش في موقعة بدر في قليب، ولم يتركها للسباع والضواري، وفي رواية أبي داود رحمه الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلّوا وضمّوا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”، وفي حديث آخر نجد النبي صلى الله يوجه الصحابة بأن لا يقتلوا ضرعا ولا يحرقوا زرعا ولا يقطعوا شجرة وما إلى ذلك من القيم المتعلقة بالإنسان والبيئة والمجال.

طالع أيضا  في الجلسة الليلية التاسعة.. الدكتور متوكل يجيب عن سؤال: ماذا يريد الله بنا وماذا نريد لأنفسنا؟

غزوة بدر الكبرى والقيم الإحسانية

 المتأمل لمجريات غزوة بدر الكبرى وما حققته من نصر للمسلمين، سيدرك عمق القيم التربوية التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وهي قيم قائمة على طلب وجه الله تعالى والتوكل عليه والتبتل إليه والإخلاص له، فكانوا يقبلون على الموت طامعين في نيل وسام الشهادة، وقد يحزن الواحد منهم إن لم يصبها، ويكفي في هذا المقام، أن نذكر موقف الأنصار من مواجهة قريش في هذه الغزوة، التي لم تكن من ضمن ما تم الاتفاق عليه في بيعة العقبة، وهذا ما يفسر إلحاح رسول الله تعالى في مشورة الأنصار بعدما سمع مقالة المهاجرين المعنيين بشكل مباشر بهذه الموقعة، يقوم سيد الأنصار سعد بن معاذ فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: “لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك”. فما سر هذه المواقف عند الأنصار والمهاجرين على السواء؟ إن الأمر في نظري ينطوي على القيمة الإحسانية التي تجعل المحسن متعلقا بطلب وجه الله تعالى، فتكون منزلة قيمة الإحسان هي أعظم غاية يطلبها السالك إلى الله تعالى، فالأنصار “لم تكن مبايعتهم للرسول إلا مبايعة مع الله سبحانه وتعالى، ولم يكن التزامهم للدفاع عن الرسول صل الله عليه وسلم إلا دفاعا عن دين الله تعالى” 6ولا يكون ذلك إلا بقيم تتحقق بها هذه القيمة الجامعة وأهمها:

 قيمة التربية

إن القيم لا يمكن أن تتحقق في سلوك الناس إلا بالتربية، فلا قيم بلا تربية، ولا معنى لتربية لا تثمر قيما ينضبط بها سلوك الأفراد. إن التربية تتوجه لتغيير ما بالنفس، وتكشف ما أصابها وما يعلق بها مما هو ليس من أصل فطرتها التي فطر الله عليها الإنسان، وذلك بفعل عوامل التربية الأسرية والثقافة الاجتماعية. إن وظائف التربية ثلاث، تستهدف وجدان الإنسان وعقله جوارحه، حتى تكون شخصيته متوازنة متزنة ليدرك معنى وجوده، ووظيفته في هذه الحياة، ومنتهى غاياته، وإذا استوت جوارح الإنسان بما استقر في عقله مبدأ، وبما آمن به قيمة، فإن فعل المربي يكون قد بلغ غايته فيمن وقع عليهم فعل تربيته، ولنا في تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة والإسوة الحسنة. كان صلى الله عليه وسلم في أول بعثته يجتمع مع المؤمنين الأولين بدعوته، في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ثم بعد الهجرة في مسجده بالمدينة المنورة، فكانت خمسة عشر عاما من التربية الإيمانية الجهادية، كافية لنرى أول ثمارها في غزوة بدر الكبرى، دخل معمعانها الصحابة رضي الله عنهم على قلة عددهم بقيم روحية عالية، جمعتهم تربية الرسول صلى الله عليه وسلم على تصور واحد، وغاية جامعة، ومنهاج لاحب، فكتب الله على أيديهم صفحات النصر على من جاؤوا بخيلهم ورجلهم، وعددهم وعدتهم، لإطفاء نور الله – أي الإسلام – فيأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فغلبت الفئة القليلة الفئة الكثيرة وذلك ولا شك بفعل التربية القائمة على ذكر الله الكثير، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 7 تربية قائمة على قيمة الصدق، صدق طلب ما عند الله قال تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا 8 تربية قائمة على البذل، بذل المال والنفس في سبيل الله تعالى قال جل في علاه: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون 9 تربية قائمة قبل كل ذلك على الأخوة في الله، والإيواء والنصرة في سبيل الله، والولاية في الله سبحانه وتعالى، قال جل في علاه: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض 10 تلكم كانت بعضا من القيم الناظمة لقيمة التربية، التي أسست معالم العمران الأخوي لأمة الإسلام، والتي اختبرها الله تعالى في أول موقعة بين أهل الإيمان وأهل الشرك، بين قيم الإسلام الكبرى ونزوات قريش وشهواتها.

طالع أيضا  غزوة بدر والحقائق المغيبة في انتصار تنظيمات ودول الأمة الإسلامية

قيمة الصحبة

إن القيم التربوية الروحية الإيمانية ما كانت لتثمر هذه المواقف الباذخة الراقية في مواقف البدرين وسلوكهم في غزوة بدر الكبرى، لولا صحبتهم للرسول المربي المجاهد صلى الله عليه وسلم، الذي كان لهم فيه الموعظة والإسوة الحسنة قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا 11 إن قيمة التربية تكون بقدر قيمة المصحوب، إذ إن التربية لا تكون إلا من مربٍّ يربي بحاله قبل مقاله، يعطي المثال القيمي الأخلاقي في نفسه لمن يريد أن يبثها في نفوسهم، الواقعين تحت تربيته. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة : هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، في أقواله أفعاله أحواله”. 12 فكل القيم التي ظل النبي صلى الله عليه وسلم يربي عليها أصحابه رضي الله عنهم، ما كان يصعب عليهم تمثلها أخلاقا ومواقف في سلوكاتهم، لأنهم كانوا يرونها في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تكن مجرد كلمات تقال، ولا معرفة تدرس في المجالس فحسب، بل كانوا يرونها في أحواله صلى الله عليه وسلم، ولذلك وصفته أمنا عائشة رضي الله عنها لسعد بن هشام بن عامر حين سألها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: “كان خلقه القرآن” 13 لأنه صلى الله عليه وسلم تجسدت فيه قيم القرآن الكريم أخلاقا عالية، قال الله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم 14 في غزوة بدر الكبرى رأى الصحابة المجاهدون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويتضرع إليه وهو المبشر بالجنة، رأوه وهو يذكر الله كثيرا ويحثهم على ذكره، رأوه وهو يكشف عن بطنه لسواد بن غزية ليقتص منه في الواقعة التي سلف ذكرها التزاما منه صلى الله عليه وسلم بقيمة الإنصاف، وغيرها من القيم التي ذكرنها في هذا المقال، ولعل أعظم قيمة تتجسد فيها معاني قيم الصحبة هي قيمة محبته صلى الله عليه وسلم لصحابته وإشفاقه عليهم ومحبتهم له وحرصهم عليه، في ذلك الموقف العظيم غزوة بدر الكبرى، حيث عصابة قل عددها وعتادها، تقف لمواجهة قريش بخيلها وخيلائها وقوة عتادها وكثرة عددها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم مناج ربه في الحديث الذي رواه الإمام مسلم والإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما كان يوم بدر قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف، فاستقبل الرسول صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين وعدك الذي وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا…”

إن قيمة الإحسان حيث إرادة وجه الله معراج، يحتاج السالك فيه رفيقا دالا على الطريق بقيم تربوية حانية، أعظمها قيمة الحب في الله، والصدق مع الصادقين في طلب وجه الله، وقيمة بذل الجهد والوقت والمال والنفس ابتغاء مرضاة الله.

خلاصة القول إن البناء القيمي من خلال غزوة بدر الكبرى؛ يقوم على قاعدة القيم الدينية من إسلام وإيمان وإحسان، نحو أفق القيم الغائية المتجسدة في قيمتي العدل والإحسان لتغيير ما بالأنفس خلاصا فرديا، وتغيير ما بالآفاق وعمارة الأرض بالخير خلاصا جماعيا، وقيم بانية تنتظم في سلك هذه القيم الجامعة، بناء قيمي ما أحوج الأمة اليوم لاكتشافه لتبرأ من داء غثائيتها وانهزامها النفسي والأخلاقي، لتخرج إلى البشرية مبشرة بقيم الإسلام ورحمته.


[1] سورة الانفال الآية 45.
[2] سورة البقرة الآية 255.
[3] سورة آل عمران الآية 159.
[4] رواه ابن وذكراه الحافظ بن حجر العسقلاني في الإصابة.
[5] البوطي سعيد رمضان، فقه السيرة ط 6.
[6] سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة.
[7] سورة الأنفال الآية 45.
[8] سورة الاحزاب الآية 23.
[9] سورة التوبة الآية 20.
[10] سورة الأنفال لآية 72.
[11] سورة الأحزاب الآية 21.
[12] تفسير ابن كثير ص، 420.
[13] الحديث طويل في صحيح الإمام البخاري كتاب: المناقب باب: صفة النبي صبى الله عليه وسلم.
[14] سورة القلم الآية 4.