(1)

رحم الله الإمام المربي أبي الفرج بن الجوزي، أحد أعمدة فقهاء التربية، وأجزل له المثوبة بما نصح وربى وعلم، لقد خبر ـ أعلى الله مقامه ـ عالم الروح وعجائب القلب، فعقد المجالس يعالج فيها نفسه وأنفس الأمة بترياق القلوب، ذكر الله المنور بحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لتولد القلوب ولادة روحية، تفطمها عن الحجب المانعة عن السلوك إلى الله عز وجل.

لقد كانت ذرر مواعظ ابن الجوزي رحمه الله من أجمل هدايا الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله وأعلى مقامه بما نصح وربى وعلم، في جل المناسبات العيدية وغيرها من مواسم الخير؛ يختار الإمام ياسين رحمه الله مختارات من أطايب كلام أهل الله، ويهديها بعد إعادة إخراجها في حلة جميلة متجددة، بغية استنهاض الهمم، شوقا وطلبا لأعز ما يطلب، النظر إلى وجه الله عز وجل، وتحقيقا للتربية الإيمانية الإحسانية المتوازنة الجامعة بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي للأمة، فالإمام رحمه الله رتب المطلب الإحساني في درجة أسبق المطالب بسلم الأولويات، وأكد على أن: “القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها” 1.

(2)

بحرقة ولوعة وشوق، ينير قلوبنا وأفهامنا الإمام الواعظ ابن الجوزي برسالة موعظة عنونها بـ“وداع رمضان” 2، والقارئ لهذه الرسالة، سيثير انتباهه أن الإمام ابن الجوزي استعمل لفظة “وداع”، فالإمام رحمه الله يختار عباراته بدقة عالية، فاللقاء ـ كما هو معروف في مدلول اللغة العربية ـ محقق الرجوع، أما الوداع فمستحيل الرجوع، وبالنسبة لرمضان فهو محقق الرجوع زمانا، لكنه مستحيل التحقق اغتناما في زمانه الفائت، فأعماله قد رفعت إلى أن نلقى الله عز وجل.

إن وعظ الإمام ابن الجوزي رحمه الله لم يكن كلاما مرسلا جافا، بل كانت له نورانية خاصة تنبع من معين ومشكاة الكلم النبوي، كلام كله همسات وزفرات من رحيق الرقائق التي تخرج من قلب الذاكر الواعظ لتقع مباشرة في قلوب السامعين، فتثمر دعوة وخشية وإيمانا، ومن بين هذه الصور الدعوية الربانية نورد أنه “في غرة رمضان سنة 567هـ تكلم في مجلسه (أي ابن الجوزي رحمه الله) بالحلبة، فتاب على يديه نحو مئتي رجل، وقطع شعور مائة وعشرين منهم” 3.

(3)

طالع أيضا  تَعرَّف على سُنَّة الاعتكاف

نستمع إلى الوعظ الجوزي المُودِّع لرمضان المبارك، يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

فيا إخوتي:

قد دَنا رحيل هذا الشهر وحانْ.

فرُبَّ مؤمِّل لقاء مثله خانه الإمكانْ.

فودِّعوه بالأسف والأحزانْ.

واندبوا عليه بألسُن الأسى والأشجانْ.

السلام عليك يا شهر رمضان سلام محب أودى به القلقْ.

                *****

السلام عليك يا شهر ضِياء المساجدْ.

السلام عليك يا شهر الذكر والمحامدْ.

السلام عليك يا شهر زرع الحاصِدْ.

السلام عليك يا شهر المتعبِّد الزاهدْ.

السلام عليك من قلب لفراقك فاقدْ.

السلام عليك من عين لفراقك في أرقْ.

السلام عليك يا شهر المصابيحْ.

السلام عليك يا شهر التراويحْ.

السلام عليك يا شهر المُتّجر الربيحْ.

السلام عليك يا شهر الغفران الصريحْ.

السلام عليك يا شهر التبريّ من كل فعل قبيحْ.

            *****

فيا ليت شعري هل تعود أيامك علينا أم لا تعودْ.

ويا ليتنا عَلِمنا مَنْ المقبول منا ومَنْ المطرودْ.

ويا ليتنا تحققنا ما تشهد به علينا يوم الورودْ.

ويا أسفا لتصرّمك يا شهر السعودْ.

ويا حزنا على صفاء القلوب وإخلاص السجودْ.

السلام عليك من مودِّع بتوديعك نطقْ.

              *****

فرحم الله امرءاً بادر خلاصه في باقي ساعاتهْ.

والتفت إلى وقته واجتهد في مراعاتهْ.

واستعدّ لسفره بإخلاص طاعاتهْ.

واعتذر في بقية شهره من سالف إضاعاتهْ.

واعتبر بمَنْ أمّل أن يرى مثل شهره هذا قبل وفاتهْ.

فتضرَّمت نار أجله في عود أمله فاحترقْ.

                  *****

أين مَنْ كان معكم في العام الماضي.

أما قصدته سهام المنون القواضي.

فخلا في لحده بأعماله المواضي.

وكان زاده من جميع ماله الحنوط والخِرَقْ.

                  *****

فتيقّظ أيها الغافل وانظر بين يديكْ.

واحذر أن يشهد شهر رمضان بالمعاصي عليكْ.

وتزود لرحيلك وانصب الأخرى بين عينيكْ.

طالع أيضا  ذ. بارشي: قيام الليل دأب الصالحين وراحة المومنين

واستعدَّ للمنايا قبل أن تمد أيديها إليكْ.

قبل أن يوثق الأسير ويشتد الزفير ويجري العَرقْ.” 4

(4)

رمضان لما بعده، فكما تهفو النفوس لقدومه وتحن القلوب للقائه، وتدمع العيون لفراقه، ينبغي أن تحرص الجوارح والأفئدة على أن تكون روح رمضان حاضرة في كل شهور السنة، وليكن حافزنا شوق وديدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، الذين كانوا “يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم” 5.

 

يقول ابن الجوزي رحمه الله في مقطع آخر من رسالته الوعظية الرمضانية:

“فيا أيها المقبول هنيئاً لك بثوابه تثوي بهْ.

وبشراك إذا أمّنك الرب من عقابهْ.

وطوبى لك حيث استخلصك لبابهْ.

وفخراً لك حيث شغلك بكتابهْ.

فاجتهد في بقية شهرك هذا قبل ذهابهْ.

فربّ مؤمّل لقاء مثله ما قُدِّر له ولا اتفقْ.

              *****

ويا أيها المطرود في شهر السعادة.

خيبة لك إذا سبقك السادة.

ونجا المجتهدون وأنت أسير الوسادة.

وانسلخ هذا الشهر عنك وما انسلخت عن قبيح العادة.

فأين تلهُفك على الفوات وأين الحُرَق؟” 6

(5)

فاللهم اجعلنا ممن يشكرون نعم الله عز وجل، واللهم كما بلغتنا شهر رمضان، ارزقنا بركات نفحاته الربانية، وتسلمه وتقبله منا كما تسلمته وتقبلته من حبيبك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلنا من السعداء الشاكرين الذين ربحوا البيع مع الله عز وجل في هذا الشهر، واستجابوا للنداء الرباني: بل الله فاعبد وكن من الشاكرين 7، فحق فيهم قول الله تعالى: وسنجزي الشاكرين 8.

 اللهم ببركة رمضان وما تُليت فيه من آي القرآن، وما رُفعت فيه من الأعمال، ارفع عن بلدنا وباء “كورونا” وعن الإنسانية جمعاء، وأنزل اللهم الدواء والشفاء.

اللهم آمين.

طالع أيضا  الأستاذ مصطفى حمور يتحدث عن الصيام المتوازن

[1] عبد السلام ياسين، الاحسان، ط 1998، ج 1، ص: 26.
[2] رسالة وداع رمضان للإمام ابن الجوزي وهي مجموعة من الوصايا والمواعظ قام بتحقيقها د. عبد الحكيم الانيس.
[3] عبد الرحمن بن الجوزي أبو الفرج، المنتظم، ط 2 ج 18، ص: 197.
[4] عبد الحكيم الانيس، وداع رمضان للإمام أبي الفرج بن الجوزي، ط 1، 2011، ص: 63، 64،65،66
[5] ابن رجب، لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص 209.
[6] وداع رمضان للإمام أبي الفرج بن الجوزي، ص: 62.
[7] سورة الزمر، الآية 66.
[8] سورة آل عمران، الآية 145.