نظمت جماعة العدل والإحسان خلال الفترة الممتدة ما بين 18 و28 من شهر رمضان من السنة الهجرية 1441 رباط العشر الأواخر من رمضان عن بعد، تحت أنوار قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدونالبقرة/ 186. وإذا كانت مثل هذه الأنشطة غير جديدة في البرنامج التربوي العام للجماعة، فإن السياق العام الذي يؤطرها انعقادا في زمن جائحة كورونا، وخروجا إعلاميا عبر النقل الإلكتروني على قناة الشاهد في الشبكة العنكبوتية، أعطى المناسبة زخما متعدد الدلالات والإشارات بما يفتحه الحدث من إمكانات واسعة لإعادة قراءة التجربة الدعوية لجماعة العدل والإحسان سواء في سياق تجديد النظر في خطاب الفكر الإسلامي المعاصر أم في نسق تقييم تجربة الحركة الإسلامية المغربية، خاصة في مدى قدرتها على توطين عمل دعوي ملائم للبيئة المعيشية دونما انقطاع عن العالم وأحواله.
لم يمر رمضان هذا العام من دون أن تبدع جماعة العدل والإحسان ما يكشف أننا بصدد تجربة دعوية مجتمعية تستحق الإنصات بمعيار الإنصاف، والاعتبار بمعيار العدل بعيدا عن القراءة السياسوية المغرضة. فهل يمكن للعين البصيرة أن تقفز على أنشطة جماعة العدل والإحسان خلال الفترة التي تلت فرض الحجر الصحي بسبب ظروف بلاء كورونا، من غير أن يثار فضولها للاطلاع على الأقل على فاعل حاضر في المشهد العام المغربي، وإن اختلف في درجة الحضور وفاعلية الحضور؟ هل يمكن أن تمنع المذهبية الذاتية التي لا ترى الآخر إلا من زاوية الخصم المنافس بعيدا عن مقتضيات الإنصاف من قول كلمة الصدق في ساعة الصفاء بعيدا عن الحسابات الضيقة؟
يمكن لمحطة الرباط الجامع أن تجسد لحظة تاريخية مهمة في تاريخ جماعة العدل والإحسان، بما قدمته من صورة لنموذج الفاعل المجتمعي الحي الذي يعرض إمكانات هائلة للابتكار في أزمنة الضيق، ونموذجا لقدرات الاقتحام والدخول على الناس من كل باب. الرباط خطوة مهمة للتعرف على الجماعة من الداخل بغير وسائط التلقي المضيعة لمضمون الرسالة أحيانا، وهو فرصة مناسبة للاطلاع على بعض من برامج الجماعة وأنشطتها الداخلية التي تحول ظروف الحصار المخزني دون التعرف عليها عن كثب. والرباط بعد إطلالة عن بعد على الجهد القوي الجبار المبذول المستمر الذي يصل العمر بالعمر في احتضان الأعضاء وتربيتهم وتوعيتهم وتأهيلهم، من خلال نمذجة تطبيقية للعمل الجاد في بناء الشخصية الجهادية منذ عقود متتالية من الزمان.
من الأمور الأساسية التي جلاها لنا هذا الرباط العزم المصر على تعميق معاني انجماع الذات على الله وجمع القلوب والنفوس والعقول على إرادة وجه الله، والالتزام الصارم بربط النفس والجوارح على لزوم المعتكف والرباط، والتوجه المتوثب إلى الإقبال على الله دعاء واستجابة وسؤالا وتنسما لمعاني القربات وحثا على الاستجابة للنداء الرباني وعلى الإيمان وعلى التطلع لمعاني الرشد، وهي كلها معان تعبر عنها أنوار الآية التي اتخذت منطلقا لا شعارا دون دثار. 
كان الرباط فرصة سانحة لتدخل الجماعة مفاهيمها إلى حقل التداول الإعلامي؛ فيسمع الناس والعموم عن مفردات كالرباط، ويوم المؤمن وليلته، وسور وآيات فاضلة، وجلسة الشروق، ودعاء الرابطة، وأدعية التحصين، وجلسات الذكر، وتذكرة المرابط، وموعظة الأوقات، والرواتب والكلمة الطيبة، وأدعية الصباح والمساء. وهي مفردات تمثل جزءا من مفاهيم التداول التربوي في المجالس الإيمانية للجماعة، ووراء كل مفردة جهد واف لاجتهاد تجديد التأصيل الشرعي والتنزيل العملي، والتحفيز الإرادي للتنفيذ الواقعي.
من المهم تأكيد أن الرباط الجامع كان حقا جامعا، بما عرضه من قضايا جمة متعددة؛ تحضر القضية المسكوت عنها المغيبة المصموت عنها، قضية الإنسان مع الله، قضية ماذا يريد الله من الإنسان؟ وماذا يريد الإنسان لنفسه؟ تحضر قضية التربية والكيفية العملية العينية التي تشتغل على النفس تزكية وترقية وتصفية. تحضر نظرات في سنة الله في كونه تغييرا لما بالإنسان ليتغير ما بالقوم، وتدافعا مع الباطل، وبلاء وابتلاء وتداولا للأيام بين الناس. يحضر التنفيذ العملي للآليات التربوية الكفيلة بتجديد الإيمان وبتقعيد التدبير الذاتي للوقت بالخروج من زمن الغفلة إلى زمن الذكر، ومن تسيب العادة إلى انضباط العبادة. تحضر هموم الإنسانية وآلامها وحاجتها لمن يسمعها فطرتها. تحضر القضية النسائية والحاجة إلى التكامل الوظيفي بين الرجل والمرأة وآثار ذلك على تحقيق الاستقرار الأسري.
نرى قضية العلاقة الجدلية بين العلم والعمل في معنى العلم بالله ومعنى العلوم الكونية، وأهمية النظر قبل العبور، وفي بناء العلم الذي يكون إماما للعمل لا مطية للجدل. يتقوى في الرباط حضور القرآن تلاوة وحفظا وتدبرا وعملا وتطبيقا. تتبدى النظرة المجددة لمعنى السنة النبوية بالانتباه إلى الجزء الخاص بالصفات الخِلقية والخُلقية والأحوال التي تتجاوز الجانب التقنوي الظاهري في السنة والسيرة إلى جانب التمثل والاقتداء السلوكي والوجداني العاطفي والمتابعة القلبية. لم تختف في الرباط قضية فلسطين ومركزيتها وارتباطها بقضايا الأمة وحسمها في قضايا التحرير العام لأوطاننا من الجبر والاستبداد. ويحضر تدبير الذات وتنظيم الوقت تربية وتنظيما وتطبيقا وكذا فاعلية الجدوى في بناء شخصية الفرد والجماعة.
يحضر الاهتبال المسابق لربح رهان الزمان واستثمار نفحاته في ليلة القدر. تبرز الكلمة الشعرية مسك الختام بالكلمة الراقية والرائقة الوازنة الموزونة. ويحضر التعليم والتعلم لقضايا الفقه الخاص بالزكاة وصلاة العيد بسلاسة بعيدة عن تعقيدات وتقعيدات الفقهاء.  ويحضر الدعاء والتضرع الواصل بين الأرواح الرابط بين القلوب.  ويتنسم هذا الحضور كله بقضاياه تلك عبير الأجواء الروحانية العبقة بالإيمان تستشعرها وإن على بعد الأثير القلوب الحية والهمم العالية.
لا يمكن للناظر أن يفلت خصائص مهمة تسم البرنامج المقدم المعروض على سفرة الرباط؛ لن تفلت العين سمات التنوع، والشمولية، والتجديد، والتوازن، والمرونة، والواقعية. ولن تفلت العين أناقة المشاركين وابتسامتهم ونورانيتهم البادية. ولن تفلت حضور بعد الجسد الواحد الذي يتكامل فيه حضور المرأة مع الرجل، والشاب مع الكهل، وتتناسق فيه جهود المؤسسات ذات الاختصاصات الوظيفية المتباينة. ولن يخفى على الباحث توازن الخطاب في جمعه بين المعاني الإيمانية والدلالات السياسية. ولن تخطئ الأذن خطاب السلاسة والانسياب، وانعدام التكلف والتقعر في القول، والتواضع والبساطة في الصورة والملبس. ولن تخفى الاحترافية والمهنية في الإعداد الإعلامي رغم الظروف المحيطة والبلاء النازل.
من الخصائص المهمة التي ميزت خطاب الرباط الجامع خاصية الإجرائية التي قدمت النموذج العملي العيني لما ينبغي أن يكون عليه وقت المؤمن في يومه وليلته، وكيفية انتظام الذات الإنسانية في زمن الامتداد الزمني العام للعبادة من دون قهر، وقد ظهرت هذه الإجرائية على نحو واضح في ما ختم به الرباط من ذكر الأمور العملية التي يمكن للفرد أن يخرج بها ليستمر الرباط في معانيه المتجددة.
 خاصية الوضوح من مميزات الكلمة الحجة عند الجماعة، فكان الخطاب في الرباط واضحا ومسؤولا خفاقا بذكر الغيب والتذكير بالله وبالموت، وبلقاء الله ورجاء ما عند الله. وهي خاصية تطبع الخطاب الإحساني للجماعة دون نسيان التذكير بأن هذه المحطات هي خلوة من أجل جلوة؛ أي نقطة ارتكاز تربوية علمية تدريبية للخروج لممارسة الدعوة، فالرباط لا يتعلق هنا باسترواح منكفئ عن الواقع، منزو إلى نورانية الروحانيات الوجدانية، منقطع عن خطاب العدل المسؤول. ويشعر المتابع بهذا الانسجام والاتساق في الخطاب بين هذا التموج المتراوح ين السياسة والتربية والفقه والشعر والتاريخ من دون تداخل ولا تغالب.
راج خطاب الرفق والرحمة والأنس والتواصل والتودد والمحبة والصفاء والحوار، وتوارى خطاب المظلومية والشكوى جراء الظلم النازل بساحتها تشميعا للبيوت ومطاردة في الأرزاق وإعفاء من مهام الوظيفة.
أبان الرباط لمن يحتاج إلى دليل أن جماعة العدل والإحسان ليس عندها ما تخفيه، وأن خط النظر في المنهاج النبوي كان صائبا لما ركز منذ انطلاقته على معاني الوضوح والخروج من غلس السرية والغموض فكرا وعملا، وأن بسط التصور النظري للعمل والملامح العامة للسير، والتنظير لغد الإسلام كان توفيقا ربانيا عصم البلاد من رعب العنف والإرهاب وخطاب التشدد، وربى شبابا على الوسطية وعيش الزمن بالزمن ومقارعة الفكر بالفكر. وقدم الرباط نموذجا لأناس ذوي مشروع يحيون مثل ما يحيا المغاربة، يأكلون طعامهم، ويمشون في أسواقهم، يرتدون ثيابهم، ويبتسمون ابتسامتهم، وقدم صورة غير تلك التي تحاول الدولة تسويقها عن تنظيم عصي على الترويض والتدجين. 
أبان الرباط الجامع لجماعة العدل والإحسان عن الحاجة إلى بحث علمي يقرأ الجماعة قراءات متعددة تنظر في جدلية الخطاب والممارسة، ويناقش بعمق معنى المشروع المجتمعي الذي تتقدم به مقترحا لتأسيس العمران الأخوي. و لعله  فرض وسيفرض على الجماعة التصدي لتحديات جسام لنقل معاني المحبة والصفاء والعطاء المعيشة وسط الجسم الداخلي لتكون معاني سائدة وسط المجتمع في جهد التربية والبناء، فإن هناك  شعبا ينتظر من يرد له بالعمل الماثل لا بمجرد القول الهامل الثقة في الفاعل المجتمعي،  وإن هناك فضلاء وأهل مروءة يحتاجون لمن يزيل عن أذهانهم وسابق أفكارهم تمثلات اجتهدت سنوات الدعاية المقيتة في لصقها  لكل رزية بكل مُنبَرٍ بخطاب الإسلام والقرآن، وإن هناك ساحة للتدافع  مع الظلم تنظر من يترجم الفكر إلى سلوك يعطي للسياسة معنى النبل في زمن الانتهازية والنفاق.
و حاصل القول: إن الرباط الجامع لجماعة العدل والإحسان سيعيد للأنظار والنظار سمة التوازن  في الخطاب الدعوي والسياسي، وهي السمة التي قد تكون سرقتها من وعي الناس ظروف المجابهة مع الدولة، ولربما سيعاد رسم ملامح جماعة غير تلك التي تحصرها فقط في صورة المعارضة السياسية الجذرية، ولربما يكون من محاسن هذا الرباط الجامع أن تظهر حقيقة الجماعة في  هويتها الداعية  لتحقيق مفهوم المعنى للإنسان ولوجوده، والمعنى للعالمين في عيشهم المشترك على أرضية البسيطة المهددة أكثر من أي وقت مضى بالانهيار التام جراء كسبته أيدي الناس.

طالع أيضا  في الجلسة الليلية السابعة.. الأستاذ بويبري يقرن العلم الشريف بالتربية