بعد تجربة مجالس النصيحة عن بعد، والتي بادرت جماعة العدل والإحسان لاعتماده آلية لتدبير فترة الحجر الصحي بسبب وباء “كورونا”، وتنزيلا لبرامجها التربوي، دعت الجماعة أعضاءها للانخراط في الاعتكاف الرمضاني سمّته تجاوزا “الرباط الجامع” لكونه يغطي أياما قبل العشر الخواتم من رمضان، وهو تدقيق أكثر من شكلي يحيل على حرص الجماعة على تفادي نقاشات قد تشغل عن الجوهر، فرب قائل يقول: الاعتكاف مسنونٌ خلال العشر الأواخر من رمضان، وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الاعتكاف قبل هذه الأيام.

هو إذن رباط، تربُّصٌ، سمّه ما شئت، فلا مشاحة في الألفاظ، وإنما العبرة بالجوهر، والجوهر اغتنام فترة الحجر الصحي للاجتهاد في الطاعات وسائر القربات تشوفا لليلة غراء، عظيم قدرها، رفقة الأهل والأبناء؛ وقد يكون هذا الرباط فرصة استثنائية للأسر تفيض فيها الأنوار بقدسية الزمان وخصوصية العشر الخواتم من رمضان.

رباط عشريّ جامع، امتد من الثلاثاء 18 رمضان إلى غاية الجمعة 28 رمضان 1441هـ، جامع للقلوب على موائد القرآن الكريم والذكر والتذكير والعلم والتعليم، صبرا للنفس رجاء لوجه الله الكريم. جامع لا يتحقق إلا بانجماع القلوب كينونة مع الصادقين الطالبين وجه الله تعالى، وتهذيبا دائما متجددا للنفس وتقريعها، لتبرأ من علل العجب والشح والتسويف، فتتيقظ منها الهمة، وتسارع للتزود بالتقوى.

انجماع على الله تعالى تكفَّل ببسط وسائله وشروطه الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان في كلمته الافتتاحية، معلنا انطلاقة موكب الأنوار، ومحفزا الراغبين في الخير للالتحاق، قبل ضياع الفرصة، لتتوالى الجلسات المبرمجة بمعدل جِلستين يوميا، واحدة بعد الظهيرة وثانية ليلية، وتتخللهما مواعظ يومية بعد صلاة العصر.

وإذا كان يصعب التناول المُفصّل لما عرض خلال هذه الجِلسات، إلا أن الصفة الجامعة للرباط هي التنوع والشمولية؛ تنوع على مستوى العارضين، حيث كان الرباط مناسبة لتقديم مجموعة من أطر الجماعة إخوة وأخوات، حازوا التميز ليس بصفاتهم العلمية أو التنظيمية داخل الجماعة فحسب، بل بحذق شتى العلوم وطرق البسط الماتع، فاستحال الرباط مؤتمرا علميا يحاضر فيه أهل الاختصاص بعلو كعب يُطمئن على مستقبل الجماعة. والحمد لله رب العالمين. وشمولية استوعبت اهتمامات المؤمن والمؤمنة في هذا العصر، فتوزعت المواضيع بين التذكير بالأسس في الخلاص الفردي للمؤمن والمؤمنة يوم يأتي ربه فردا، لا تغني عنه الجماعة تصورُها ومواقفُها وشجاعتُها في الحق ومعانقتُها لهموم المستضعفين شيئا ما لم يُؤتَ بالقلب السليم. ومطالب الخلاص الجماعي للأمة تنزيلا لمجتمع العمران الأخوي، مجتمع التكارم والتعايش والتعاون بين البشرية جمعاء، وبين مواضيع مهارية تنبه إلى حسن استعمال الوقت، وتكسب مؤهلات تفيد في التدبير الراشد للحياة الأسرية، كما للعلاقات العامة مع الناس. كل ذلك بأفضل ما يكون العرض بسطا للأفكار وتحكما في وقت العرض. شمولية أسعفت في أن يجد فيها المرابطون والمرابطات بغيتهم أو جزءأ كبيرا منها، ليكون لهم حظ من موائد الرباط العلمية والتربوية والتدريبية.

طالع أيضا  الأسرة ومجالس القرآن في رمضان

شمولية وتنوع في مجالات اشتغال الجماعة دلت عليها حيثيات المحاضرين والمحاضرات. وكان لافتا تميز الأخوات إن على مستوى اختيار الموضوع أو بسطه باحترافية معتبرة. ولم يكن القائمون على البرمجة ليتجاهلوا الانشغالات الأسرية أو المهنية للبعض، فجاء البرنامج العام للرباط على قدر كبير من المرونة، تيسيرا لاستفادة الجميع من موائد الرباط.

ولأن رمضان على فضله لما بعده، والعشر الخواتم منه، فإن المعول عليه هو استثمار مخرجات هذه الأيام من الطاعات والأعمال الصالحة تثبيتا للفرائض واجتهادا في النوافل ما بعد رمضان، وكان هذا لب الكلمة الختامية للأستاذ محمد عبادي، ملفتا إلى دلالات العيد في ديننا فرحا بفضل الله ورحمته مع التهمم بأحوال المستضعفين وما يجدون من حرمان وبؤس في ظل حكم الاستبداد.

أجل، كان رباطا جامعا عن بعد، من الحيف اختزاله في مواضيعه على أهميتها، لكن خيطه الناظم مرابطة النفس وحبسها في جلسات ذكْر كلمة طيبة تجدد الإيمان، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تنوير الوجدان، واستغفارا تذللا بين يدي الرحيم الغفار، وأذكارا صباحية مسائية يُلاذُ بها بحصن العزيز الرحمن، وقراءة للقرآن واجتهادا في الختْمات في شهر تنزل الفرقان، وإقامة للصلوات في حينها دون كسل عن الرواتب والنوافل، ودعاءً رابطا بين القلوب ومواكب الأنوار منذ بداية الخلق، إلى يوم الناس. أنوار وأسرار أودعها الله تعالى في مجالس إيمان لا يشقى فيها الجلساء ولو عن بعد، فنورانية الأرواح تتخطى نسبية الزمان ومحدودية المكان.

وليكتمل مسك الختام، ويتضاعف منسوبه أطل الأستاذ منير الركراكي، وما كان له أن يخلف الموعد بقصيدة ماتعة في محامد الرباط وأنواره، قبل التذكير بضوابط أداء صلاة العيد في البيوت في ظل الحجر الصحي، بما يتوافق ونهج الجماعة الشامل في الفقه رفقا بالعباد وتيسيرا لإتيان الصالحات.

طالع أيضا  الدكتور الرضى: هذا شكل صلاة العيد في ظل الحجر الصحي

ميزة أخرى دالة، تتعلق بجودة العرض والتحكم في استعمال الوسائل التقنية، إضافة إلى عملية التقديم والربط بين المواد في شخص الدكتور عمر أمكاسو وما حباه الله من بشر وبشاشة، أكسبت الرباط جاذبية ووقارا.

والحمد لله رب العالمين.